من حيث المبدأ فإن كل شيء يقع في إطار السماوات والأرض يعتبر من الممكنات، استناداً إلى الآية الكريمة: وسخر لكم ما في السماوات والأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون(الجاثية: 31). وسخر لكم يعني أنّ تلك الموجودات خاضعة لسلطان العلم. فبالعلم نكتشف سنن كل مخلوق من المخلوقات، ونعرف كيف بدأ خلقه، حتى نتمكن من تسخيره لأغراضنا البشرية. فالإنسان يتمكن من الموجودات عبر العلم.
وفي قصة النبي سليمان عليه الصلاة والسلام يتساءل عمّن يستطيع أن يجلب له عرش بلقيس بسرعة، قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي(النمل:40). والشيء المهم ذو الدلالة أن الآية لم تذكر اسم الذي جلب العرش، وإنما سمته بصفته العلمية الذي عنده علم من الكتاب. وكأن القرآن يقول لنا ليس المهم (من يكون)، وإنما المهم (ماذا يكون). ولهذا فقد نسب الفعل إلى الصفة العلمية للفاعل، ولم ينسب إلى شخصه. وإذا كانت تلك السرعة التي تمّ بها جلب العرش مستحيلة حتى في وقتنا الراهن، فكأن القرآن يريد أن يقول لنا: لا مستحيل بفضل العلم، وما تظنونه مستحيلاً يصبح ممكناً بفضله.. وفي آية أخرى يربط الله عز وجل بين الممكن والعلم ربطاً حتمياً، اقرأ قوله تعالى: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان(الرحمن:33). إذن فنحن أمام حقيقتين مهمتين: الأولى: أنّ ما خلقه الله تعالى وبثه في حدود السماوات والأرض يعتبر من الممكنات، وهذا يعني أن الإنسان يتعامل في إطار محيطه الحيوي الذي يشمل السماوات والأرض مع موجودات خاضعة وليست سيّدة.
والحقيقة الثانية: هي أنّ الممكن يصبح ممكناً بسلطان العلم، وليس من تلقاء نفسه. أي أنّ الكون - بما فيه من موجودات - يخدم الإنسان مجاناً إذا فهم الإنسان كيف يوجه الأوامر إلى الكون.
كلمة السر
إن الكون مثل مغارة علي بابا، تنتظر من الإنسان كلمة السر، وكلمة السر هذه هي العلم، فحتى نستطيع توجيه الأوامر الصحيحة إلى المخلوقات علينا أن ندرك سننها، أي قوانينها التي تسير عليها. وسبيلنا لمعرفة تلك السنن هو العلم، ولا سيما العلم التجريبي منه. ومن دون العلم يقف كل ما في السماوات والأرض موقفاً ندّياً من الإنسان، حتى أنه أحيانا يعجز الإنسان عن مواجهة فيروس صغير لا يُرى بالعين المجردة، لكن بتسلحه بالعلم يحوّل العلاقة الندية بينه وبين الكون إلى علاقة تسخيرية، وبذلك يصبح ما كان ندياً للإنسان تابعاً له. والسر في هذا التحويل هو العلم بالطبع. ومن المعلوم أن سيادة الإنسان على الكون تمتد إلى الحدود التي وصل إليها علمه. وكل ما هو خارج عن علمه، خارج كذلك عن سيادته، ولا يخضع للتسخير.
فإذا انتقل الإيمان بإمكانية تسخير الأشياء من خلال العلم من الوسط الطبيعي للإنسان إلى الوسط الاجتماعي، فإننا نقف بذلك على أعتاب التغيير الاجتماعي والنفسي والفكري.
إنّ الإيمان بإمكانية التغيير، وإمكانية النهضة، وإمكانية التقدّم، وإمكانية الغنى، والحضارة، والعلم، هو جزء كبير من الطريق إلى الحل. أمّا الإيمان باستحالة تلك الأهداف فإنه يجعل الفرد والمجتمع مشلولين.
وكل ما يمكنك قوله هو أنّ معتقداتك تؤثر في توقعاتك، التي تؤثر بدورها في أفعالك، والتي تؤثر بدورها في خبرتك الحياتية. وعلى هذا النحو فإنه من المعقول أن نستخدم المعتقدات التي يمكن أن تساعدك وتفتح لك الأبواب ، بدلاً من أن تفترض واهماً أنّ الأبواب مغلقة.
