للوهلة الأولى عندما تشاهد النحل يتنقل بين زهرة وأخرى بشكل عشوائي، ربما تقول في نفسك، ما هذه الحشرات التي تتحرك وكأنها طائرات من دون طيار مبرمجة بشكل خاطئ؟!. لكن هذا التفسير غير صحيح، فكل حركة طيران واهتزاز تقوم بها هذه المخلوقات التي تتمتع بذكاء خارق مخلوقة بشكل مذهل، ليس هذا فحسب، بل إن هذه الحشرات الصغيرة التي لا يتعدى حجم دماغها بذرة نبات الخردل، لديها شخصيات فريدة من نوعها ويمكنها حل مشكلات معقدة، واتخاذ قرارات هامة، بالإضافة إلى أنها تملك عواطف ومشاعر مشابهة للبشر.
في دراسة أجراها عالم الأحياء كلينت بيري، من جامعة الملكة ماري في لندن، ونشرها في عام 2016 بمجلة «ساينيس»، وجد أن النحل الطنان لديه عواطف وربما يشعر بشيء يشبه السعادة.
ولإثبات هذا درب بيري وزملاؤه النحل على التفريق بين زهرتين واحدة زرقاء وأخرى خضراء وضعتا بجانب وعائين، وضع في الأول مشروب ماء محلى بالسكر بنسبة 30%، أما في الثاني فلم يوضع سوى ماء عادي، وعند استكشاف النحل للزهرتين تعلم في النهاية الربط بين الزهرة الزرقاء وبين وجود مكافأة حلوة المذاق.
ثم وضع الباحثون زهرة ملونة بلون آخر بين الزهرتين، وقبل الاختبار زودت نصف الحشرات بوجبة ماء سكر بتركيز 60%، فوجدوا أن هذه الحشرات انطلقت بسرعة إلى الزهرة ذات اللون المبهم بين الأخضر والأزرق، في حين أن باقي النحل الذي لم يحصل على المحلول السكري حلق ببطء أكثر باتجاه تلك الزهرة.
تشير تجربة بيري إلى أن جرعة السكر دفعت النحل إلى حالة عاطفية إيجابية، فجعلته أكثر تفاؤلًا، بحيث أصبح يتوقع أن تحتوي الزهرة الغامضة على وجبة سكرية.
وهذا ما يبدو مشابهاً لسلوك البشر، فالأطفال حديثي الولادة يكون بكاؤهم أقل إذا ما حصلوا على وجبة خفيفة من الحلوى، كما أن قطعة من الحلوى يمكن أن تحسن المزاج السيء لدى البالغين أيضًا، ويقول بيري: كثيرون منا تتغير نظرتهم لتصبح أكثر تفاؤلًا بعد تناول قطعة من الشكولاته الداكنة.
وكشفت دراسة أجراها الباحث الأسترالي بارون أندرو، من جامعة ماكواري في مدينة سيدني، على سلوك النحل، أن هذه الحشرات يمكنها التصرف بسلوكيات معقدة تشبه تلك التي تتصرف بها حيوانات ذات أدمغة كبيرة، ويستطيع النحل نقل المعلومات إلى باقي أعضاء الخلية، من خلال تحريك مؤخرته بطريقة معينة.
ويرى أندرو أن هذه الحشرات أنانية وتتسم بمركزية الذات فهي لا تهتم بجميع حواسها على قدم المساواة، بل تختار الأكثر أهمية بالنسبة لها في لحظة معينة.
وذكر أندرو في دراسته، أن النحل يحسب المسافة وجودة الرحيق بالرقص، وأن هذه الحشرات تفكر جيداً خلال رحلات بحثها عن الطعام، وتحسب القدر الذي تحتاجه من الطاقة للحصول على عائد معين، بدلاً من الطيران بصورة عشوائية بحثاً عن الرحيق.
ويقول أندرو: إن مخ النحل يتمتع بتركيب بسيط لا يمكن تصديقه، ويبدو أنه يحوي جهاز كالوريمتر (وهو جهاز يستخدم لقياس الطاقة الممتصة أو المنطلقة) أو ساعة إيقاف «ستوب ووتش».
وبحسب الدراسة فإن النحل يمكنه حساب المسافة، وتوصيل المعلومات، مستخدماً لغة الرقص الاهتزازي الخاصة به.
من جانب آخر أجرى الباحث البريطاني أولي لوكولا، وزملاؤه بجامعة الملكة ماري في لندن، اختباراً لدراسة قدرات النحل، وذلك من خلال تدريب عدد من النحلات على دفع كرات بلاستيكية صغيرة نحو حفر صغيرة، وتحفيزها للقيام بذلك من خلال إعطائها شراب محلى بالسكر.
