المصروف له خصوصية شديدة في حياة الشاب فهو وسيلته لتحقيق أمنياته، وتختلف طريقة إنفاق كل شاب لمصروفه، فالبعض يستغله في شراء الكتب، والبعض الآخر ينفق جزءاً منه ويضع الباقي في حصالة، وبعضهم يصر على إنفاقه كاملاً لطلب المزيد من الأسرة.

في هذا التحقيق نرصد التفاوت في المصروف بين شاب وآخر ومدى كفايته لتلبية احتياجات الشاب وأوجه إنفاقه.

أحمد سليم طالب بكلية الآداب يحصل على مصروف أسبوعي قدره 200 درهم يذهب معظمه في المواصلات والمطاعم وعندما يحتاج لشراء الكتب أو المراجع يطلب إمدادات من أسرته التي لا تبخل عليه بشيء، ويقول: لا انفق درهما واحدا من مصروفي على الكتب الدراسية والملابس والأحذية وخلافه، إنما اخصصه للأمور الخاصة بي والتي يرفض والداي توفيرها مثل دعوة أصدقائي في المطاعم او السينما، بالإضافة إلى مصاريف الموبايل واشتراك الانترنت والشرائط الغنائية وغيره من المستلزمات الشخصية، لذا انتظر المصروف الأسبوعي بفارغ الصبر، إذ ينفد قبل انتهاء الأسبوع، وأتسول من أمي او شقيقاتي وفي كل مرة انوي وضع جزء منه في حصالة إلا أنني أعود وأسحب كل ما وضعته بها واحتاج المزيد خاصة بعد زيادة الأسعار.

خلود صافي علوم الكمبيوتر تنفق جزءاً من مصروفها الأسبوعي على الطعام خارج المنزل بالإضافة الى تكاليف الهاتف المتحرك، وتدخر الباقي لشراء الاحتياجات الضرورية. وتقول: لا أتوجه إلى الأسواق إلا حينما أكون في حاجة فعلية لشيء ما، وألتزم بمصروف محدد واتصرف في حدوده ولكن باعتقادي ان المصروف الشهري أفضل كونه يوفر مساحة من الحرية في التحكم وشراء الاحتياجات ولكنه للأسف يعيبه احتمال إنفاق كل المصروف في اول الشهر والبقاء بلا مال حتى نهايته، فالأمر يتطلب وعياً شديداً من جانب الشاب.

أما جيهان موسى طالبة بكلية الهندسة فتتقاضى مصروفا شهريا قدره400 درهم، تنفق منه 15 درهما في اليوم على الطعام في مطعم الجامعة، والباقي تنفقه خلال إجازة نهاية الأسبوع في المراكز التجارية على اكسسواراتها الشخصية وبعض المصروفات الأخرى. وتضيف: المصروف لا يكفي ولكن أمي تمدني بزيادات استثنائية في نهاية الشهر لمعرفتها بظروف الغلاء الذي نعانيه بمطاعم الجامعة مع عدم سماح الإدارة بإدخال الطعام الى الحرم الجامعي، لذا فهي ترى إنفاقها على طعام الجامعة مسؤوليتها الخاصة وتتحملها مناصفة معي بعلم والدي ولكنه لا يستطيع تقديم أكثر مما يقدم من مصروف شهري لتعدد التزاماته مع أشقائي الجامعيين أيضا.

وفي السابق كنت أتقاضى مصروفي بشكل يومي ووجدت نفسي أنفقه عن آخره وفي الوقت نفسه لا استطيع ادخار جزء منه لشراء احتياجات شخصية كتبديل هاتفي المتحرك او شراء قطعة إكسسوار تعجبني او أدوات ماكياج او بلوزة او نظارة شمسية، فطلبت من والدي ان يمدني بمصروف شهري.

أما وليد عمر الطالب بكلية الآداب فيقول: أحصل على مصروف أسبوعي قدره 100 درهم من والدتي، لتلبية احتياجاتي من كتب وادخار بعض النقود للترفيه عن نفسي مع أصدقائي أو دخول السينما نهاية الأسبوع، وبالطبع هذا المبلغ لا يكفيني وأضطر للاقتراض من أصدقائي وأتجنب الاقتراض من والدتي لكي لا أضايقها أو أحملها فوق طاقتها.