وهناك فرق شاسع بين مجتمع يؤمن أفراده أنّ الأشياء والأمور ممكنة، وبين مجتمع آخر يؤمن أفراده بأن الأشياء والأمور مستحيلة، فالفرق بينهما كالفرق بين الإنسان الصحيح والمشلول!
المقدمات والنتائج
وإذا كان كل ما في السماوات والأرض ممكناً، فلماذا هذا الحضور الكثيف للمستحيلات في حياتنا؟ والجواب هو:
1- الجهل: إذا كانت الأشياء تصبح ممكنة بواسطة العلم، فإنّ تلك الأشياء تصبح مستحيلة بواسطة الجهل. فالعلم مفتاح التسخير، والجهل مفتاح العجز. ويتحوّل الإنسان من الجهل إلى العلم بقراءة الكتاب المسطور والكتاب المنظور، وفي الحديث النبوي يقول صلى الله عليه وسلّم: يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق. فحتى ترتقي أكثر عليك أن تقرأ أكثر. أمّا عن قراءة الكتاب المنظور فآياته كثيرة منها: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها(الحج: 46).
2- تركيزنا على نهايات الأمور وإهمالنا لبداياتها، وقراءتنا للنتائج وتهميشنا للمقدمات، ورؤيتنا للأثر من دون البحث عن المؤثر. ومثال ذلك أننا ننظر إلى الأهرامات كما لو أنه تمّ بناؤها في لحظة واحدة، من دون أن تكون لدينا نزعة تفكيكية للأهرام، يُرجعه إلى أصغر وحدة فيه وهي الحجر الواحد. وهناك فرق جوهري بين القراءتين، أي بين القراءة التي تركّز على النهايات المُتشكلة، وبين القراءة التي تركّز على البدايات المُشكلة. ففي القراءة الأولى تبدو لنا الأشياء مستحيلة، لأننا لا نرى مقدّماتها ومسبباتها. بينما في القراءة الثانية تبدو الأشياء ممكنة لأننا ننظر إلى مقدّماتها، ونربط بين النتائج والأسباب، فتتضح الأمور. والبيان الإلهي يأمرنا بالقراءة الثانية، أي القراءة التي تنظر إلى بدايات الأشياء قبل نهاياتها، ثم تربطهما ببعضهما البعض في علاقة سببية مفهومة، إذ يقول سبحانه: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثمّ الله يُنشئ النشأة الآخرة إنّ الله على كلّ شيء قدير(العنكبوت:20).
وحين نؤمن بالخلق الأول (النشأة الأولى)، سيكون من السهل والمنطقي الإيمان بالخلق الثاني(البعث). وفي المناظرة القرآنية الواردة في سورة يس، تتبدى لنا خصائص هاتين القراءتين ونتائجهما الفكرية. إذ يقول الفريق الأول: من يُحي العظام وهي رميم(يس: 78)، وهذه قراءة تركّز على نهايات الأمور، ولهذا فهي ترى إحياء العظام شيئاً مستحيلاً. فكان جواب الفريق الثاني: قل يُحييها الذي أنشأها أوّل مرة وهو بكل خلق عليم (يس: 79)، وهذه قراءة تركّز على بدايات الأمور، ولهذا فهي ترى إحياء العظام ممكناً استناداً إلى الخلق الأول. وانطلاقاً من هذه الحقائق المهمة علينا الشروع في قراءة الموجودات ابتداءً من خلقها الأول حتى نراها من الممكنات.
3- تصبح الممكنات مستحيلات حين نسعى إليها ضمن مدى قصير، بينما النقطة الرئيسية التي يتوجب علينا أن نتذكرها هي أن ما بدا مستحيلاً على المدى القصير، أصبح مثالاً جلياً للنجاح والسعادة على المدى الطويل. وعمل المستطاع الآن يجعل ما ليس مستطاعاً الآن، مستطاعاً في المستقبل. علينا لكي ننجح أن نعوّد أنفسنا على التفكير في المدى الطويل. علينا أن نوزّع أعمالنا الكبيرة التي نريد تحقيقها على الزمن الكافي لتجسيدها على أرض الواقع، لأنّ معظم الناس يبالغون فيما يمكنهم إنجازه في عام واحد، ويقللون مما يمكن تحقيقه في عقد من الزمن. وعلينا أيضاً أن نقسم المستحيلات إلى أعمال ممكنة صغيرة، ونمدد الإطار الزمني لها، لأن ما يبدو مستحيلاً على المدى القصير يصبح ممكناً جداً على المدى الطويل.