ووجد الباحثون أن النحل استطاع إيجاد ميكانيكية بسيطة لدحرجة الكرات نحو الهدف، واكتشفوا أن بعضهم قام بسلوكيات لم يقم بها من قبل مثل الرجوع بالكرة بشكل خلفي.
وفي اختبار آخر درب لوكولا النحلات على سحب خيط مربوط بحلوى، ووجد بأن هذه الحشرات ذكية جداً، ويمكنها القيام بأي عمل للحصول على مبتغاها.
وفي دراسة أخرى أجراها العالم جوزيف وودجيت، من كلية العلوم الحيوية والكيميائية، بجامعة الملكة ماري في لندن، على المسارات التي يتبعها النحل الطنان وكيفية استكشافهم للبيئة المحيطة بهم أثناء بحثهم عن الطعام، وجد خلالها أن سلوك كل نحلة في بحثها عن الرحيق مختلف عن الأخرى، إلا أنهم يستفيدون من التجارب الفردية لكل منهم، وذلك بمشاركة مصادر الطعام.
ويقول وودجيت: قدمت هذه الدراسة نظرة حول مكان تحليق النحلات، وكيفية تغير سلوكها مع اكتساب الخبرة في معرفة البيئة المحيطة بهم، بالإضافة إلى إيجاد التوازن بين الحاجة إلى استكشاف محيطهم والبحث عن زهور جديدة للحصول على رحيقها.
استطاع وود جيت القيام بهذه الدراسة بعد تعقب عدد من النحلات باستخدام تقنية «الرادار» من خلال ربط سلك إلكتروني بكل نحلة، وفي المجموع، استطاع تسجيل أكثر من 244 رحلة طيران من أربعة نحلات، شملت أكثر من 15000 دقيقة وتغطية مسافة إجمالية بلغت أكثر من 180 كم.
ويقول لارس شيتكا، مساعد الدراسة: سجلنا للمرة الأولى «قصة حياة» نحلة، من يوم ولادتها إلى كفاحها في الحياة وبحثها عن الطعام ومواجهتها للمخاطر، حتى نفوقها بسبب الحيوانات المفترسة، أو توهانها في بيئة بعيدة عن مكانها الأصلي.
يرى العلماء أن النحل حتى لو كان منفرداً يعمل بشكل ذكي، ويمكنه اتباع قواعد معقدة، والتمييز بين نماذج الطبيعة وفصل الألوان والأشكال، وحتى القيام بعمليات رياضية بسيطة.
إذ وجدت دراسة أجراها علماء من نفس الجامعة البريطانية، أن النحل ليس فقط بإمكانه تعلم مهارات معقدة بل وتحسينها أيضاً.
وتمكن الباحثون من اكتشاف هذه المعلومات من خلال تدريب النحل على تحريك كرات صفراء من الحافة إلى المركز، ومكافئتهم بمحلول سكري في حال نجاحهم بالمهمة.
الرقص فوق أقراص العسل
يعرف النحل وخاصة نحل العسل بعمله الجماعي، وبالتالي يمكنه القيام بأعمال رائعة، وتستخدم في عملها لغة تسمى ب«لغة النحل» وتتضمن استخداماتها لسلسلة من الرقصات للتواصل، فعندما تعود النحلات السارحة إلى الخلية بأخبار عن تواجد رحيق أو حبوب لقاح أو ماء، ترقص فوق أقراص العسل بأنماط محددة، وتبعاً لنوع الرقصة، تختلف المعلومات التي تشاركها الشغالة مع أخواتها اللواتي يصبح بإمكانهن الحصول على معلومات دقيقية للغاية عن موقع ونوع الطعام.
وبحسب العلماء هناك نوعان شائعان من رقصات النحل، ما يطلق عليهما الرقصة الدائرية والرقصة الاهتزازية. تعطي الأولى معلومات عن مصدر الغذاء القريب من الخلية (بين80-10ياردات) بينما إذا كان موقع الغذاء على مسافة أبعد من الخلية، تقوم الشغالة بأداء الرقصة الاهتزازية.
وإن شدة الاهتزازات وعددها واتجاه الرقصة والصوت الذي تصدره النحلة كلها عوامل تجعل من النحلة قادرة على مشاركة معلومات دقيقة لدرجة مذهلة عن مكان تواجد الطعام ومصدره، وتتخلل الرقصات وقفات مؤقتة لعرض ما تم جلبه إلى الخلية من غذاء إلى المجندات المحتملات لتذوقه.