تشير الدلالة اللغوية لمفهوم المعيار إلى الميزان أو المكيال، ففي لسان العرب المعيار من المكاييل ما عير قال الليث العيار ما عاير به المكاييل، فالعيار صحيح تام واف تقول عايرته أو سويته وهو العيار والمعيار . وقد تشير إلى الوقت إذا كان الفعل الواقع في زمن معين غير ممتد كالطلاق مثلاً .

أما في المنظور الفلسفي فيشير هذا المفهوم إلى أنه نموذج متحقق أو متصور لما ينبغي أن يكون عليه الشيء ومنه العلوم المعيارية، وهي المنطق والأخلاق ونحوها .

ويشير هذا المفهوم لدى أنصار الاتجاه اللساني إلى نمطية تتكون انطلاقاً من الملاحظة .

يتشكل النص الأدبي من مجموعة أسس وقوانين أسلوبية وعلاماتية وسيميائية ودلالية ولغوية تضع اللمسات الأولى لخلق نص أدبي بامتياز، ويأتي النقد/ الناقد بعد أن يكون هذا النص قد استوى وأصبح في مواجهة فعلية مع الطرف الآخر للمؤلف أي المتلقي، ويؤدي المتلقي دوره في عملية التفعيل القرائي، لا سيما إذا كان هذا المتلقي ينتمي إلى طرف فاعل في العملية القرائية، وغالباً ما يكون هو الناقد بحد ذاته، ذلك أن النص حينما تتكشف آثاره سيقع بين يدي القارئ/الناقد في كل الأحوال، ولا بد أن يضع هذا الأخير بعضاً من لمساته القرائية حينما يتصدى للنص بالقراءة أولاً والتذوق ثانياً، ثم التعبير عن مستوى هذا النص من خلال انطباعه النقدي ثالثاً .

ولا بد لكل هذه العمليات أن تجري وفق معايير نقدية يضعها الناقد ويتلمسها من خلال قراءاته، فالمعيار هنا يمكن أن يكون - من وجهة نظرنا - المفتاح الأولي للحكم على النص من خلال القوانين والأسس التي تتوضح بفعل عملية التبادل بين النص والناقد/ القارئ .

فالناقد لا ينطلق من فراغ عشوائي للحكم على النص، بل إن الممارسة القرائية لديه تفتح أمامه الآفاق للوقوف على أسس وقوانين نقدية - قد تكون صارمة في بعض الأحيان - إلا أنه في كل الأحوال ينطلق من النظرة الجمالية، هذه النظرة التي تفلسف المشاعر والأحاسيس ابتداء، فالمعيار الأول الذي ينطلق منه الناقد هو الشعور، وهو الذي يخلق نوعاً من التفاعل بين الاثنين: النص/الناقد، ووفق هذه المشاعر والأحاسيس تتبدى النظرة النقدية الأولى، ليتحول بعد ذلك إلى معيار الذوق الذي يوجه الفعل القرائي وجهة أخرى، بوصفه فعلاً فردياً/ ذاتياً .

إلا أن هذا المعيار يصطدم في أغلب الأحيان بمعيار آخر يتعلق بمدى انتشار النص في مكان وزمان معينين، فالأدبيات الحديثة كثيراً ما تقف على مسألة شهرة النص وانتشاره في زمن غير الزمن الذي كُتب فيه، ولا عجب في ذلك، فأشعار عمر الخيام - على سبيل المثال - لم تنل حظها من الاهتمام النقدي إلا بعد أن ترجمت إلى اللغات الأخرى وبعد سنوات من نظمها، وظل هذا الشاعر مجهولاً في بيئته إلى أن تحقق مستوى الإدراك الفني لدى الآخر/ الغربي الذي أخذ على عاتقه مهمة ترجمتها ونشرها بل ومعارضتها أيضاً .

والكلام نفسه ينطبق على الكثير من الأدباء - شعراء كانوا أم روائيين - فشكسبير وكافكا وإدغار ألان بو وغيرهم الكثير أهملوا إهمالاً تاماً في بيئتهم وفي زمنهم، إلا أنهم الآن - وبعد موتهم - يعدون على رأس قائمة الأدباء المشاهير الذين لا يختلف عليهم اثنان، ولا يشكّون في مقدرتهم الأدبية والفنية .

