عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون من المفلس؟ فقالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار (رواه الترمذي) .

يؤكد رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال هذا التوجيه النبوي الكريم أن الغاية المنشودة من العبادات في الإسلام، هي تزكية النفس الإنسانية وصقلها، وتوثيق صلة الإنسان بخالقه وصلته بالناس، على أساس من العقيدة الصحيحة، والخلق الحسن، فبالصلاة ينتهي المسلم عن الفحشاء والمنكر، وبالزكاة تترعرع الألفة بين القلوب، وينمو الحنان والإحساس بين الناس وبالصوم يتمرس الإنسان على الصبر، وسائر خصال البر والتقوى، وبالحج تتم سائر الفضائل الدينية والأخروية التي تغرسها مناسكه في قلب صاحبها، أما إذا أدى العبادات لمجرد أنها عادة يقوم بها وأفعال جامدة لا روح فيها ولا ثمرة ترجى من ورائها فهذا ما لا يتفق مع الإسلام .

أشكال هشة

يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية وعضو مجمع البحوث بالأزهر: ما أكثر ما نرى من يحرصون على العبادات، ويظهرون بالمداومة عليها ثم يفعلون ما يتنافى مع روح العبادة، ويقترفون ما لا يرضاه الدين .

وأمثال هؤلاء قد أدوا عباداتهم أشكالاً هشة، وكانوا كمن يحمل كثيراً من الدراهم، وعليه أضعافها من الديون . . فإن حل وقت الأداء وجدها قليلة الجدوى، أكثرها مزيف، ولا يغني فتيلاً .

والحديث الشريف يصور لنا حقيقة المفلس، وأنه يكون معدوم النفع بين الناس، قليل الخبرة، كثير الشر في الدنيا، كما أنه في الآخرة هالك خاسر لا رصيد له من الخير حيث تؤخذ حسناته لغرمائه، فإذا ما انتهت حسناته، ولم تف بما عليه من حقوق، أخذ من سيئاتهم فوضعت عليه، ثم ألقي في النار، فتتم خسارته، ويصبح صفر اليدين، وما له في الآخرة من نصيب .

أما ما حسبه الناس، من أن المفلس هو من لا درهم له ولا متاع، فليس على حقيقته، فإن من لا مال له أو من قل ماله، قد يحصل على اليسار، فينقطع إفلاسه أو قد يموت مثلاً . . أما من لا رصيد له من الدين فهو الخاسر في الدنيا والآخرة . . وذلك هو الخسران المبين .

وهكذا يتضح كما يقول الدكتور هاشم كيف تودي الأخلاق السيئة بصاحبها إلى مهاوي الهلاك، مهما كثرت العبادة . . والعكس صحيح، فإن قليلاً من العبادات الصحيحة الكاملة مع حسن الخلق تكفل النجاة لصاحبها . . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال له: يا رسول الله إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها فقال: هي في النار، ثم قال: يا رسول الله فلانة تذكر من قلة صلاتها وصيامها وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط أي قطع الجبن ولا تؤذي جيرانها؟ قال: هي في الجنة .

وخصال الشر: كالكذب في الحديث، وخلف الوعد، وخيانة الأمانة، إذا اجتمعت في إنسان أوردته موارد البوار، وجعلته بعيداً عن جوهر الإسلام هالكاً مع المنافقين، حتى وإن أدى العبادات وأظهر الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وحج واعتمر، وقال إني مسلم . . إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان .

زعم باطل

وقد زعم بعض المبتدعة أن حديث المفلس يوم القيامة معرض لقول الله عز وجل: ولا تزر وازرة وزر أخرى . . وهذا كما يوضح علماء الحديث زعم باطل، وفهم للحديث على غير مقصده، ذلك أن معنى الآية: لا تحمل نفسة آثمة إثم أخرى، ولكن تحمل كل نفس وزرها، بل إن حاولت نفس أثقلتها ذنوبها ودعت أحداً ليخفف عنها، ويحمل بعض أوزارها فلن تجد من يجيبها حتى ولو كان ذا قربى لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه . . ولذلك جاء بعد ذلك في الآية: وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى فحملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى .

وأما ما ثبت في الحديث فإنه إنما عوقب بما ارتكبه من ظلم وما عمله من عمل، فلما أريد دفع ما عليه من حقوق لغرمائه، أخذ من حسناته، فلما فرغت حسناته، ومازالت عليه حقوق أخذ من سيئاتهم فوضعت عليه ثم ألقي في النار، وهذا على حسب ما اقتضته الحكمة الإلهية، فسيئات الخصوم التي تحملها الظالم هي بمقدار ما عليه من حقوق باقية وليست شيئاً زئداً فكانت العقوبة هنا بسبب الظلم، ولم تحدث أبداً بغير جناية .

وقد روى البخاري ما يؤيد هذا، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فيلتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه .

دعوة إلى مكارم الأخلاق

إن هذا التوجيه النبوي الكريم دعوة صريحة إلى مكارم الأخلاق، حيث يؤكد أن العبادات النافعة هي التي تحمل صاحبها على حسن معاملة الناس، ويوضح أن الخلق الحسن علامة الإيمان الصحيح، والخلق السيئ علامة النفاق . . وأن الإسلام صيانة للنفس والدين والعرض والمال، وأن من خان تلك الأمانات فما له في الآخرة من نصيب .

كما يؤكد الرسول صلوات الله وسلامه عليه من خلال هذا الحديث أن قلة المال في الدنيا لا تعني الإفلاس، فقد يأتي المال بعد الفقر، فالمال غاد ورائح، ولكن حقيقة الإفلاس هي فراغ القلب من روح العبادة، وقلة رصيده من مكارم الأخلاق .

وفي الحديث الشريف دعوة إلى بث سائر صور العدل الإلهي ومناهضة الظلم والظالمين حتى يستتب الأمن في الحياة وتعالج سائر مشكلات المجتمع الإنساني .

كما يبرهن الحديث على أن الله لا يدع الظالم على ظلمه، وإنما يؤخره ليوم الحساب . . قال تعالى: ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار كما لا يدفع المظلوم حتى يرد له حقه إما بحسنات تؤخذ من الظالم، وإما بسيئات تؤخذ من المظلوم وما ربك بظلام للعبيد .