لا يزال الدور السياسي للمرأة في معظم المجتمعات العربية والإسلامية محدوداً ويواجه بكثير من المحاذير والتحفظات الشرعية والاجتماعية، في الوقت الذي تعلو فيه أصوات كثير من النساء والمعنيين بحقوق المرأة العربية مطالبة بإخراجها من حالة العزلة التي تعيشها لتقوم بواجباتها السياسية والثقافية والفكرية كشريك أساسي في الحياة.
فهل هناك تحفظات شرعية على مشاركة المرأة في العمل العام؟ وما المساحة المسموح بها للمرأة في العمل السياسي والتي منحتها إياها شريعة الإسلام؟ وهل هناك ضوابط أو قواعد تحكم المشاركة السياسية للمرأة؟
هذه التساؤلات طرحتها الخليج على المفكر الإسلامي والفقيه القانوني الدكتور محمد سليم العوا وجاءت إجاباته واضحة وحاسمة كما عودنا من خلال الحوار التالي:
في البداية نريد التعرف الى موقف الإسلام من مشاركة المرأة للرجل في الحياة العامة وما ضوابط هذه المشاركة لكي تحقق الأهداف المرجوة منها؟
الأصل الذي نعتمد عليه في التعامل مع قضية المشاركة العامة للمرأة هو قول الله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء وقوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم فهاتان الآيتان، ونظائرهما في القرآن الكريم، تؤكد أن وحدة الأصل الإنساني الذي تتفرع عليه المساواة بين الذكور والإناث في الحقوق والواجبات هي القاعدة العامة التي لا يخرج عليها إلا ما استثني بنص خاص، ويؤكد ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم النساء شقائق الرجال والشقيق نظير ومثيل، ولابد من دليل قاطع أو راجح في النظر الصحيح يؤدي إلى عدم المساواة عند وجود سببها.
ومن أظهر صور المساواة بين الرجال والنساء أن يتساووا في التمتع بالحقوق العامة وفي أداء الواجبات العامة، وهي المساواة التي حاصلها أن يكون للمرأة الدور الذي تؤهلها له مكانتها العقلية والشخصية في حياة مجتمعها، شأنها في ذلك شأن الرجل سواء بسواء.
واجبات وحقوق
لكن بعض الفقهاء يتحفظون على المشاركة السياسية للمرأة ويرون أن واجبها الأساسي ينصب على رعاية شؤون زوجها وأولادها ويرجعون كل المصائب الاجتماعية التي لحقت بنا إلى انشغال المرأة بأمور تصرفها عن واجباتها الأساسية المتمثلة في شؤون البيت والزوج والأولاد، كيف تتعامل مع هذا المنطق؟
لا خلاف على أن المرأة من منظور شريعتنا الإسلامية مسؤولة عن شؤون بيتها ومكلفة شرعا وعرفا برعاية زوجها وأولادها، وأنه لا شيء في الحياة يعفيها من هذه الواجبات، لكن كل هذا لا يصادر حق المرأة في المشاركة في الحياة العامة وفي ممارسة كل الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تؤهلها لها إمكاناتها العقلية والفكرية والثقافية وسماتها الشخصية، وهذه الحقوق منحتها لها شريعة الإسلام، ومنحها إياها رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لأحد أن يحرمها منها.
الموقف الفقهي التقليدي الذي يرى أن المرأة لا شأن لها بالسياسة والعمل العام لم يعد مقبولا، فقد انتهى إلى غير رجعة عصر حبس الحريم في البيت، وانتهى إلى غير رجعة عصر أو عصور كان ينظر فيها إلى المرأة على أنها عورة وأنها مجرد متاع للرجل، المرأة الآن في كل مجتمعاتنا العربية أصبحت عنصراً أساسياً من عناصر التنمية يجب علينا أن نوظفه للارتقاء بمجتمعاتنا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بعيداً عن المتاجرة بمواقف دينية تسيء إلى ديننا وتظهر هذا الدين العظيم على أنه دين متخلف يصادر حقوق النساء ويحرم المجتمع كله من جهودهن.
ينبغي أن يدرك كل من يتحدث باسم الإسلام أن مشاركة المرأة في العمل السياسي والاجتماعي العام حق كفلته شريعة الإسلام لها، وأن المرأة من حيث تمتعها بحقوقها وحرياتها العامة ومشاركتها في العمل السياسي العام، كالرجل سواء بسواء، وأنه لا تعارض بين قيامها بواجبها السياسي وبين قيامها بواجباتها الأخرى إلا بقدر ما يقع مثل هذا التعارض بين واجبات الرجل السياسية وواجباته الأخرى كذلك.