فالمعيار ينطلق من النص، بل عده أحد الباحثين في دراسة له بعنوان الشعر العربي بين سلطة المعيار ولذة الانزياح لنيل شهادة الماجستير، مكوناً نصياً مهماً طالما أنه ينطلق من بنية النص الداخلية .

وعلى وفق هذه النظرة يمكننا رصد مفهوم شامل وعميق الدلالة للمعيار الجمالي: فهو مصطلح سيميائي يشتغل على رصد وجمع وحشد شبكة من العلامات الجمالية المميزة في النصوص أو الظواهر، وتعميقها، وتكريس وجودها، وإبراز معالمها، حتى تتحول إلى مقياسٍ جمالي - نقدي يمكن اختبار الكفاءة الجمالية للنص أو الظاهرة بمدى استجابته/ استجابتها للقوانين والقواعد الجمالية التي يتمتع بها المعيار نظرياً .

ينطلق الناقد في إطلاق أحكامه من معايير جمالية تحدد نسبية العمل المنقود، لها علاقة متشابكة بشخصية الناقد، ولا بد من ممارسة ذوقية للنص، ومن ثم تحديد الانطباع النقدي القائم أساساً على الذوق، مع أن النظريات النقدية تتوجه إلى طرح سؤال جدلي مهم يفتح الآفاق أمام النقاد يتعلق بأهمية التذوق في إطلاق الأحكام النقدية .

يعرف التذوق الأدبي بأنه قدرة الفرد على إدراك نواحي الجمال والقبح في العمل الأدبي، ما يجعله يقبل على قراءة أو سماع عمل ما، أو ينفر منه، وفقاً لحظ هذا النص من المقومات الجمالية .

في ضوء هذا المفهوم يتحدد التذوق لدى الفرد بمدى قابليته على الاستجابة المنطقية للتأثير المتبادل بينه وبين الشيء المتذوق، فأول مرحلة يمر بها الإنسان هو إحساسه بالشيء وقبوله له أو نفوره منه، ويقاس التذوق بالإدراك، وغالباً ما يكون إدراكاً بصرياً، فرؤية الشيء أولاً، وتقبله أو رفضه ثانياً، هو الذي يحدد مقاييس التذوق الفردي، وهذا يعني أن التذوق إحساس فردي بالشيء، فقد يستجيب الوعي لقبول منظر السماء وهي تمطر بشدة لدى فرد، في حين يمكن أن يأخذ المنظر ذاته نفوراً من شخص آخر، وكذا الحال مع النصوص الأدبية، فالتذوق يُعد الإحساس الأولي بالنص يتم من خلاله قراءته، هذا الإحساس يستجيب لمتطلبات التأثر والتأثير بين الناقد والنص، إلا أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل متطلبات أخرى للحكم على النص المقروء، بل يشترط في الناقد إلى جانب الذائقة الأدبية، أن يكون ملماً بأسس معرفية وفكرية تؤهله لإصدار حكم نقدي، وبتعبير آخر: لا يمكن الحكم مطلقاً على نص أدبي اعتماداً على الذوق وحده، فثمة معايير فنية وفكرية وجمالية تمنح الناقد طاقة وقدرة على الممارسة النقدية .

يتحدد الانطباع النقدي الأولي لدى الناقد من خلال التذوق الأدبي للنصوص المقروءة، ويجب الأخذ بنظر الاعتبار أن التذوق - وكما أشرنا سابقاً - هو إحساس فردي، وتؤدي ذاتية الناقد دورها بهذا الصدد، إذ إن التذوق لا يتم من خلال المعرفة السابقة بالنص، بل من خلال الخيال والوجدان، وهما يرتبطان بالإحساس بالمتعة أو بالألم، وهذا الإحساس لا ينشأ نتيجة أحكام عقلية، فالانطباع النقدي الذي سيقودنا إلى تعليل نقدي صارم إذا كان بعيداً عن الأهواء وأهداف وغايات منفعية، سيقودنا إلى إعطاء حكم ذوقي صادق .

