تبدو جهود العلماء والباحثين اليمنيين والأجانب في طريقها إلى كشف أسرار وتراكيب وقواعد اللغة المهرية القديمة التي تعود إلى ما قبل الميلاد ولا تزال حتى اليوم لغة محكية في محافظة المهرة اليمنية في ظاهرة ثقافية واجتماعية نادرة.
وتنتشر هذه اللغة على نطاق واسع لدى سكان محافظة المهرة اليمنية المطلة على بحر العرب، وكذلك في جزر أرخبيل سقطرى على المحيط الهندي، وهي بالنسبة لكثيرين وخصوصا كبار السن اللغة الأم التي يصعب التخلي عنها في هذه المحافظة الحدودية.
توصف المهرة بأنها البوابة الشرقية لليمن فهي تطل على بحر العرب وتمتد شرقا حتى الحدود الدولية مع سلطنة عمان وشمالا حتى صحراء الربع الخالي وغرباً حتى وادي المسيلة في حضرموت والوصول إلى مركزها مدينة الغيظة من العاصمة صنعاء يفترض قطع مسافة 1299 كيلومتراً عبر محافظة شبوة في طريق متنوع التضاريس، كما هي حال المحافظة التي تتنوع بين البحار والصحارى الممتدة إلى تخوم الربع الخالي والجبال التي تعد امتدادا لجبال عمان ثم الوديان الزراعية المنبسطة والغنية بالمياه الجارية طوال العام.
عندما اقتربنا من أحد سكان المهرة وهو صياد مسن كان يتحدث إلى صديقة بلغة غير مفهومة قفدوت سفيت سنبوق تبروت، بداية توقعنا أن الرجل إفريقي من آلاف الأفارقة الذين يصلون إلى شواطئ المهرة اليمنية تباعاً هرباً من جحيم الحرب خصوصاً أن لغته العربية كانت ركيكة لكننا أدركنا لاحقاً أنه كغيره من سكان المهرة الذين يفضلون الحديث باللغة المهرية (الحميرية القديمة ) وحينها أخبرنا المترجم بأن الصياد كان يقول إن زورقه انكسر عندما نزل به إلى الساحل.
ولعل العزلة التي لازمت التاريخ القديم للمهرة ساعدت على بقاء اللغة القديمة حية في الوجدان والذاكرة المحلية فيما يعد الدارسون استمرارية اللغة المهرية وصمودها حتى اليوم دليلاً على حيوية وعراقة هذه اللغة ما جعل استخدام لغة بديلة عنها أمرا صعبا لدى السكان.
والمهرية كانت اللغة المحكية لدى عرب اليمن القديم، لكن سكان المهرة لم يتركوا هذه اللغة رغم أنها صارت اليوم تزاحم بصعوبة اللغة العربية التي تعد اللغة الرسمية في المدارس والمؤسسات الحكومية ولدى عامة الناس في المهرة وهي حال تشبه كثيراً حال العادات والتقاليد السائدة لدى سكان هذه المحافظة التي ترقى في طقوسها إلى أزمنة سحيقة ويمارسها الناس بالشكل الذي توارثوه عن أسلافهم.
ثمة خلافات بين خبراء الألسنيات، إذ يرى البعض أن اللغة المهرية المتداولة اليوم لدى كثير من سكان المحافظة هي اللغة الحميرية القديمة ذاتها، فيما يرى آخرون أنها مختلفة عن كل اللغات التي عرفتها حضارات جنوب الجزيرة العربية قديماً غير أن الجميع يرون في هذه الظاهرة أعجوبة حضارية تنفرد بها هذه المحافظة وسكانها الذين توارثوها منذ ما قبل التاريخ.
سر اللغات السامية
يرى البعض أن البدو الرحل في المهرة أسهموا إلى حد كبير في الحفاظ على اللغة القديمة، ويشير الباحث ناصر باحرثان إلى أن حياة البدو اليمنيين أسهمت في بقاء الكثير من آثار الحضارة القديمة التي عرفتها اليمن، ومن بينها لغة التخاطب التي تعد واحداً من أهم مكونات الحياة الثقافية لدى بدو الصحراء. ويضيف: رغم التقدم الحضاري الكبير وانحسار الحواجز الثقافية والجغرافية وانتشار الثقافة المعولمة والأقمار الصناعية ووسائل الإعلام الإلكترونية، إلا أن الذاكرة الشعبية في المهرة ظلت تحافظ على الكثير من الموروثات الحضارية والثقافية، ولذلك فإن الباحثين الأجانب عادة ما يأتون إلى المهرة بحثا عن كبار السن الذين تزخر ذاكرتهم بالكثير من المفردات والأسماء الحميرية القديمة في محاولة لتدوينها وتوثيقها.
ويلفت باحرثان إلى أن بقاء اللغة القديمة لدى سكان المهرة لا يزال لغزاً لدى الباحثين المهتمين باللغات السامية القديمة، ومع ذلك، فهي ليست ظاهرة غريبة لدى سكان المحافظة فهم أصحابها الأصليون إذا عرفنا أن الأبحاث التي أجراها فريق بحثي فرنسي أثبتت أن اليمنيين في هذه المناطق كانت لهم لغتهم الخاصة التي تختلف عن لغة شمال الجزيرة وتختلف كليا عن لغة النقوش الحميرية القديمة خصوصا وهي تحوي مفردات ليس لها وجود في العربية أو اللغات السامية الأخرى كالعبرية والأرامية والسريانية.
ويوضح الخبراء أن اللغة المهرية تتكون من 29 حرفا وحروفها تخطيطية وليست صورا وجميعها غير منقوطة وتكتب بالخط المسند وهي متعددة اللهجات.
ويشير هؤلاء إلى أن جامعات ألمانية أبدت اهتماماً باللغة المهرية القديمة وهي تدرسها منذ سنوات في محاولة لفك رموزها والوقوف على قواعدها وكيفية استخدام واستخراج الأفعال والأوزان والضمائر وهي القواعد التي لا يعرفها الكثيرون.