مفاهيم خاطئة
هناك تيار فقهي يعترض على مشاركة المرأة في العمل السياسي وهذا التيار لا يمكن تجاهله، وهو يعتمد على نصوص دينية شائعة بين الناس ومن بينها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، بماذا تواجهون هذا التيار الذي يجد قبولاً عند كثير من الناس؟
مواجهة هذا التيار تكون بالحجة والحوار والمناقشة وليس بالأحكام الصادمة وفتاوى التضليل والتكفير التي يعتمد عليها البعض، والأدلة التي يعتمد عليها هؤلاء في صياغة أفكارهم ومفاهيمهم وأحكامهم الشرعية تحتاج إلى مناقشة وتمحيص، فالحديث الذي أشرت إليه والذي يعتمد عليه البعض بالفعل ليصادر حق المرأة في العمل العام عموما وفي تولي أية مسؤولية لا حجة فيه، لأن الأمر الذي يشير إليه هو أمر الولاية العامة التي ليس فوقها ولاية، وهي الخلافة أو الرئاسة العامة للدولة الإسلامية الواحدة التي تضم العالم الإسلامي كله، وهي دولة لم تعد موجودة الآن ولا يتوقع أن توجد في المستقبل البشري المنظور، واختصاصات ولي الأمر فيها وشروط ولايته بشمولها وسعتها واتصالها بجميع المجالات بما فيها الإمامة في الصلاة وقيادة الجيش والاجتهاد الفقهي المطلق ورئاسة القضاء، لم تعد متوافرة في أحد من الحكام اليوم، فالحكام اليوم جزء من مؤسسة، والحكم نفسه مؤسسة من مؤسسات عدة تتوزع بينها السلطات والصلاحيات التي كان يجمعها في يده الحاكم الفرد، أيا كان اسم حكمه ولقب سلطانه.
حدود القوامة
هناك نصوص قرآنية يعتمد عليها البعض في تبرير مواقفهم الرافضة لتولي المرأة ولايات أو مسؤوليات على الرجال من بينها قول الحق سبحانه: وللرجال عليهن درجة وقوله عز وجل: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، هل هذه النصوص يمكن أن يستفاد منها منع النساء من تولي ولايات على الرجال؟
هذا فهم عقيم لكتاب الله لم يقره أحد من مفسري كتاب الله العظام الذين أوضحوا لنا مدلول الآيات وربطوها بالأحداث والمناسبات وأسباب النزول.
في قول الحق سبحانه وتعالى: وللرجال عليهن درجة نجد أن السائد عند المفسرين أن معنى الدرجة يساوي معنى القوامة في قوله تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض، وهو معنى لا علاقة له بالعمل العام ولا بولاية المناصب العامة، لكن النظر في سياق الآيات التي وردت هذه الجملة في أثنائها لا يبعد أن يرجح كون الدرجة هي الحق في الطلاق نفسه بعد الرجعة بدليل حديث الآية التالية لها عن عدد مرات الطلاق وما يجوز بعد الثانية وهو فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وعدم جواز استرداد المهر كله أو بعضه وجواز الخلع، فالدرجة الواردة في الآية الكريمة هي حق متعلق بفسخ عقد الزواج بالتطليق بإرادة أحد طرفيه وهو أمر لا يجوز في سائر العقود، أو في العودة إلى الحياة الزوجية بإرادة الفاسخ نفسه وحده على خلاف سائر العقود كذلك.
والخلاصة أنه ليس في الآية دليل على منع المرأة من العمل العام أو سلبها حق الولاية العامة، أما الآية الثانية التي يستدل بها البعض على حرمان المرأة من حق الولاية للمناصب العامة وهي قول الله تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم هذه الآية واردة في سياق بعض أحكام الزواج وهي ترسم طريق الإصلاح بين الزوجين عند خوف الشقاق بينهما، ولا يصح الاستدلال بهذه الآية الكريمة أيضاً، ولا بمعنى القوامة فيها على حرمان النساء من المشاركة في العمل العام وحق تولي مناصبه التي تؤهلهن لها كفاءتهن وقدرتهن وعلمهن، إذ القوامة خاصة بالعلاقة الزوجية أو بالعلاقة العائلية، وليست عامة في كل شأن من شؤون الحياة، ومعناها أداء حقوقهن، وليس معناها منعهن أو الحجر عليهن فيما لا تمنع منه نصوص القرآن وصحيح السنة.