مع الغزو الإعلامي والفضائي المكثّف ظهر مفهوم جديد قد ينطبق عليه مصطلح عولمة الجمال، هذا المفهوم الذي جعل للجمال مقاييس عالمية دقيقة بعد أن كان لكل مجتمع ثقافته الجمالية المحلية المتناسبة مع بيئته. أهم هذه المقاييس هو مؤشر الميزان الذي أصبح هاجساً يومياً لدى الكثيرات وحتى لدى الرجال أحياناً. والمفارقة الغريبة أن هاجس التغيير أيضاً شاغل الكثيرين وهو بحد ذاته موضة، فتغيير لون العينين والملامح وحتى الابتسامة هو أمر مطلوب، ولكن تغير مؤشر الميزان نحو الازدياد ولو أجزاء من الكيلو غرام هو أمر مقلق للغاية.

ظاهرة تغزو مجتمعاتنا العربية وتحظى فيها بأهمية عالية، ألا وهي هوس النحافة! فهل هو هاجس أم هوس؟ وهنا يشير الطبيب النفسي الدكتور جمال حسن إلى الفرق بين المفهوم الطبي للهوس أي الهوس المرضي الذي هو حالة من اضطراب السلوك الشديد الذي يتجاوز القدرة على الضبط وعلى التحكم الذاتي والمفهوم الاجتماعي الذي يعني فرط الاهتمام والتعلق الزائد كهوس المشتريات وهوس النحافة، وبعد أن كان الذوق العام يميل إلى الامتلاء الذي كان يعتبر دليل صحة وعافية، يبدأ خوض معركة حادة ضد السمنة، حادة لأنها معركة للوصول إلى الوزن المثالي الذي تظهر فيه فتاة الإعلانات وعارضة الأزياء وحتى المذيعة في أقصر مدة ودون وعي للفروق الجوهرية في نمط الحياة وطبيعة الجسم وما يتدخل فيها من عوامل وراثية ونفسية وفيزيولوجية. ولم تكن المعركة من أجل النحافة مدروسة دوماً وكانت نتائجها كارثية أحياناً.

فالحمية التي درجت تحت اسم ريجيم والتي شاعت على أنها وسيلة للتنحيف فقط مع أنها نظام غذائي له أكثر من غاية صحية وقد تكون من بينها زيادة الوزن، هي أحد الأساليب المتبعة بطريقة عشوائية لإنقاص الوزن يقول طلال العيد: أحد أصدقائي فقد ابنته الوحيدة بسبب هوس النحافة عندما اتبعت حمية قاسية للغاية وغير مدروسة مما أدى إلى وفاتها.

ومها أمير أيضاً لها تجربتها الأقل كارثية مع الحميات تقول: اتبعت الكثير من الحميات الغذائية كلها كانت تعطي نتائج سريعة ومؤقتة وبعد تركها يعود وزني إلى ما كان عليه، فلجأت أخيراً إلى الرياضة.

إذاً الرياضة بأنواعها العديدة هي وسيلة أساسية، وقد لا يخطر على بال أحد أن تكون للرياضة أية نتائج سلبية، لكن أيضاً سوء ممارستها له مساوئه حيث تقول المدربة الرياضية لينا ناصر وهي مدرسة تربية بدنية وصاحبة ناد رياضي: بسبب الرغبة في الفقدان السريع للوزن تقوم بعض الفتيات بممارسة رياضة عنيفة ومن ثم تركها فجأة بعد الوصول إلى الوزن الذي يردنه فتعود الدهون لتتراكم من جديد بأسوأ مما كانت عليه قبل ممارسة الرياضة، عدا عن أن هناك بعض أمراض المفاصل والقلب وغيرها التي يجب مراعاتها لدى ممارسة الرياضة.

ولأن الشركات التجارية اللاهثة وراء الربح السريع سرعان ما تتلقف أية ظاهرة اجتماعية لتحولها إلى مادة تجارية، فإن هذه المحاولات العشوائية للحصول على النحافة كانت من أكثر الظواهر التي استغلت تجارياً من قبل شركات العقاقير التجميلية التي لا نبالغ إذا ما قلنا إن أحد هذه العقاقير لا يخلو من الآثار السلبية فتقول الصيدلانية ريما الأسكي: الناس وخصوصاً النساء تقبل إقبالاً كبيراً على المنحّفات وقاطعات الشهية رغم كل آثارها السلبية الكبيرة على الأعصاب والعظام والتي لا يعترف بها كثير من الأطباء ومع أنني لا يمكن أن أبيع أي منتج منها دون التنبيه إلى هذه الآثار، فهم يصرّون على تناولها ويقول طلال العيد: أعاني السمنة لكنني لم أجد نفسي مضطراً لتناول العقاقير المنحّفة الثابت ضررها الفادح، فالمشي ثلاث ساعات يومياً كان كافياً لإنقاص وزني 18 كيلوجراما في مدة أربعة أشهر.

