المقناص تعني القنص . . ويقنص: يصيد، وتعتبر هواية الصيد بالصقور وبالكلاب البرية (السلوقي) من الهوايات التي كانت تمارس في بادية الإمارات منذ قديم الزمان . . وسوف أتحدث اليوم عن الصيد بالصقور فهي من الرياضات الشعبية التي لها فوائد كثيرة فهي تساعد على الصبر والتحمل والجلد والقوة . . كما أنها تظهر ملامح الذكاء والفطنة عند الذين يمارسونها من خلال التفكير في طريقة التعامل مع الطير الجارح وتأديبه . وتهذيب سلوكه والتحكم فيه وتوجيهه باتباع أساليب وطرق معينة يجب على الذي يمارسها أن يعرفها ويجيد فنونها مثل معرفة طبيعة سلوك الصقور والدقة في معاملتها وترويضها . . ويمارس هذه الرياضة الرجال الأقوياء أصحاب الخبرة والدراية بالبيئة التي تعيش فيها الطرائد . . أو الميدان الذي يتخذ ساحة لهذه الرياضة . والقناص يجب أن يعرف التلال والكثبان وتغيرات الجو والدروب التي يسلكها أثناء ممارسته لهذه الرياضة التي عرفها العرب في العصور القديمة وتناقلوها عبر الأجيال، وكان أهم من مارسها (الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله) وتاريخ الصيد بالصقور في الإمارات يعود إلى بداية علاقة الإنسان بالصحراء ومعرفته بأنواع الصقور واستغلالها في أداء هذه الرياضة . . ومن أنواع الصقور التي اشتهرت في الإمارات (الصقر الحر) وتوجد منه أنواع عدة منها (القرموشة) و(الوتري) و(الحر الكامل) . . ومنها أيضاً (الشاهين) وهو يعيش على شواطئ البحر ويتغذى على الطيور ومن أنواعه (الشاهين الخميسي) و(الشاهين التبغ) (الشاهين الوكري) و(الشاهين الكامل) . . ويستخدم لتدريب الطيور الجارحة بعض الأدوات التي يعرفها مربو الصقور، ومن أهمها غطاء الوجه (البرقع) ويستخدم لحجب النظر وهو يصنع من الجلد و(الوكر) وهو المِرْبض الذي يقف عليه الطير . . و(السبوق) وهي خيطان يمسكها المدرب للحد من حركة الصقر . . ومن الأدوات (المنقلة) وهي قطعة قماش يضعها المدرب أو الصقار على يديه و(المخلاه) وهو كيس من القطن . . و(المرسل) وهو خيط يحمله الصقار . . وأماكن الصيد المشهورة في بادية الإمارات فأهمها المنطقة الغربية في إمارة أبوظبي . . والمناطق الشمالية (الطف) والجنوبية (الحمرة) ومناطق أخرى في الأراضي الصحراوية الداخلية من العوير والظاهرة والذيد ومناطقها إلى الحمرانية والساعدي . . وتوجد في بيئة الإمارات أنواع من الطرائد التي يصيدها الطير الجارح منها (الحبارى) و(القطا) و(الكروان) و(الغزال البري) و (الأرنب البري) وبعض أنواع الطيور . . وقد مارس الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله هذه الهواية، وأصبحت هوايته المفضلة، وكان يذهب في رحلات قنص داخل الدولة تستغرق شهرين إلى ثلاثة شهور، وكانت مجموعة الصيد التي ترافق الشيخ زايد أثناء المقناص نحو ستين شخصاً أو أكثر ويتم توزيع العمل بينهم . . وأثناء ذلك ينصبون خيم الصيد في مناطق (التخييم) المعروفة ويتوزعون في مجموعات، وفي المساء يحضر كل واحد حصيلة صيده . . فهذه الرياضة رياضة جماعية تساعد على الألفة والتعاون والانسجام بين المجموعة . . وقد أحب الشيخ زايد طيب الله ثراه هذه الرياضة الشعبية، وحرص على تطويرها وإنشاء النوادي والمؤسسات الطبية التي تعتني بالصقور وترعاها . . ووفر لها ماتحتاجه من خبرات أجنبية أسهمت في تطورها وانتشارها . . وتحضرني هذه الأبيات من قصيدة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله يصف فيها الطير القناص . . فيقول :
ياطير وظبتك بتدريب
أبغى أصاوع بك هدادي
لي طارن الربد المهاريب
لي ذايرات من الغوادي
إلقف إلهن عساك ما تخيب
وقصد لقايدهن عنادي
خمه براسه خمة الذيب
وعليك ماظني هبادي
وخل الهبوب تروح وتييب
ريش شعى عقب المصادي
إلى سبق طيره بلا طيب
بيتم في حزمه ينادي
عند اخويانا والأصاحيب
كل على خيره يسادي
أول مااضوى دولة الجيب
باذهاب والطبخة عتادي
وكانت مناطق المقناص خارج الدولة مسرحاً لهواية الشيخ زايد ورفاقه حيث كان يشد الرحال إلى الباكستان التي تحوي أماكن خاصة للصيد مثل (رحيم يارخان) وإلى المملكة المغربية حيث توجد محميات خاصة مارس فيها الشيخ زايد المقناص . . وقبل ذلك كان بعض التجار وهواة الصيد بالصقور يذهبون إلى إيران والهند حيث توجد المراعي الخضراء وتكثر الطرائد من الغزلان والطيور البرية .
رحم الله مؤسس الإمارات الشيخ زايد فقد أحيا فينا حب التراث وغرس في مشاعرنا أصول التعامل معه . . ودعا إلى المحافظة على إرث الجدود حتى يظل شاهداً على الماضي العريق للإمارات .