الفضاء بين المجرات ربما لا يكون فارغاً ولا معتماً كما كان يعتقد سابقاً فالتجربة CIBER التي أطلقت في عام 2010 كشفت سطوعاً عالياً بشكل غير طبيعي ضمن نطاق الأشعة تحت الحمراء، وأرجع العلماء ذلك إلى وجود العديد من النجوم في الفضاء بين المجرات .
وكانت التجربة أجريت خلال رحلة لصاروخ صغير نسبياً أطلق عليه CIBER حمل جهاز الرصد فوق الغلاف الجوي لمدة 7 دقائق، ما مكنه من التقاط صور بزاوية واسعة للسماء، وإذا كان من الضروري القيام بهذه الرحلة الصغيرة إلى الفضاء القريب لإجراء هذه الأرصاد، فالسبب يعود في ذلك إلى أن الغلاف الجوي يلمع قليلاً في الليل، الأمر الذي من شأنه أن يسبب مشكلة كبيرة أثناء الكشف عن إشارات ضعيفة . وبعد الأخذ في الاعتبار الإشارات المقبلة من مجرتنا، تمكن علماء الفلك من عزل خلفية متبقية كثيفة، تميل إلى اللون الأزرق الغامق ما يعني أنها ليست أكثر بعداً من المجرات المحيطة بها .
أما بالنسبة للأجرام التي ظهرت في الصور، فكانت تميل إلى اللون الأحمر كلما ازداد بعدها عنا نتيجة لتأثير دوبلر ولتوسع الكون أي أن الأجرام الأكثر بعداً تتحرك بعيداً عنا بشكل أسرع من تلك الأقرب إلينا، وذلك على غرار صفارة إنذار سيارة الإطفاء التي تبدو أكثر انخفاضاً عندما تتحرك السيارة بعيداً عنا، وهذا يفسر في علم الفلك بأن الأجرام الأكثر بعداً يميل لون طيفها إلى الأحمر، ومن خلال هذه الطريقة يمكننا تقدير سرعتها، وبالتالي المسافة التي تفصلنا عنها .
ويشير الباحثون في الفيزياء الفلكية من جامعة كاليفورنيا الذين أجروا هذه التجربة إلى أنه باستخدام هذه الطريقة، تأكدوا أن الخلفية الإشعاعية التي التقطها CIBER تنبعث من نجوم لا تنتمي إلى أي مجرة لكنها تغمر الفضاء الذي يفصل فيما بينهما . ويقول هؤلاء إنه إذا كان من غير الممكن رؤية الشعاع الضوئي المنبعث من هذه النجوم، فذلك لأنها بعيدة بالنسبة لتلك التي من الممكن أن نراها في ليلة صافية، وتشكل خلفية متجانسة من النقطة التي نرصد منها .
ويرى الباحث هيرفيه دول المتخصص في الرصد بالأشعة تحت الحمراء في معهد الفيزياء الفلكية بأورساي بباريس أن الإشارة التي رصدت مهمة وثمينة لأن الخلفية المشتتة للأشعة تحت الحمراء هي مجموع إشعاعات كل النجوم في الكون وبالتالي فإنها تشفر كل تاريخ المجرات لكن المشكلة تكمن في تحديد مساهمة كل مصدر فلكي في هذا التراكب الهائل من الإشارات، ويضيف دول أن إحدى أهم مكونات هذا الإشعاع تجعل الباحثين يركزون جل جهودهم على شعاع المجرات الأولى في الكون أي الذي انبعث من العناقيد النجمية التي ولدت بعد مئات الآلاف من السنين من وقوع ما يسمى بالانفجار العظيم (بيج بانج)، ويشير دول إلى أن تحليل الأرصاد التي أجراها التلسكوب الفضائي سبيتزر الذي يرصد السماء منذ عام 2003 ضمن نطاق الأشعة تحت الحمراء تثبت أن تذبذبات خلفية هذه الأشعة على المستوى الكبير لا يمكن ربطها بأي حشد مجري بل هي آتية من مجرات لا نراها أو ما يسمى بالمجرات الأولية .
