لو علم المسلمون ما في التبكير إلى صلاة الجمعة من أجر وثواب لناموا على أبواب المساجد، ينتظرون فتحها ليحظوا بكامل الأجر والثواب الذي بشر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - حيث يقول عليه الصلاة والسلام: «من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى - (أي ذهب إلى المسجد لصلاة الجمعة مبكراً) فكأنما قرب بدنة (أي ناقة)، ومن راح في الساعة الثانية (أي الدفعة الثانية) فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن (أي خروفا له قرنان) ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قدم دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام - للخطبة - حضرت الملائكة يستمعون الذكر»، أي يستمعون إلى خطبة الجمعة ولم يعد هناك من يسجل الحضور.

قال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤوا يستمعون الذكر».
هذه الأحاديث النبوية تنبهنا إلى سلوك نبوي كريم، وإلى سنة هجرها كثير من المسلمين الذين شغلتهم الدنيا عن بيوت الله، حتى في صلاة الجمعة التي أصبحوا يذهبون إليها في اللحظات الأخيرة بعد صعود الخطباء فوق المنابر وربما قبل إقامة الصلاة بلحظات؛ ليحرموا من الأجر والثواب الذي بشّرنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

يقول د. نصر فريد واصل، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، مفتي مصر الأسبق: مما يؤسف له أن كثيراً من المسلمين شغلتهم الدنيا بهمومها وملذاتها ومباهجها الزائلة عن بيوت الله، فأصبح وقتهم كله على فيسبوك والإنترنت وأمام شاشات الفضائيات، فإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى متثاقلين متعجلين، وهم لا يدركون أنهم بهذا السلوك يحرمون أنفسهم من بركة الجلوس في بيوت الله، وهي لحظات تجلب لهم السكينة والراحة النفسية والهدوء الذي يفتقدونه خارجها.

راجعوا أنفسكم

ويضيف: من المؤسف أن كثيرا من المسلمين غفلوا عن الصلاة في المساجد ومكاسبها، حيث يصلي البعض في المنزل وقد لا يصلي البعض الآخر، فإذا ما ذهب إلى المسجد لصلاة الجمعة كان متعجلا مفضلا الصلاة خارج المسجد ليعود إلى بيته سريعا ليمارس اللهو بكل صوره وأشكاله، وهؤلاء يحتاجون إلى مراجعة للنفس وإلى القراءة والبحث في فضل التبكير في الذهاب إلى صلاة الجمعة ليقفوا على ما قاله الرسول في ذلك، وما كان يحرص عليه صحابته الكرام في هذا الأمر، وقد نقلت لنا كتب السنة النبوية أن الصحابي الجليل «علقمة» قال: خرجت مع عبد الله بن مسعود إلى صلاة الجمعة، فوجد ثلاثة قد سبقوه إلى المسجد فقال: رابع أربعة وما رابع أربعة من الله ببعيد، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الناس يجلسون يوم القيام على قدر تراوحهم إلى الجمعات، الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع وما رابع أربعة من الله ببعيد».
هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحث المسلمين على التبكير إلى صلاة الجمعة ليستفيدوا من المناخ الروحي للمسجد وليتهيؤوا نفسيا ووجدانيا لسماع الخطبة بتركيز ليعودوا إلى منازلهم وأعمالهم وهم يحملون أعظم المكاسب، فصلاة الجمعة لها فضلها وأجرها، ويوم الجمعة له فضله ومكانته في حياة الأمة الإسلامية.

فضل يوم الجمعة

يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح الذي رواه الإمامان - البخاري ومسلم - عن أبي هريرة - رضي الله عنه: «نحن الآخرون السابقون يوم القيام بيد أنهم - أي أهل الكتاب - أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرضه الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد».
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يوضح هنا أننا أمة الإسلام آخر الأمم - لأن رسولنا هو خاتم الأنبياء والمرسلين - إلا أننا السابقون في الفضل والخيرية، لقول الحق سبحانه: «كنتم خير أمة أخرجت للناس»، وقد فرض الله زيادة العبادة على الأمم السابقة في يوم الجمعة إلا أنهم اختلفوا في شأن هذا اليوم المبارك وفضلوا غيره عليه، فهدى الله أمة الإسلام إليه، فالناس لنا فيه تابعون في الفضل، وقد اختار اليهود يوم السبت عيدا لهم، والنصارى اختاروا يوم الأحد.

ولفضل هذا اليوم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «خير يوم خرجت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة».

من أجل ذلك يحث د. واصل كل مسلم على الاستفادة من بركات ونفحات هذا اليوم المبارك، ويقول: واجب المسلم أن يستثمر هذا اليوم في كل ما يقربه من خالفه، ولا يكتفي فيه بالخروج لأداء الصلاة فقط، ويستحب للمسلم والمسلمة في هذا اليوم أن يكثر من التضرع إلى الله بالدعاء، خاصة آخر النهار، فقد روي عن عبدالله بن سلام أنه قال في حضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إنا لنجد في كتاب الله في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئاً إلا قضى له حاجته، قال عبدالله: فأشار إلى رسول الله قائلاً: «أو بعض ساعة» فقلت صدقت أو بعض ساعة فأي ساعة هي، فقال صلوات الله وسلامه عليه: «آخر ساعة من ساعات النهار».

فقال عبدالله: إنها ليست ساعة صلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: «بلى، إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة».

الصلاة على النبي

أيضاً يستحب للمسلم في هذا اليوم الأغر الإكثار من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والذي طالبنا بذلك هو رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، حيث قال: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا على من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ».

قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت - أي قد فارقت الحياة وتآكل جسدك؟
قال - صلى الله عليه وسلم - «إن الله حرم على الأرض أن تأكل شيئا من أجساد الأنبياء».
كذلك يستحب للمسلم - رجلا كان أو امرأة قراءة سورة الكهف، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له النور ما بين الجمعتين».
ومن السنة التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحرص عليها في يوم الجمعة الاغتسال للجمعة والتطيب وارتداء أحسن ثيابه، وقد حث اتباعه على أن يفعلوا ذلك ومن أقواله الشريفة: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل»، وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث الشريف أن الغسل للجمعة من الأمور الواجبة على كل مسلم، لكن جمهور الفقهاء قالوا كما يوضح د. واصل أن الاغتسال لحضور صلاة الجمعة من السنن التي ينبغي أن يحرص علها كل مسلم. والسؤال المهم هنا: هل نراجع أنفسنا ونحرص على الاستفادة من خيرات وبركات يوم الجمعة، كما أرشدنا رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم؟