المندوس.. صندوق الذكريات

عمره يزيد على 150عاماً
04:07 صباحا
قراءة 4 دقائق
تحقيق: فدوى إبراهيم

يختزل صندوق المندوس في الإمارات النفيس والذاكرة كذلك، فهو واحد من أبرز القطع التراثية التي حفظت لسنوات طوال بداخلها كل ما له قيمة، واستطاع أن يحافظ ذلك الصندوق الخشبي على وجوده، رغم فقدانه الغرض منه، حتى اليوم في المنازل والمجالس وكقطعة من الديكور في المحال، ولسبر أغوار أسرار ذلك البني المزخرف والمذهب كان لنا جولة مع محبي التراث:
يقول الدكتور أحمد الخوري، أحد مقتني التحف الأثرية والمهتمين بالتاريخ في الدولة: إن صندوق المندوس أو السرتي كما يسمى هو واحداً من أقدم القطع التراثية ذات القيمة التي شهدناها، ومن مقتنياتي مندوس يصل عمره إلى 150 عاما وغيره من التي استخدمت قبل قرن وأكثر، بحيث يصل عدد المناديس التاريخية التي أملكها إلى ما يقارب 20 مندوسا، وتفصح عن طريقة صنعه آنذاك وأنواع الخشب المستخدم والزخارف المحفورة عليه، ما يشير إلى أهميته وأهمية محتواه.
ويضيف: أيام تجارة اللؤلؤ وطريق الرحلات البحرية إلى الهند، تعلم البحارة طريقة تخزين المحتويات الثمينة في الصناديق الخشبية التي سميت المندوس، وذلك بعد استجلابها من الهند في غالب الأحيان وأفريقيا بشكل أقل، وكان الخشب الذي يصنع من صندوق المندوس عادةً خشب ثقيل وذو قيمة عالية، وهو من الساج بالدرجة الأولى أو السيسم، ومع مرور الوقت أصبح هناك إمكانية لجلب الأخشاب من خارج الدولة فأصبح المندوس يصنع بحسب المواصفات في دبي ورأس الخيمة وغيرهما على يد نجارين، وفي عموم الحال فإن الأخشاب التي يصنع منها في ذلك الحين أخشاب متينة وثقيلة بحيث لا بد من رجلين لحمل الألواح الخشبية ولا يمكن تحريك الصندوق من مكانة بسهولة، وكلما صنع المندوس من أخشاب كاملة كلما كان ذا قيمة أعلى بحسب نوع الخشب أيضاً.
ويشير الخوري إلى أن النوع الفاخر منه كان خاصا بالتجار الكبار، يهدونه إلى بناتهم عند زواجهن، بحيث تحفظ فيه العروس مقتنيات الزفاف الثمينة، وتصمم بعض المناديس بحسب الحاجة، وحين السفر كان التجار ومن معهم من مساعدين يقتنونها في وجهاتهم، ليضعوا فيها الهدايا الثمينة.
وحول أشكال المندوس الخارجية يقول الخوري: «يزخرف الصندوق بأشكال ذات علاقة بالتراث المحلي كالمرش والمبخرة والأشكال الدائرية، وهي نقوش للزينة فحسب، ويختلف في ذلك من مكان لآخر، فالمناديس التي كانت ترد من البصرة كانت ذات نقوش مختلفة.

حفظ الذهب

تقول فاطمة المغني، باحثة في التراث: جاءت تسمية الصندوق من»الدس» أي الإخفاء، كما سمي السرتي والمبيت وكلها تسميات تدل على المكان الذي تخبأ فيه الأشياء الثمينة في المنزل، وشاع عنه «مندوس العروس» كونها كانت تخفي فيه كل ثمين قبيل عرسها وحتى انتقالها لبيت زوجها من مصوغات وعطور وملابس ثمينة وحتى المال، حتى أن بعض المأكولات كانت تحفظ فيه، ففي وقت كانت الفواكه غير شائعة ولم تكن البقالات كثيرة وما هو متوفر منها بعيد نوعا ما عن المسكن، لذلك كانت الفوالة تحفظ فيه، كما تحفظ فيه الحلوى العربية للضيوف والذهب العائلي والمبالغ المالية المحفوظة للمستقبل.
وتضيف المغني قائلة: لم تكن كل البيوت تحتوي على المندوس، حيث كان يخص الطبقات العليا أو من استطاعت الحصول عليه، فمثلا كانت العروس من الطبقات الاجتماعية الأقل تحفظ حاجياتها في صندوق خشبي أو «البقجة»، منها الثوب «الميزع» والعطور والمحلب للتجميل والزعفران والذهب الذي كان عادة دون مغالاة، وحجم ونوع المندوس كان يختلف بحسب مصدره، فمثلا المبيت كان بحريني المنشأ، وحتى اليوم تشتهر دولة البحرين بصناعة المناديس، وتتميز بأن بعضها محفور بآيات قرآنية، بينما الإفريقية لها نمط خاص بزخارفها».
وتكشف المغني حقيقة استنبطتها من خلال بحوثها قائلة: غالبية الصناديق كانت تأتينا من الهند وتحديداً مدينة «مومباي» حينها، وحين سفر الرجال إلى هناك كانوا يصحبون من الهند المناديس ويضعون فيها الثمين ويغلقونها بالأقفال، وحين يحطون في إحدى المدن الإفريقية، ينصح قائد المركب بالتخلي عن بعض الصناديق لثقلها وإمكانية وضع البضائع مكانها، ومن هنا بدأ الأفارقة بتقليد تلك الصناديق وأصبح لديهم صناعتهم منها، لذلك كانت أنواعاً تردنا من أفريقيا إضافة للهند.

خشب السيسم

أما حميد بن ذيبان، وهو واحد من أبرز المراجع التراثية في الدولة، فيشير إلى أن لفظة المندوس عمانية الأصل أما في الدولة فكان يسمى الصندوق وخاصة في إمارة دبي، وكانت تصنع من خشب خالص دون أي صبغ، وتنقش وتحفر بأشكال تحاكي طبيعة الحياة كمقدمة ومؤخرة السفينة والشراع وكل ما كان يعمل لها لتهذيبه هو برده بحيث يمنحه ذلك لمعانا بواسطة زاوية الزجاج، هذا بالنسبة للصناديق التي صنعت بواسطة حرفيين محليين، أما الأخشاب فكانت ترد من الهند وإفريقيا، ويعتبر خشب السيسم هو الأغلى وكان يرد من زنجبار بشكل خاص، بينما يرد الساج من الهند، كما أن هناك أنواعا أخرى من الأخشاب مثل الصنوبر ومرنتي، ويضيف: كلما كان لون الخشب الأصلي داكنا أكثر أي ما يشبه لون بودرة الكاكاو، كان أفضل، وهو ما ينطبق على خشب الساج الذي تأتي منه أنواع تختلف بألوانها بدرجات، وكانت الصناديق ترد كاملة وهناك حرفيون في الدولة ينقشونها وحين وجد الخشب باستيراده بات الحرفيون يصنعون الصناديق كاملة بحسب حاجة المشتري، كما باتت تقسم من الداخل كما الحاجة.
ويشير ابن ذيبان إلى أن الصندوق شاع استخدامه لحفظ كل ما هو ثمين وقيّم من عطور وملابس ومصوغات حتى الستينات من القرن الماضي، وبمجرد أن دخلت الخزانات السوق حتى أصبحت تحل محل الصناديق، إلا أن المندوس ظل في المنازل رمزا تراثيا لا غنى عنه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y4lmyngd