ويضيف دول أن التلسكوبين اللذين حملهما الصاروخ CIBER ف لعام 2009 متخصصان في رصد الضوء الواقع بين 1 .1 و6 .1 ميكرومتر أي ذات أطوال موجية تحت حمراء قريبة من الضوء المرئي لكنها صعبة المنال بالنسبة للتلسكوب سبيتزر، كما أن علماء الكون المتخصصين في الإشعاع المقبل من الكون الأولي كانوا يعتقدون أن الضوء المقبل من المجرات الأولية تعرض لامتصاص من السحب الهيدروجينية التي كانت تحيط بها في ذلك الحين، والحقيقة أن كل شيء كان يشير إلى أن الصاروخ الصغير سيظهر انخفاضاً في شدة الضوء تبين أن الإشارة الملتقطة تعود إلى ما قبل 5 .13 مليار سنة، لكن عند بدء الباحثين التحاليل من خلال المعلومات التي حصلوا عليها من التحليق الثاني للصاروخ في عام 2010 لاحظوا أن ثمة أمراً غريباً يحدث أمامهم، تبين لهم وجود زيادة غير متوقعة في قوة الإشارة، وفي هذا الصدد يقول جيمي بوك الذي ترأس التجربة في معهد كاليفورنيا التكنولوجي وفي مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا: "لا نشاهد الأمور غير المتوقعة في كل يوم ولذا كنا في غاية الاندهاش" . وفي عام 2012 حلق CIBER لمرة أخرى وأكدت كاميراته صحة الإشارة الملتقطة وبدأت الأمور تأخذ منحى آخر على حد وصف ميشيل زيمكوف الذي شارك في إجراء التحليلات مع الفريق العلمي في العام التالي 2013 مؤكداً من جديد صحة التوقعات بعد أن تمت مقارنة النتائج مع معطيات قديمة وكاتالوجات نجمية لأرصاد تمت بواسطة تلسكوبات مختلفة مثل أكاري وإيراس .
وجاءت النتيجة على النحو التالي: "ليس من شك في أن الإشارة الملتقطة لا يمكن أن تكون مقبلة من المجرات الأولى في الكون أو أن ذلك يعني أن تلك النجوم تبعث كمية هائلة من الضوء، وذلك أكثر من المتوقع، ولو كان الأمر كذلك لكانت النجوم خلفت وراءها مؤشرات أخرى تشاهد من الأرض باعتبارها بقايا لعناصر ثقيلة .
بدأ الباحثون في استبعاد كل الأسباب الممكنة لهذا الفائض من الضوء واحداً بعد الآخر وقالوا إنه من غير الممكن أن يكون ذلك بسبب انعكاس سطوع الشمس على سحب الغبار بين النجمية في درب التبانة ولا يمكن أن يأتي أيضاً من انعكاس أضواء المجرات ولا من الثقوب السوداء البعيدة، إلا أن الفلكيين لاحظوا أن حجم التذبذبات للإشارة المقاسة بواسطة CIBER وكذلك لونها تعبر بالفعل عن ضوء صادر عن نجوم تقع خارج المجرات أو ما يمكن أن يسمى بالنجوم التائهة، وأمام هذا النوع الجديد من النجوم
قام الباحثون بحساب كتلها ووجدوا أنها تمثل نصف نجوم الكون، أي أن الإشارة الضوئية تحت الحمراء التي التقطها CIBER مقبلة من مليارات المليارات من النجوم التي كانت اقتلعت من مجراتها وتاهت في الظلام ما بين المجرات، والحقيقة أنه منذ عشرات السنين يتحدث علماء الفلك عن هذه الظاهرة الغريبة المسماة بالتوهان النجمي التي أظهرتها النماذج الرقمية خلال التصادم بين المجرات حيث تقتلع كميات من النجوم خلال هذا التصادم وتقذف في الفراغ بين المجرات، ويشير جاييل رودييه اختصاصي الفيزياء الفلكية في مختبر الدفع النفاث الذي شارك في هذه الدراسة إلى أن الباحثين لا يمتلكون حتى الآن سوى هذا التفسير لأن الكشف أحدث ما يمكن وصفه بالهزة عند الفلكيين إذ كيف يمكن لهذا العدد من النجوم أفلت من رصد التلسكوبات؟ ولماذا لا تظهر هذه النجوم التائهة في النماذج الرقمية؟ وما هو السبب وراء عددها الهائل؟
