أكد المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا أن الإسلام دين يتميز بالمرونة والسعة والتجاوب مع كل مشكلات الحياة . . موضحاً أن الدعوات المتكررة إلى تجديد الفكر الإسلامي مطلوبة ومرغوبة، ولكن لابد أن يكون ذلك عن طريق المتخصصين المؤهلين الذين يعرفون كيف يتعاملون مع الثوابت والحقائق الإسلامية . وأوضح الدكتور العوا في حواره مع الخليج أن الإسلام لا يقر حمل السلاح والدخول في مواجهات عسكرية إلا من أجل الدفاع عن الدين والوطن .
وعبر الدكتور العوا عن حزنه وألمه لانتشار عادة ختان الإناث في بعض المجتمعات الإسلامية وإضفاء شرعية مزيفة عليها، مؤكداً أن الإسلام لا يمكن أن يقر عادة ضارة بالمرأة .
وفيما يلي نص الحوار معه:
الدعوة إلى التغيير والتطوير في الفكر والثقافة الإسلامية لا تتوقف . . فهل هذا مطلوب ومحمود من وجهة نظركم؟ وهل هناك حاجة ماسة إلى ذلك؟
التغيير سنة من سنن الحياة، فليس هناك شيء يبقى على حاله بصورة دائمة، ولذلك صحت العبارة العربية التي تذهب مذهب المثل على ألسنة الخاصة والعامة سبحان من يغير ولا يتغير، ويعنون بها أن الثبات المطلق في الصفات والقدرات هو لله تعالى وحده، وأن كل ما سواه يلحقه التغيير .
وعندما نقرأ في الأدبيات الإسلامية والعربية المعاصرة عبارات مثل الثوابت والمتغيرات ومثل الأصول والفروع، فإننا لا نفهم منها إلا أن هناك أفكاراً أو ضوابط أو قواعد يتم الرجوع إليها بصورة متكررة، ويتم استدعاؤها لبناء التصورات المتباينة في العصور المتوالية، وليس هذا في حقيقته إلا تغييراً لفهمنا لهذه الثوابت وتلك الأصول، على الرغم من هاتين التسميتين اللتين توحيان بعدم قبولهما للتغيير .
ثراء فكري
ويضيف: في مسيرة الفكر الإسلامي لم يكن التغيير مترتباً على تغير العصور والأحوال فقط، بل كان التغاير وهو اختلاف يؤدي إلى تغيير الحكم على أمر أو شيء أو تصرف ما في فهم النصوص القرآنية والنبوية نفسها، قائماً بين العلماء والفقهاء والمحدثين واللغويين والمتكلمين والصوفية جميعاً في المجتمع الواحد وفي الزمان الواحد . وهذا التغاير هو الذي أنتج ظاهرة التعدد المذهبي الفقهي والكلامي، والتعدد المدرسي اللغوي، والتعدد الطرقي الصوفي، وهي ظاهرة دلت، ولاتزال تدل، على ثراء الفكر العربي الإسلامي وتعدد تجلياته تبعاً لتعدد المصادر التي استقى منها المعبرون عنه والمشاركون فيه .
ولم يضق المجتمع العربي الإسلامي بهذا التعدد في المجالات الفكرية والثقافية والدينية كافة، بل اعتبره ظاهرة طبيعية واستعملت في تسويغه والتدليل على قبوله عبارات نبوية أو قرآنية مثل كل ميسر لما خلق له وكل يعمل على شاكلته في إشارة لا يخطئها العقل إلى أن هذه التعددية الفكرية من معالم الفطرة التي فطر الله الناس عليها .
وتبع هذه التعددية توالي التغيير في مختلف أمصار الإسلام وأقطار العروبة فلم يبق الناس في أي مصر أو قطر على فهم واحد أو فكرة واحدة وإنما تغيرت المذاهب المتبوعة والأفكار السائدة من وقت إلى وقت آخر بحسب قدرة المعبرين عنها على الإقناع وكسب الأتباع .
وهذا الواقع كان يستند إلى موروث ثقافي لا ينكره أحد مؤداه أن الإسلام نفسه لم يكن سوى حركة تغييرية كبرى في العقائد السائدة والعادات والتقاليد المتبعة والأعراف المهيمنة على حياة الناس وقت البعثة النبوية .
من كل هذا يتضح لنا أن الدعوات المتكررة إلى تجديد الفكر الإسلامي مطلوبة ومرغوبة ولكن هذا لا يعني التخلي عن الثوابت الإسلامية كما يجب أن يكون التجديد عن طريق علماء الأمة المتخصصين والمؤهلين في الفكر والفقه والثقافة الإسلامية .
اجتهادات عصرية
كيف ترى خلافات العلماء والباحثين الإسلاميين في الأمور الدينية . . وما القضايا التي تحتاج إلى اجتهادات جديدة؟
من أعجب الآفات التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية آفة طلب كل ذي رأي أن يكون له الحق والحرية في إبداء رأيه وإعلانه والدعوة إليه، ثم حجره هو نفسه على الآخرين أن يتمتعوا بمثل هذا الحق وأن يمارسوا مثل تلك الحرية .