إن المعايير الجمالية التي ترتبط بالإبداع الشعري في العصر الحديث ليست هي نفسها المعايير الجمالية التي حددها النقاد القدامى، ينطلق الجمال من الإطار العام للنص الأدبي، وتندرج تحته العناصر الأساسية التي تشكل جوهره، ففي الشعر - على سبيل المثال - تبرز العناصر الشكلية من الألفاظ والتراكيب والمضامين التي تحدد الصور والرموز والإيحاءات، فضلاً عن الأصوات والموسيقا بنوعيها الداخلي والخارجي، وبتلاقح هذه العناصر جميعها يتشكل النص، ولا يكون جميلاً إلا إذا أحسن الشاعر استخدامها، ووفّق في تصويرها، فقصائد المتنبي على سبيل المثال لم يكن لها أن تنتشر وتذيع، وتأخذ صداها في زمن الشاعر وبعده ومازال، لو لم يحسن المتنبي استخداماته في الشكل والمضمون والبلاغة، وهي كلها معايير جمالية يتكئ عليها الشاعر بل ويصر عليها، إلا أن هذه المعايير لا تتضح في جميع الأجناس الأدبية، فالمعايير الخاصة بالشعر هي ليست نفسها المعايير التي تخص النص السردي - السّير أو المقامات أو الروايات مثلاً - وغيرها من النصوص التي تستثمر مقومات السرد والوصف والحوار، وتشكل عناصر السرد في ما بينها وهكذا، وهذه المعايير هي التي ستحدد القيمة الجمالية لهذا النص، وبالتالي الكشف عن حكم القيمة الجمالية له .

لقد اختلفت المعايير الجمالية في العصر الحديث، وأصبح الشكل الخارجي للنص الشعري - في أغلب الأحيان - المعيار الأهم في إصدار الحكم، فظهرت قصيدة النثر ضاربة بعرض الحائط التقاليد والمعايير التي عرفها الشعر القديم ولا سيما عمود الشعر، وأصبح الغموض الشعري هو المعيار السائد في أغلب قصائد النثر والخروج عن المألوف، فضلاً عن الاستخدامات اللغوية التي تذهب كثيراً بالمعنى الشعري، وتبعد المفردة في سياقها المتداول عن معناها الصحيح، فضلاً عن التقانات الحكائية التي دخلت مسار الشعر، بحيث أضحى النص الشعري نصاً حكائياً بامتياز، وتداخل الشعر مع الأجناس الأخرى كالسينما والمسرح والفنون التشكيلية .

وللوصول إلى حكم نقدي صحيح وقاطع للنص الشعري، لا بد أن ننطلق من بنية النص ذاته للوصول إلى حكم قيمة نقدي، أي تحليل عناصره الداخلية المكونة وقانونيته وآليته الداخلية التي تتحكم في ولادته ونموه وصيرورته وتحوّله .

متغيرات جوهرية

ينهض السرد على مجموعة عناصر وأساليب ومكونات تشكل الجهاز الأهم في جسد النص السردي، بل إن هذه العناصر عبارة عن أعضاء متداخلة في ما بينها لا يمكن فصل أحدها عن الآخر، أو الانحراف بجزء منها في طريق مغاير، وهي تشكّل بمجموعها معياراً جمالياً يستند إليه النص، إلا أن هذه المعايير - شأنها شأن المعايير الجمالية في الأجناس الأدبية الأخرى - تعرضت إلى تغييرات واسعة وعشوائية وتبدلات جوهرية في طريقة عرضها، فهي موجودة بتسمياتها السابقة، ويبقى توجه الروائي مثلاً في إبراز هذه العناصر، هو المعيار الجمالي الذي نستطيع من خلاله الحكم على هذا النص بالرفض أو القبول، وهو ما يرتبط ارتباطاً مباشراً بإحساسنا بالمتعة والألم عند قراءتنا للرواية .

