«والسماء والطارق، وما أدراك ما الطارق، النجم الثاقب» (الطارق ١-٣)
يقسم الله سبحانه في الآيات المذكورة بالسماء والطارق، والطارق هو النجم الثاقب، أي: ذو الأشعة والطاقة العالية جداً، الذي يثقب إشعاعه، فيخرق السماوات فينفذ حتى يرى من الأرض بالأجهزة الفلكية الفضائية المتطورة، وهو اسم يشمل مختلف النجوم ذات الطاقات العالية جداً (أي ما تسمى بالثواقب) التي لها الخواص الفيزيائية نفسها ولكنها مختلفة عن خواص النجوم العادية، إذ تبعث أشعة كهرومغناطيسية قوية جداً أثناء دورانها حول محورها بسرعات عالية جداً.
يقول المفسرون المعاصرون إن هذه النجوم هي نجوم نابضة تصدر أصوات طرق أشبه بالمطرقة، وكذلك تصدر موجات جذبية تستطيع اختراق وثقب أي شيء في طريقها المحيط بها، ولذلك أطلقوا عليها صفتين: صفة تتعلق بالطرق فهي مطارق كونية، وصفة تتعلق بالقدرة على النفاذ والثقب فهي ثاقبة، فكلمة (الطارق) تعبر عن عمل هذه النجوم، وكلمة (الثاقب) تعبر عن نتائج هذه النجوم وهي الموجات الثاقبة، سبحان الله!
تعرف هذه النجوم فيزيائياً وفلكياً بأنها نجوم نيوترونية نابضة في مراحلها الأخيرة من حياتها، وهي مخلفات انفجار نجم من نجوم المستعرات العظمى ( السوبرنوفا). حجم النجوم النيوترونية بقدر مدينة صغيرة لها مجال مغناطيسي عال جداً، وتدور حول نفسها بسرعة عالية لتكمل دورتها بعدد قليل من الثواني وبعضها بأجزاء الثانية، وخلال دورانها حول نفسها تبعث أشعة كهرومغناطيسية قوية جداً في اتجاهين، وذلك يجعلها جسماً نابضاً، لذلك تسمى بالنجوم النابضة.
في نهاية التسعينات تم اكتشاف نجوم نيوترونية أخرى سميت بالمغانيط، فهي في الواقع نجوم نيوترونية عالية المغناطيسية جداً، إذ يبلغ مجالها المغناطيسي أكثر من 100 ضعف المجال المغناطيسي للنجوم النيوترونية العادية (وهي من النجوم الأكثر مجالاً مغناطيسياً معروفاً في الكون حتى الآن).
وقد تكون هي تلك الأجرام السماوية ذات الطاقة العالية جداً والمرصودة عند حافات الكون المرئي والتي تسمى بالكوازارات أو أشباه النجوم. تظهر هذه الأجرام عند مسافات بعيدة جداً من الكون وهي مجرات خافتة ومثيرة للغاية، وتشير الدراسات والأرصاد الفيزيائية الفلكية إلى أنها مراكز مجرية لامعة جداً تصدر طاقات هائلة جداً غير اعتيادية، وأينما تكون هذه الأجرام فإن لمعانها الهائل يشير إلى أنها أبعد الأجرام السماوية التي يمكن مشاهدتها في الكون، فهي تسمح لنا برصد أجرام سماوية على بعد أكثر من 10 بلايين سنة ضوئية أي أنها أجرام بعمر 10 بلايين السنين.
لدراسة الكوزارات ينغي الرجوع إلى الانفجار الكبير (الفتق الكبير) للكون الذي يشير إلى بداية الكون، إذ يتحسس الفلكيون فقط بنورانية الانفجار التي تملأ الكون والتي تصلنا من كل الاتجاهات في الفضاء، إن اكتشاف الأشعة الخلفية الكونية هو أكثر الاكتشافات إثارة في علوم القرن العشرين وما زال الفلكيون مستمرين في استكشاف المدد الزمنية الأولى للكون.