والإيمان بالحق في الاجتهاد يقضي على هذه الآفة ويحاصرها ويمنع انتشارها ويخلصنا من مضارها الكثيرة، وأخطرها نشوء أجيال من المتعصبين الذين لا يرون إلا رأيهم ولا يسلمون إلا بحقوقهم أنفسهم، وهؤلاء هم وقود الغلو الذي يسميه الناس تطرفا الذي يقضي في نهاية مطافه على الأخضر واليابس من حياتنا الفكرية والثقافية .
والقضايا التي تحتاج إلى اجتهاد جديد لا تحصى، وهي لا تتوقف عن الحدوث لأنها نتيجة طبيعية لسير الحياة البشرية كل يوم إلى طور جديد لم يكن معروفا في الأمس، بل ربما كان بعض أطوارها الجديدة بعيدا حتى عن الخيال .
فهل يعقل أن يقف الدين الصالح لكل زمان ومكان عاجزا عن مواجهة هذه الأطوار الجديدة باجتهاد العلماء الذي يبين للناس حدود الحلال والحرام والمباح والممنوع فيما يواجهونه من تطورات الاختراع والابتكار والإبداع؟
وهل يعقل أن يظل المسلمون أسرى ما قاله علماء أجلاء في القرون السابقة في وصف نظم الحكم التي كانت سائدة لديهم وهي كلها نظم فردية محورها هو الحاكم الذي تدين له بالطاعة، وتستمد منه القوة، سائر السلطات والهيئات والأفراد؟
وهل يعقل أن يظل المسلمون يحتكمون ويرجعون في علاقاتهم بغير المسلمين من مواطنيهم إلى أفكار وآراء صيغت لتناسب حال الحرب التي كانت سائدة في وقت ما، بعد أن مضت على الحياة المتآخية بين الفريقين قرون؟
وهل يعقل أن يظل الناس أسرى أفكار العلماء ذوي المناصب الرسمية الحكومية لا يستمعون إلا إليهم ولا يقتدون إلا بهم ونحن أتباع دين يجعل العلم متاحا للجميع، وطلبه من المهد إلى اللحد واجب على الجميع، من أخلص في طلبه، ورزق التقوى في نفسه رأى الناس فيه عالما يقتدى به، سواء رضي السلاطين عن ذلك أم كرهوه؟
لأن ذلك كله غير معقول، فنحن في أشد الحاجة إلى فقه جديد يبرز عظمة تشريعات الإسلام في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة .
مفهوم الجهاد
الجهاد الإسلامي من المفاهيم التي اختلطت فيها الأوراق ولحق بها كثير من اللغط حيث وضعه بعضهم في خانة العنف والإرهاب وانساق وراء مفاهيم غربية خاطئة . . كيف نفض الاشتباك ونزيل اللغط ونعيد لمفهوم الجهاد رونقه الإسلامي؟ ومتى يلجأ المسلم إلى الجهاد؟
الجهاد مفهوم أصيل في الإسلام، ولكن لا يمكن أن نتصور أن الجهاد هو الإسلام كله، فهو جزء من الإسلام يعني ألا يقبل المسلم الضيم أو المذلة، وألا يقبل لدينه أن يهان أو يهاجم أو يحارب وهو صامت، فإذا وقع واحد من هذه الأشياء، فعليه أن يجاهد بقلبه ولسانه، وسنانه إذا لم يكف القلب ولا اللسان، والجهاد بالسنان لا يكون إلا إذا كان دفعاً لعدوان ولا يمكن أن يكون الاعتداء جهاداً وإلا يصبح عدواناً والله عز وجل لا يقبل العدوان، حيث قال وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا وهذا يعد نهياً عن العدوان، وأفضل وأوسع ما كتب عن الجهاد، هو كتاب فقه الجهاد للعلامة يوسف القرضاوي، وهو مرجع جامع لمسألة الجهاد ويضم ردوداً مهمة على الذين يرون أن الجهاد واجب على كل مسلم ومسلمة عدواناً، بينما يجب على كل مسلم ومسلمة أن يكون الجهاد رداً للعدوان، ولذلك فإن العلماء قالوا إذا ديست أرض المسلمين مثل الصهاينة حالياً في فلسطين المحتلة، وإذا دخل العدو بلاد المسلمين وجب الجهاد على كل مسلم ومسلمة سواء رجلا أو امرأة أو طفلا، لكن في حال عدم العدوان علينا فلا يجب الجهاد .