فالراوي على سبيل المثال بوصفه مكوناً سردياً داخل النص، تغيرت النظرة التقليدية إليه، ففي الروايات التقليدية/ القديمة كان الراوي هو المهيمن الفعلي على المشهد الحكائي، إلا أنه وبفعل تقادم الزمن وانتشار النص السردي بأنواعه، تجسدت بعض القيم لتنظر إلى الراوي نظرة أخرى، وربما غدا تعدد الرواة في أغلب الأحيان معياراً جمالياً يستند إليه المؤلف في وضع الخطوط العريضة لنصه الروائي، والآخر ينظر إلى ذاتية الراوي ومشاركته في النص على أنها معيار جمالي آخر يستند إليه . إن القيم الروائية متغيرة، والمعايير لا يمكن لها أن تكون ثابتة طالما أن هناك جمهوراً يسعى إلى خلق بؤرة مركزية ونظرة شاملة له، هذا الجمهور هو الذي يضع هذه المعايير، وأعني بذلك توجه مجموعة من الأدباء والنقاد والمنظّرين إلى وضع نظرية قرائية خاصة، سرعان ما تتغير مع الزمن وبفعل ظهور طبقة أو شريحة أخرى من المجتمع القرائي .

وكذا الحال مع الأساليب الروائية، فالرواية التقليدية كانت تسير وفق نظام تقليدي يلزم الراوي التمسك بالقوانين الصارمة لكتابة النص الروائي، إلا أنه وبفعل الاستحداث ومتغيرات الحضارة دخلت أساليب أخرى وأفادت الرواية منها، ولا سيما الأجناس الفنية الأخرى كالسينما والمسرح والفنون البصرية والتشكيلية وأنظمتها، وإدخال تقانات سردية جديدة منها كتابة الرسائل وتقانة الحلم والرؤيا وغيرها .

هنا لا يمكن الاعتماد على معيار ثابت للنظرية السردية طالما أن هذه النظرية تتأثر بما يحيط بالنص من مستجدات ومتغيرات، فيصبح المعيار الجمالي المعتمد متغيراً أيضاً .

وتتغير المعايير السردية في أعمال الكاتب الواحد أيضاً، فعلى سبيل المثال اختلف المسار الجمالي الذي كان يسير عليه نجيب محفوظ في كتابة رواياته في الستينات عما هو مألوف ومتداول في روايات الثمانينات، ففي الوقت الذي كان فيه المجتمع والبحث عن سلبياته لإيجاد حلول مناسبة لإنسان ذلك العصر، هو المعيار السائد في روايته بطريقة سردية تقليدية، فإن البحث عن الفلسفة والتأمل والرمز خلقت معياراً جمالياً آخر لدى محفوظ، وبالتالي أصبح الذوق النقدي في الستينات يغاير الذوق النقدي لرواية الثمانينات وهكذا، فالمعيار الجمالي لا يتغير فقط مع الأشخاص والثقافة والمكان والزمان، فلقد أدى مفهوم الفن وثقافته النقدية للمجتمع وفلسفته الخاصة دورها في تشكل الوعي الجمالي لدى محفوظ، ومن ثم تغيرت نظرته إلى الواقع والحياة، وهو ما أدى إلى تغير القيم الجمالية التي كان يعتمدها في الستينات .

كما أن التقانات السردية غدت الآن أكثر غموضاً وتجريداً عما كان مألوفاً في الروايات التقليدية، وعلى الرغم من أن اللغة هي المعيار الأساسي في الشعر لا في السرد، فإن الاتجاه السائد الآن هو حرص الروائي على تمثلها بصورة أكثر غموضاً، وأصبحت اللغة الشعرية سائدة في الروايات، فضلاً عن ظهور الرواية البوليفونية التي تنحو إلى استخدام دقيق لتعددية واضحة في الأصوات، ولم يعد الروائي يكتفي بصوت الراوي وحده أو الشخصية وحدها، بل عمل على إقحام أكثر من صوت في مجادلة حوارية حول قضية معينة، هذه المجادلة تقتضي اختلافاً في الرؤى من جهة وتعدديتها من جهة أخرى .