ويرتبط مصروف احمد يعرب الطالب بكلية الهندسة دائما ببرامج الكمبيوتر والإصدارات الأحدث من الهواتف النقالة ويقول: لأنني عاشق للكمبيوتر ودارس له فإنني كنت أنفق لوقت قريب كل مصروفي على هذه الأوجه إلا اني منذ فترة قريبة استطعت الاعتماد على نفسي والعمل ومن ثم توقفت عن تلقي المصروف من والدي، الا انني اشعر بفارق كبير بين الحالتين حيث بت اتمتع بحرية واسعة في شراء البرامج الحاسوبية من الانترنت والتي تصل تكلفتها الى 500 درهم شهرياً، بالإضافة الى تحديث الموبايل كل عدة اشهر.

مساحة من الحرية

يرتبط مصروف مهند سامي الطالب بكلية الإدارة والاقتصاد برضا والده عنه ويتراوح عادة ما بين 400 و500 درهم شهرياً ويقول: للمصروف أهمية كبيرة جدا بالنسبة للشاب والفتاة فهو يمدنا بالحرية لاختيار ما نريده والتصرف كيفما نشاء، ومصروفي أنفقه على المواصلات والرحلات السريعة ولا أستطيع أن أدخر منه شيئا وقد اقترض مني أحد الأصدقاء 150 درهما ولم يردها وبعدها قررت عدم الإقراض او الاقتراض من احد منعا للاحراج في الحالتين، وفيما عدا متطلباتي الشخصية فإن والدتي تكمل مصروفي نهاية الشهر كما انها تساعدني من وقت لآخر كلما أنجزت لها مهمة حيث تشكرني عادة بالمكافآت المالية.

سمير احمد طالب ثانوي يحصل على مصروف شهري يزيد على 700 درهم، لكنه ينفقه قبل أن ينتصف الشهر، مما يجعله يلجأ إلى الاقتراض من اخوته، وأحياناً يحصل على أموال من والدته.

ويشير إلى أنه ينفق أمواله في الصالات الرياضية، على الألعاب الالكترونية في المراكز التجارية والتي تستحوذ على جزء كبير من مصروفه مما يرهقه مادياً، وأحياناً يكون خروجه مع أصحابه سبباً لضياع مصروفه لإصراره على تحمل ثمن الطعام والمشروبات.

ويقول زميله شريف صلاح إنه يأخذ مصروفه بشكل أسبوعي، وينفقه في أقل من ثلاثة أيام، لأنه يهوى اقتناء بعض الألعاب مرتفعة الثمن، وممارسة الألعاب الالكترونية التي يفضلها، كما انه ينفق ببذخ على أصحابه الذين لا يستطيعون مجاراته وينوي شريف أن يطلب من أسرته زيادة مصروفه اليومي لأنه لم يعد يناسب موجة الغلاء.

أريج سمير الطالبة بكلية علوم الكمبيوتر تحصل على مصروف يومي قدره 15 درهما تنفقها على الإفطار والغداء بالجامعة وتقول: يكفيني مصروفي اليومي لقضاء الاحتياجات اليومية الا انه لا يساعدني على التوفير كثيرا حيث أدخر منه قدر الاستطاعة لشراء ما احتاجه من احتياجات كالنظارة او بعض الملابس حيث اذهب الى السوق فقط حينما تكون لدي رغبة في شراء شيء ما، واقترحت على والدي ان يعطيني مصروفا شهريا لأتمكن من شراء المزيد من الأشياء إلا انه يرفض ربما لتخوفه من انفاقه في الايام الاولى من الشهر.

أما ميرة الدرمكي طالبة بكلية العلوم الإنسانية، فتشير الى أن مصروفها معقول، ولكنه محدد ولا يمكن لها أن تنفقه في شراء أي شيء الا باقتناعها التام به موضحة أنها تنفق جزءاً منه وتضع الجزء المتبقي في حصالة خاصة بها، مما يجعلها قادرة في المناسبات على تقديم الهدايا لوالديها. فيما يحصل شقيقها ناصر الطالب بالمرحلة الثانوية على مصروف يومي كل صباح أثناء ذهابه إلى المدرسة لا يزيد على 10 دراهم فقط، مما يعوق تحقيق طموحه في شراء كل ما يحلم به مثل أصحابه، موضحاً أن له أصدقاء يصرفون في اليوم الواحد داخل المدرسة ما يزيد على خمسين درهما، مما دفعه لأن يطلب من والده زيادة مصروفه، إلا أنه رفض لأن راتبه محدود، كما أن والدته لا تعمل، وله شقيقات في المدرسة.