عقوبة المرتد
ما زال الجدل والخلاف حول عقوبة المرتد قائما في بلادنا العربية . . لماذا ترفضون توقيع عقوبة على المرتد؟
من قال إنني أرفض توقيع عقوبة على المرتد؟ . . الارتداد عن الإسلام جريمة لا شك في ذلك وبعض الفقهاء يرون ضرورة تطبيق حد الردة على الذين يتركون دينهم الإسلامي ويعتنقون غيره وأنا أختلف معهم في ذلك . . عندنا جريمة نعم، والقرآن حرمها في 13 آية، والنبي، صلى الله عليه وسلم، أمر بقتل المرتد وأباح قتله وهذا يعني أننا أمام جريمة، أما العقوبة فليس في القرآن آية واحدة تدل على عقوبة المرتد، وإنما النبي، صلى الله عليه وسلم، عنده نصان أو عدة نصوص رؤوسها أو أصولها نصان، أحدهما يقول: من بدل دينه فاقتلوه والثاني يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني أي الرجل المتزوج ورجل قتل نفساً فيقتل بها، ورجل خرج عن الجماعة وقاتل المسلمين، فهذا حديث تفصيلي والثاني إجمالي . والحقيقة أن جريمة الردة عقوبة قائمة في الإسلام وعقوبتها تعزيرية . . يعني غير لازمة أو ضرورية التطبيق غير واجبة، إذ يجوز للقاضي بعد دراسة الظروف والسماع للمتهم ودفاعه ومن شهدوا عليه بالردة أن يقدر نوع العقوبة: يحبسه، يغرمه، يعزله من وظيفته من التدريس في الجامعة كما حدث في قضية شهيرة منذ وقت قريب، لكن يقتله فهذه مسألة أخرى، فلكي يقتل المرتد يجب أن يكون قد خرج على الأمة الإسلامية وانضم إلى عدوها وقاتل ضد المسلمين، أي ارتكب جريمة نسميها حالياً الخيانة العظمى أي الالتحاق بجيش العدو، وعقوبتها الإعدام، بينما لو ارتد شخص ما وجلس في بيته فإنه لا يقتل وإنما يعاقب عقوبة تعزيرية يقدرها القاضي بحسب الظروف والأحوال .
عادة يرفضها الشرع
مازالت عمليات ختان الإناث تلقي بظلالها القاتمة على واقعنا الاجتماعي والصحي والديني في بعض البلدان العربية ومازال بعض المؤيدين لها يحاول إضفاء شرعية دينية عليها . . كيف تنظرون إلى هذه العمليات؟
الختان الذي يجري في مصر وبعض البلدان العربية والإسلامية عدوان على الجسم يقع تحت طائلة التجريم المقرر في قوانين العقوبات .
والمسؤولية الجنائية والمدنية عن هذا الفعل يستوي فيها الأطباء وغير الأطباء لأن الجهاز التناسلي للأنثى في شكله الطبيعي الذي خلقه الله تعالى ليس مرضا، ولا هو سبب لمرض، ولا يسبب ألمًا من أي نوع يستدعي تدخلا جراحيا، ومن هنا فإن المساس الجراحي بهذا الجهاز الفطري الحساس على أية صورة كان الختان عليها لا يعد في صحيح القانون علاجا لمرض أو كشفًا عن داء أو تخفيفًا لألم قائم أو منعًا لألم متوقع، وهنا يكون الإجراء الجراحي المذكور غير مباح وواقعًا تحت طائلة التجريم .
هذا من الناحية القانونية، أما من الناحية الشرعية فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تغيير خلق الله، وصح عنه لعن المغيرات خلق الله والقرآن الكريم جعل من المعاصي قطع بعض الأعضاء ولو من الحيوان، بل هو مما توعد الشيطان أن يُضِل به بني آدم في أنعامهم وقرنه بتغيير خلق الله، فقال تعالى عن الشيطان: لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا . ولأضلنهم ولأمنيَنَهم ولآمرنهم فليُبَتكُن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا . والتبتيك: التقطيع .
والختان بصوره التي يجري بها في مصر، وفي أجزاء أخرى من العالم الإسلامي، فيه من تغيير خلق الله ومن قطع بعض أعضاء الإنسان المعصومة ما لا يخفى . وإذا كان هذا في الحيوان من إضلال الشيطان فكيف يكون في حق الإنسان؟
وقد خلق الله تعالى كل عضو في الإنسان على صورة خاصة غير متكررة بتفصيلاتها في غيره، وهو سبحانه أعلم بما خلق ومن خلق، والذين يدعون إلى استمرار ختان الأنثى يتجاهلون هذه الحقيقة ويؤذون النساء بذلك أشد الإيذاء . وهو إيذاء غير مشروع، والضرر المترتب عليه لا يمكن جبره، والألم النفسي الواقع على المرأة بسببه لا يستطيع أحد تعويضها عنه .
وإذا كان الختان ليس مطلوبا للأنثى، ولا يقوم دليل واحد من أدلة الشرع على وجوبه ولا على كونه سنة، فيبقى أنه ضرر محض لا نفع فيه . وهكذا يتبين حكم الشرع في ختان الأنثى: أنه لا واجب ولا سنة، ولم يدل على واحد منهما دليل، وليس مكرمة أيضا لضعف جميع الأحاديث الواردة فيه . بل هو عادة، وهي عادة ليست عامة في كل بلاد الإسلام بل هي خاصة ببعضها دون بعض .
فليتق الله أولئك الذين يسوغون ما لا يسوغ، وينسبون إلى الشرع ما ليس منه . وليذكروا وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بالنساء: استوصوا بالنساء خيراً.