يرتبط حكم القيمة الجمالية للشيء بالسمات الموضوعية التي يمتلكها، فهو حكم يقيني، يعتمد الحدس والإدراك، وقد أشار ستولينيتز صاحب كتاب النقد الفني - دراسة جمالية وفلسفية، إلى أن حكم القيمة يتجسد حينما يتم الحكم على عمل ما بأنه جيد أو رديء، جميل أو قبيح، وهو حكم غالباً ما يتأتى من عملية الإدراك الجمالي لهذا الشيء، وهو ناجم عن طبيعة تقبل أو رفض الشخص لهذا الشيء، وثمة مقاييس مسبقة حددها الناقد في حكمه على قيمة هذا الشيء، ولكن ماذا نعني بحكم القيمة، وكيف يمكن استنباطه؟

يعرف حكم القيمة بأنه حكم موضوعي على العمل الفني، يعتمد السمات الخاصة بالعمل لذاته، وهي في أغلب الأحوال سمات خارجية/ شكلية، يعتمد حكم القيمة موضوع هذا العمل بحد ذاته من غير النظر إلى اعتبارات أخرى، إلا أنه حكم غير قطعي، ذلك أنه يختلف من شخص إلى آخر، فالذي يراه الأول جميلاً قد يراه الثاني قبيحاً، والمبررات التي دفعت الأول إلى الحكم على هذا الشيء بالجميل، قد تكون هي المبررات ذاتها التي دفعت الآخر إلى حكمه بالقبيح، إذن، فثمة مستويات ذاتية تتدخل في هذا الحكم، لذا يصبح حكم القيمة بحد ذاته حكماً ذاتياً/ موضوعياً، ولذا لا يمكن الحكم مطلقاً على جمالية العمل حكماً نهائياً لنسبية المعايير التي تتدخل في هذا الحكم، فعلى سبيل المثال، المعايير التي حكمت على أعمال شكسبير في زمنه لم تكن هي المعايير ذاتها التي دفعته إلى الشهرة والخلود .

إن القيم الجمالية بحد ذاتها متغيرة، والمعايير لا يمكن لها أن تكون ثابتة، لذا فإن حكم القيمة على الأعمال الفنية يرتبط ارتباطاً مباشراً بمعيار الزمن .

سلطة الناقد

يخضع النص لسلطة الناقد بعد أن يكون قد تخلص من سلطة مبدعه، وقولنا هذا يحتم نوعاً من حكم على أسبقية النص على النقد، من وجهة نظر خاصة نرى أن النص بعد أن يكون قد استوى بصورته النهائية يأتي الناقد، أياً كانت صورته، ليحدد الأنظمة الداخلية والخارجية لمسارات تشكل النص، ونعني هنا بالناقد ذلك الذي يُخضع النص لسلطته القرائية، وبهذا المفهوم نبعد ذلك الناقد الذي يولد مع النص الذي هو المبدع ذاته .

إن مهمة الناقد هنا تتجلى في وضع معايير خاصة به يسير على وفقها في عملية التنظيم النقدي، وهذا القول يدفعنا إلى التأكيد أن لكل ناقد معياراً نقدياً خاصاً به أولاً، وأن كل نص يخضع لمعيار غير ثابت لدى ناقد يختلف عنه عند ناقد آخر ثانياً، كما أنه يختلف من عصر إلى عصر آخر، ومن مكان إلى مكان آخر، وتبقى مستويات ثقافة الناقد هي التي تحدد ثبات هذه المعايير وتغيّرها، فثقافة الناقد الانطباعي - على سبيل المثال - تختلف اختلافاً كلياً وقطعياً عن ثقافة ناقد بنيوي، أو ذلك الذي يمتلك ثقافة تاريخية يتوجه بنظرته إلى النص من وجهة تاريخية .

النصوص الأدبية تخضع هي الأخرى إلى معايير غير ثابتة، فنصوص نزار قباني عن المرأة لا يمكن لها أن تخضع للتقاليد والأسس التي يمكن من خلالها إطلاق الأحكام على نصوص الماغوط في المرأة، فالأول يرى فيها جسداً يمكن التغني به حيثما كان ومتى ما شاء، فيما يرى الثاني فيها رمزاً، وهذه الرؤى تختلف من حيث المعايير الجمالية وباختلاف النصوص الأدبية .

وطالما أن القوانين التي يكتشفها الناقد ويسنها متغيرة، وأن النصوص الأدبية هي الأخرى متغيرة، فإن المعيار الجمالي يتغير طردياً معهما، ولا يمكن ثباته بأي حال من الأحوال .

#183; جزء من ورقة مقدمة إلى ورشة الإبداع العربي

#183; التي استضافتها الشارقة مؤخراً