إن تلك الطرق غير الصحية للوصول إلى الوزن المطلوب يدل على أن الغاية الأساسية شكلية وليست صحية وأن السعي الأهم هو لأن نبدو في أجمل صورة لا لأن نكون فعلاً جميلين. فالجمال الحقيقي يشتمل على الصحّة وهذا ما عبّرت عنه المدربة لينا، وهو ما تصر على إيصاله إلى طلابها والمتدربات عندها: (أشعر بالأسف عندما تكون معظم متدرباتي ينشدن من الرياضة، النحافة الشكلية بشكل أساسي وليست اللياقة والحيوية المتكاملة، وأول ما أسعى إليه هو تغيير نظرتهن إلى الجمال وإلى الرياضة أيضاً فلكل جسم جماله والرياضة تساعد في بناء جسم متناسق ورشيق وإنقاص نسبة الدهون المتراكمة فيه وليست الغاية منها الوصول إلى رقم معين للوزن فلكل جسم وزنه الذي يناسبه والمهم الشكل المتناسق والكتلة العضلية، ودائماً أصر على ممارسة الرياضة بحب وشغف وأن تكون نمط حياتي بأحد أشكالها على الأقل ولو سير ساعة في اليوم ومن أجل هذا أصر على ممارسة الرياضية التقليدية في النادي وليست رياضة الأجهزة كي تتمكن المتدربات من الاستمرار على المنوال نفسه إذا تركن النادي). وتقول مها: (بدأت ممارسة الرياضة فقط بقصد النحافة وبعد مدة من ممارستها كانت نتائجها أهم بكثير من هذه الغاية، فالجسم المتناسق والعضل المشدود أشعراني بالنشاط والخفة والراحة والنفسية) ويقول الدكتور جمال (ثقافتنا أصبحت سطحية وأعطت أهمية كبيرة للشكل على حساب المضمون، والحظوظ في الزواج والعمل أصبحا على أساس الشكل فأصبح الشخص ذاته يهتم بشكله أكثر من مضمونه، وبما أن أهم معايير الشكل الجميل هو معيار النحافة فيمكن أن تكون بدانة الشخص كافية لأن ينبذ نفسه، وعدم الرضا عن الذات هو مشكلة نفسية مهمة قد تؤدي إلى القلق والتوتر) ويضيف: السبب الرئيسي للنحافة هو الخوف من البدانة التي انتشرت بشدة مع التنوع الغذائي الكبير الذي أفرزته الثقافة الاستهلاكية ومغرياته مما أدى إلى صراع بين الانجذاب لهذه المغريات وبين المطلب الاجتماعي للنحافة الذي تم تعزيزه عن طريق هذه الثقافة الاستهلاكية ذاتها وقد بلغت النتائج الكارثية لهذا التوجه نحو النحافة ذروتها منذ بضع سنوات عندما انتشرت ظاهرة موت بعض عارضات الأزياء بسبب الأنظمة الغذائية الحادة التي كانت تفرض عليهن للوصول إلى أقصى درجات النحافة والتي تظهر فيها العظام بارزة دون مراعاة النقص الغذائي الذي تسببه، وكذلك انتشار مرض القهم النفسي الأنوروكسيا وخصوصاً بين المراهقات والذي احتل مرتبة متقدمة بين الأمراض النفسية، وقد أوضح الدكتور جمال أن مرض الأنوروكسيا أو القهم النفسي لا يمكن تصنيفه علمياً ضمن حالات هوس النحافة ويقول: مرض الأنوروكسيا هو اختلال صورة الذات حيث يرى الشخص نفسه بديناً رغم نحوله الشديد ويبدي اهتماماً مفرطاً بعدم تناول أي شيء يزيد من وزنه خوفاً من السمنة وهو لا يكره الطعام، بل يقوم بعد تناوله بحركة إقياء ذاتي عن طريق إدخال الإصبع داخل الفم إذاً هو ليس سعياً للوصول إلى أقصى درجات النحافة بل هو خوف من البدانة التي يعتقد أنه يعانيها. وهو مرض نفسي خطير ويدل على اضطراب عميق في الشخصية قد يقترب من الهذيان لشدته، رغم أن الأشخاص المصابين به يتمتعون بنشاط جسدي عادي، والأنوروكسي أي الشخص المصاب بالأنوروكسيا لا يعرف أنه مريض.

تلك النتائج السيئة دعت بعض الجهات الرسمية إلى تنظيم شروط دور عرض الأزياء التي تفرضها على العارضات، وكذلك الدعوة إلى تنويع صورة المرأة في وسائل الإعلام وإعادة الاعتبار إلى الجسم الممتلئ وعدم الاقتصار على صورة المرأة النحيفة والتي أثبتت الدراسات أنها العامل الأساسي في انتشار السعي إلى النحافة مترافقاً ذلك مع عامل الرغبة في مواكبة الموضة التي أصبحت هاجساً أيضاً، تقول وفاء مرعي: لدي هوس النحافة وأنا مولعة بها لأقصى درجة ويترافق هذا بولعي الشديد بالموضة فالجسم النحيف لديه القدرة على مواكبة كل أشكال الموضة التي تتنوع وتتبدل بين يوم وآخر. وهناك حملات صحية للتوعية أشارت إلى مخاطر النحافة الشديدة والوسائل السريعة المتبعة للوصول إليها، حتى أن بعض الدراسات خلصت إلى أن أضرار النحافة الشديدة تفوق أضرار البدانة. وقد دعت تلك النتائج وفشل الوسائل السريعة للتنحيف بكافة أشكالها الكثيرين إلى التعقل في هذا الأمر والوصول إلى النحافة المقبولة بأساليب مقبولة، وهذا ما أشارت إليه مها سابقاً وتتابع: الرياضة جزء أساسي من حياتي اليومية والتقليل من كمية الوجبات مع الحفاظ على تنوعها أوصلاني إلى الوزن الذي يناسبني وأنا راضية به ويرى طلال: إن الأمر يحتاج إلى التعقل وعدم الانجرار الأعمى وراء بهرجة الإعلانات والأفكار التي تسوق من خلالها.

وتقول ليلاس فاضل: أعتبر النحافة صفة أساسية من صفات المرأة العصرية وعاملاً من عوامل نجاحها في الحياة المهنية بما توفره من رشاقة وخفة حتى لو لم تكن طبيعة العمل تتطلب الحركة فرشاقة الجسم تعني أيضاً رشاقة العقل، ولكن لم تصل بي الرغبة في النحافة إلى الهوس، ولا أحب النحافة الشديدة.