أمام هذه التساؤلات بات المجتمع العلمي الفلكي منقسماً على نفسه فالنتائج الظاهرة مدهشة بلا شك ولكن لا بد من اتخاذ الحيطة والحذر لأنها نتائج يصعب تحليلها على حد وصف سيمون وايت المتخصص في تطور المجرات في معهد ماكس بلانك بألمانيا، ويرى وايت أنه من الصعب تصديق هذه النتائج، إذا كان نصف النجوم في الكون موجود بين المجرات فحينها يمكننا أن ننتظر أن تكون نصف المستعرات العظمى (سوبر نوفا) موجودة بين المجرات إلا أن الأرصاد الحالية تثبت وجود بضع مئات منها فقط، أما هارفي موزيلي فيقول إن الباحثين لم يعكفوا على دراسة موضوع المستعرات العظمى بعد وهم الآن يعيشون مرحلة ما يمكن وصفه بالصدمة إزاء هذه النتائج ولا بد لهم أن ينتظروا بعض الوقت كي يستوعبوا حقيقة ما اكتشفوه خاصة أن بعض النماذج الرقمية تثبت أيضاً أن هالات نجمية اقتلعت من مجراتها وتركت منسية لا يعلم الباحثون وتلسكوباتهم عنها شيئاً .
مسح إحصائي مبرمج
يقول أندرو كوبر من جامعة دورهام ببريطانيا إن النماذج الرقمية الحديثة تثبت أن العلماء لا يرون إلا المركز الأكثر سطوعاً للمجرات ويكتشفون تدريجياً الكتلة الهائلة من النجوم التي تختفي تحت جبل الجليد .
من جهته تمكن الفلكي بيير الآن دوك من مرصد كندا - فرنسا - هاواي وفريقه العلمي من تتبع الإشارة الملتقطة عبر كاميرا خاصة مركبة في تلسكوب المرصد وركز جل جهوده على المجرات الأقرب من مجرتنا درب التبانة واستطاع التقاط ما يمكن وصفه بالضوء الباهت لبعض المجموعات النجمية التائهة، وفي عام 2011 اكتشف دوك وفريقه العلمي تيارات نجمية عملاقة تمتد على مسافة تبلغ 3 .1 مليون سنة ضوئية بالقرب من المجرة NGC 5557 الموجودة في كوكبة العواء Boôtes .
وفي عام 2012 كشف نفس الفريق عن حلقة نجمية فيما وراء حدود المجرة ETG NGC0474 الواقعة في كوكبة الحوت، ويشير دوك إلى أن العلماء بدأوا يرصدون الكثير من النجوم فيما وراء حدود المجرات وشرعوا في إجراء عملية مسح إحصائية مبرمجة لهذه النجوم . ويقول دوك إن المشاهدات الأولى تشير إلى أن النجوم (المبعدة أو المطرودة) التائهة تمثل 20% من التجمهر النجمي في الكون المرئي حيث يوجد 5% من النجوم المبعدة في المناطق الكثيفة و20% في عناقيد المجرات أي أننا لم نزل بعيدين عن ال 50% التي سجلت في إشعاع الخلفية تحت الحمراء، وحتى اللحظة يعمل الباحثون على بناء أجهزة رصد متطورة لمتابعة هذه المسألة المهمة، كما يجرون المزيد من عمليات المحاكاة الرقمية للوصول إلى مستوى دقيق من التفاصيل، أما فريق الصاروخ CIBER فيعمل على التحضير لرحلة جديدة خلال سنة أو سنتين مقبلتين بغية دراسة المسألة ضمن أطوال موجية جديدة لإشعاع الخلفية تحت الحمراء إلى أن تخرج النجوم التائهة من مخبئها .