ايهاب احمد طالب في مرحلة الإعدادية يؤكد أن دخل والده الشهري بسيط، وله 5 أشقاء وأمه لا تعمل، لذلك لا يزيد مصروفه اليومي على 3 دراهم، ولا يستطيع أن يطلب زيادتها لأنه يشعر بأن والده يتعب، ويلفت إلى أنه لا ينظر إلى زملائه في المدرسة وإلى ما ينفقونه، ويركز فقط في دروسه لتحقيق المركز الأول. وأكد أنه في بعض الإجازات الأسبوعية يذهب إلى العمل عند بعض أصحاب المحلات لإعادة ترتيب البضاعة بعد تنظيفها، لمساعدة والده على مواصلة الحياة.

طارق مصطفى - موظف يقول: مصروف الأولاد في زيادة مستمرة خصوصاً أنهم يمتلكون تطلعات تفوق تطلعاتنا، كما ان هذا الجيل يختلف تماماً عن جيلنا. ومن ناحيني فإنني اوفر قدر استطاعتي من دخلي الشهري، لمواجهة طلبات الأولاد.

ويؤكد عبدالفتاح أحمد (مدرس) أن أولاده ينفقون يومياً ما يزيد على 100 درهم، ويطلبون الزيادة مثل الموظفين بزعم أن الأسعار ارتفعت، مشيراً إلى أنه عندما يسألهم فيما أنفقوا مصروفهم اليومي يجد أنهم أنفقوه في شراء أشياء تافهة.

أهداف تربوية

الاختصاصي الاجتماعي احمد البرعي يرى أن إعطاء الطفلِ النقودَ ليس بهدف الإنفاق عليه، بل لغايات أخرى، مؤكدا أن طريقة إعطاء المال للطفل تسهم في تحقيق هذه الغايات والأهداف التربوية المنشودة، ويقول: للآباء في طريقة إعطاء المصروف مذاهب، فبعضهم يعطي ابنه المصروف يوميا وبعضهم أسبوعيا او شهريا، وآخرون يسلكون سبيلاً أخرى، فهم لا يرون أن هناك حاجة إلى وضع النقود في يد الطفل، بل يلبّون له حاجاته جميعها من دون تسليمه أي مبلغ من المال، وهناك آباء كلما طلب أبناؤهم المال أعطوهم إذا كان سبب طلبهم مقنعاً.

ويعلق على مسألة المصروف اليومي بقوله: إذا حصل الابن على مصروف يومي واعتاد أن يصرف كل ما يملك كل يوم فإنه ينقطع لديه جانب التخطيط المالي، إذ لا حاجة إلى الخطة المالية لأن الطفل يرى نفسه مكلفاً بالتخلص من هذه الدراهم قبل أن ينتهي اليوم ويبدأ اليوم الجديد الذي يحصل فيه على دراهم جديدة، وبهذا لن تتكون في الطفل قيمة احترام المال.

ويتساءل: هل يمكن أن يطمح الطفل إلى ادخار جزء من مصروفه اليومي؟ أم أنه سيرى أن هذه الدراهم المعدودة قليلة ولا تستحق أن تدخر، وهل سيشعر الابن أن والده يثق فيه؟ كيف وهو لا يأتمنه إلا على مصروف يوم واحد! وإذا كبر الطفل على هذه الطريقة في إعطاء المصروف، فما موقفه عندما يصبح شاباً يوضع في يده راتب شهر كامل من عمل امتهنه؟ هل سيتعامل مع راتبه الشهري كما كان يتعامل مع مصروفه اليومي فيصرفه كله في يوم واحد؟

ويستطرد: إننا إذا وفرنا للطفل كل احتياجاته بحيث لا يحتاج إلى المال، فإننا نقتل فيه الشعور بالمسؤولية، فينشأ وهو لا يدرك من أين يأتي المال، ولا كيف يذهب، وما هي الغاية منه..وأن تمنح ابنك المال عند الطلب فقط، يخشى معه أن يميل إلى اختلاق أسباب واهية لاكتساب المال، وكذلك لن تكون لديه خطة مالية ولا ثقافة ادخار أو توفير، ولا احترام للمال الذي يغرق والده في المتاعب والهموم للحصول عليه، أما الراتب الشهري، فهو بلا شك يدفع به إلى التخطيط المالي بشكل جدي، وإلا فإنه سيُمضي باقي الشهر بجيبين فارغين.