كما أسلفنا فإن نهاية عمر النجوم الثقيلة جداً هي ما تسمى بالثقوب السوداء، وهي نجوم ميتة كانت أكبر من الشمس بعشرات أو مئات المرات أو أكثر قبل انفجارها على شكل نجوم مستعرة (سوبرنوفا).
وتتميز النجوم الميتة بأنها لا ترى لا بالعين المجردة ولا بالأجهزة، لأنها لا تسمح للضوء بالخروج منها بسبب جاذبيتها الكبيرة ولكن نتحسس وجودها من خلال رصد ما حولها من المادة، وتجري بسرعات كبيرة وتأكل أو تشفط كل شيء في طريقها بسبب قوة جاذبيتها الكبيرة جداً، وكأنها تكنس وتأكل ما حولها، حتى إن بعض العلماء وصفوها بالمكانس الكونية العملاقة.
وفي قوله تعالى: «فلا أقسم بالخنس، الجوار الكنس» التكوير: 15-16.
فالخنس أي الخانسة التي لا ترى والجوار أي التي تجري، والكنس أي التي تكنس وتجذب كل شيء حولها إلى الخنس بفعل الجاذبية الهائلة لها (الله أعلم).
فيزيائياً وفلكياً: اكتشف علماء الفيزياء الفلكية خلال بضع عشرات من السنين مضت نجوم الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية، فالنجوم ذات الكتل العالية جداً أعلى من كتلة الشمس بعدد من المرات أو بعشرات المرات أو أكثر تنتهي وتهوى وتموت على شكل نجوم نيوترونية (نجوم نابضة) أو ثقوب سوداء فتصبح جاذبيتها كبيرة جداً، وبذلك فإنها تقوم بجذب (بلع) ما حولها من مواد وأجرام سماوية، أي أنها تكنس ما حولها من مادة، بمعنى أن النجوم كبيرة الكتلة تصبح ثقوباً سوداء عند موتها ويخفت ضوؤها (تخنس) بسبب جاذبية مادتها عالية الكثافة ولا تسمح حتى للضوء بالخروج منها وبذلك تخفت وتخنس، وفي الوقت نفسه تبتلع وتمتص وتشفط ما حولها من مواد غازية وترابية وأجرام سماوية ولذلك قال بعض الباحثين إنها الخنس والكنس والله أعلم.
في الواقع أن جميع النجوم بما فيها الشمس تولد وتموت وأن عمرها يعتمد على كتلة النجم، فنجوم الكتل الكبيرة عمرها أقصر من نجوم الكتل الصغيرة، وبذلك فإن موت النجوم حقيقة، قال الله تعالى:
«فإذا النجوم طمست، وإذا السماء فرجت»: (المرسلات 8 -9) «وإذا النجوم انكدرت» (التكوير 2)، أي أن النجوم تنطمس وتنطفئ ويخفت ضوؤها عند وفاتها.
وفي سباق آخر قال تعالى:
«فلا أقسم بالخنس. الجوار الكنس. والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس. إنه لقول رسول كريم»، (التكوير 15-19)، وتنعكس عظمة القسم وأهميته في الاستدلال على المقسوم به وهو هنا مذكور بصفات قد تلتقي تماما مع صفات ما يسمى بالثقوب السوداء، فهي في الأصل نجوم تجري في مداراتها فيصدق عليها الوصف باللفظ (جوار)، وأما اللفظ (خنس) فيتطابق معها بكل معانيه في اللغة ومنها: الخفوت والاختفاء بعد ظهور وازدهار.
والشيء نفسه بالنسبة للكون فلابد وأن له نهاية في آخر المطاف (يتهاوى على نفسه) عندما تستنفذ النجوم طاقتها وتتحول إلى نجوم سوداء (ثقوب سوداء) ذات جاذبية وكثافة عاليتين جداً ثم تكبر كثافة الكون لتكون أكبر من الكثافة الحرجة وبالتالي يعود الكون كما كان سابقاً (رتقاً) قبل الانفجار الكبير (الفتق).
«يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب، كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدًا علينا، إنا كنا فاعلين»، (الأنبياء 104). والله أعلم.
مدير جامعة الشارقة - رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك