يطرح النشر إشكالاً عويصاً لدى النخبة الجديدة من الشباب الإماراتي المفعم بحب الكتابة والإبداع، حيث لا يكاد يجد منفذاً أو خلاصاً لتجاوز هذه العقبة التي تستحيل في بعض الأحيان إلى هاجس مؤرق يرافق هذا الكاتب أو ذاك حينما لا يجد سنداً أو دعماً أو تعاوناً من دور النشر من شأنها تذليل الصعاب وتحفيزه ودعمه وتشجيعه في مستهل مسيرته الإبداعية . مما يحدث عنده حالة من الانكفاء والتراجع وخيبة الأمل والرغبة في الاعتزال في وقت مبكر .

هذه المعضلة يرى فيها البعض توجهاً من دور النشر إلى الأسماء المشهورة والمعروفة في حقل الثقافة المحلية، وميلها التام إليها، لأنها تحقق لها ما تصبو إليه من سمعة طيبة وأرباح مادية، بينما لا تسعف الأسماء الجديدة الناشئة تلك الدور بما تطمح إليه، لذلك تعرض عنها وتحجم عن النشر لها، لأنها قد تتسبب في كساد منشوراتها وتشويه سمعتها بوصفها أسماءً غير معروفة .

إمكانات الكتاب الجدد والمبتدئين في حقل الإبداع لا تخوّل لهم تمويل مشاريعهم الثقافية أو الإنفاق عليها بما يكفل لهم تحقيق حلم النشر، علاوة على ذلك كثيراً ما يقع بعضهم ضحية البنود المجحفة، الذي يفرضها بعض الناشرين عليهم سعياً إلى ضمان حقه المادي بغض النظر عما قد يتسبب فيه ذلك من أضرار مادية ومعنوية تطول الكاتب .

القاص محسن سليمان يرى أن النشر في حد ذاته قد لا يكون عائقاً بالنسبة إلى المبدع الإماراتي اليوم، فهناك الكثير من دور النشر التي ظهرت خلال الآونة الأخيرة، لكن العائق الأكبر يكمن في طبيعة التعامل بين دار النشر والكاتب، الذي تبخسه حقه وجهده، أو بالأحرى لا يجد الكاتب مردوداً مادياً كافياً لقاء عمله ومنجزه، بل أحياناً يلعب صاحب الدار على الوتر الحساس، ويتعلل بكون الكاتب غير معروف وقد لا يلقى كتابه رواجاً كبيراً، وذلك من قبيل التذرع لفرض بنود وشروط مجحفة في حق الكاتب .

ويذهب سليمان إلى أن الكاتب الحق لا يلهث خلف التكسب المادي ولا يسعى إليه، ولكن ذلك لا يعني انتفاء حقه فيما يقدمه من إبداع مرهق ومتعب له، ويتطلب منه جهداً ذهنياً ونفسياً مضاعفاً، وهو أحق بأي مردود مادي من غيره .

ويشير سليمان إلى أن إشكالية النشر تتضاعف أكثر بالنسبة للكاتب المبتدئ، الذي يقع في فخ البنود المجحفة لبعض دور النشر، مستغلة رغبته في النشر وسعيه إلى تقديم عمله بأي طريقة، فتفرض عليه شروطاً تكفل لها الربح الذي تطلبه .

ويؤكد أن صعوبة النشر في بعض الأحيان قد تصيب المبدع الكاتب المبتدئ بحالة من الضغط النفسي وخيبة الأمل وعدم الرغبة في الاستمرار، أما الكاتب المتمرس فلا يعير اهتماماً لتلك الصعوبات لأنه يكتب بمحض إرادته وبمحفزه الداخلي تحدوه رغبة جامحة في إيصال رسالته الثقافية .

وترى الشاعرة الهنوف محمد أن النشر يمثل أكبر عقبة في وجه الكاتب المبتدئ، حيث عانت في بداياتها من هذه الإشكالية مما دفعها إلى النشر على نفقتها الخاصة، وذلك لأن الكاتب المبتدئ غالباً ما يكون غير محبب لدى الناشر .

وتذهب محمد إلى أنه قد أصبحت هناك بدائل جديدة بإمكان الكاتب المبتدئ اللجوء إليها من ضمنها مؤسسات ثقافية رسمية كوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، ودائرة الثقافة والإعلام في الشارقة وغيرهما،حيث تعنيان بالنشر للكاتب الإماراتي وتشجيعه على الإبداع والاستمرار .

وتؤكد محمد ضرورة مساعدة ومساندة الكاتب المبتدئ الجديد لاستكمال مسيرته الإبداعية بخطى واثقة، والتذليل الصعوبات التي تعترض طريقه، والتي من أولها وأهمها على الإطلاق، قضية النشر .

الروائية والقاصة وفاء العميمي ترى أن هناك ضبابية وغموضاً يكتنف في بعض الأحيان المعايير التي تتبناها بعض المؤسسات الثقافية التي تعنى بالنشر للمبدع الإماراتي، وهذا ما يجعل التساؤل عن تقديم كاتب على آخر منطقياً ووارداً، تقول: من خلال تجربتي الشخصية أرى أن النشر يشكل عقبة كبيرة وعائقاً أساسياً أمام الكاتب الإماراتي الجديد وبخاصة غير المعروف أو المشهور على نطاق واسع، لأن الكثير من دور النشر تبحث دائماً عن الكاتب المعروف الذي يضمن لها نشر نتاجه رواجاً أكبر وربحاً أكثر .

وتعتبر العميمي أن تجربة أي كاتب جديد لا بد أن تتخللها بعض العراقيل والصعوبات على صعيد النشر، ما قد يؤدي به، إذا أراد الاستمرار، أن يعمل على النشر على نفقته الخاصة، ويتحمل التكاليف المادية المترتبة على ذلك، مشيرة إلى أن تجربتها مع جهتين ناشرتين دفعتها إلى الاعتماد على نفسها بعد خيبة أملها فيهما .

القاصة صالحة عبيد ترى أن النشر لم يعد يشكل عقبة حقيقية في وجه المبدع وإن كانت البدايات غالباً ما تكون محفوفة بالمخاطر والمطبات، وعلى المبدع أن يستشعر ذلك ويتعامل معه، والأهم من ذلك هو تقديم نتاج ثقافي يتماشى مع المتداول في الساحة وينتظم في عقده، وإن كان كل ذلك لا ينفى حقيقة صعوبة النشر الأول بالنسبة للكاتب المبتدئ .

وتميل عبيد إلى أن الكاتب المبتدئ كثيراً ما يكون شغوفاً بإبراز باكورة عمله في حلة أبهى وأجمل، وهذا يدفعه إلى الحرص أكثر على النشر والمرونة مع الجهة الناشرة وقبول شروطها مهما كانت صعبة ومجحفة .

وتؤكد عبيد أن الواقع الثقافي في الإمارات اليوم يؤسس لثقافة راسخة من شأنها أن تسهم في إفهام المبدع وتعريفه إلى أهم الفوارق بين الموجود من دور النشر في الساحة الثقافية المحلية والعربية، مشيرة إلى أن معارض الكتاب في الدولة تلعب دوراً كبيراً في تحقيق ذلك، ويبقى على المبدع أن يسعى إلى التأقلم مع هذا الواقع والاستفادة منه والترويج لمنجزه الإبداعي .

الروائية مهرة بنت أحمد ترى أن مسيرة معاناة الكاتب الحقيقية تبدأ مع بداية بحثه عن دار نشر تحتضن عمله، وهذا ما واجهته بمرارة أثناء بحثها عن جهة تنشر باكورة أعمالها، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من دور النشر تعمل على استغلال مجهود الكاتب مقابل تحقيق غايتها المادية .

وتذهب بنت أحمد إلى أن الشروط التي تضعها بعض دور النشر يكاد يكون من المستحيل معها التفكير في خوض تجربة النشر مرة أخرى حتى ولو كانت للمبدع رغبة وقدرة على العطاء، لكن ذلك لا يعني أن المشهد قاتم في عمومه، بل هناك جهود تذكر فتشكر لأصحابها ومساع كريمة لتذليل عقبة النشر أمام الكاتب الإماراتي المبتدئ، سواء من مؤسسات ثقافية رسمية أو خاصة .