قال الشيخ الأكبر: أما بعد فإن النصح أولى ما تعامل به رفيقان وتسامر به صديقان، وقلما دامت اليوم صحبة إلا على مداهنة.. وكل انسان يقبل النصح في غيره لا في نفسه إلا من وفقه الله تعالى فحينئذ يلتذ بسماع معايب النفس.. والمؤمن مرآة أخيه.. ولقد قلت في ذلك شعراً:
لما لزمت البحث والتحقيق
لم يتركا لي في الأنام صديقاً
(روح القدس ص 20-19)
فالشيخ قد كتب رسالته إلى صديقه ناصحاً وعارضاً نصيحته بصورة حديث يديره مع نفسه محققاً بذلك معنى المؤمن مرآة أخيه، ومن المؤكد أن الشيخ قد أراد لرسالته أن تكون لأكثر من صديقه مما جعله يستعرض كثيراً من المسائل الدقيقة في طب النفوس والتي قصدت التقرب إلى الله، وحق المؤمن على المؤمن في النصيحة هو خير ما يبدأ فيه لأهمية ذلك في التقرب وتزكية الأنفس والجوارح.
فالحق سبحانه وتعالى يذكر النصيحة والتواصي بالحق والصبر شرطاً من شروط نجاة الانسان من الخسر والعصر، إن الانسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. والرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم يقرر أن الدين النصيحة وأنها لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم، فالأصل في النفس أنها نزاعة إلى الشهوات، فإن لم تكن فإلى الكسل والتراخي، والايمان في عزلة عن الصحبة الصالحة كثيراً ما يضعف ويذبل فتذهب به الريح، من هنا كان لا بد من الجماعة، وكان لا بد من الأخ الصالح الناصح الأمين.
إن من ديدن الايمان الكامل أو الإيمان الساعي إلى الكمال أن يرافقه التواضع وحسن تقدير المرء لنفسه وحرصه على الإفادة من كل ما يساعده على إنجاز خطوة جديدة نحو الفلاح. من هنا كان النصح وحتى النقد قريباً من قلب المؤمن، حتى وصفه الشيخ بأنه من سمر الرفيقين المؤمنين، أما من لم يعمر الايمان قلبه فهو مع علمه بعيوب نفسه لا يرى إلا عيوب الآخرين، ولا يحرص على إصلاح نفسه التي يراها أكبر من كل نقد، ذلك أن النجاة أمر لا يهمه ولا يبحث عنه.
والمؤمن مرآة أخيه يعني أنه يرى فيه نفسه التي يحرص على خلاصها، ولذا تأتي نصيحته لأخيه نصيحة حب وتواضع لا عُلو فيها ولا رياء، فالعيب أو الذنب أمر فطري أو هو عقبة على كل مؤمن أن يجتازها، وإن حدث أن سبق أخ أخاه في اجتياز هذه العقبة فهو من توفيق الله قبل أن يكون من مكاسب النفس، من هنا كان لا بد لهذا المؤمن أن يمد يده لأخيه مساعداً له على اجتياز العقبة، فإن اجتازها الآخر كان هذا مكسباً للاثنين معاً في سلوكهما إلى الله.
يقول الشيخ الأكبر عن المرء الذي وفقه الله أن يقبل النصح في نفسه فحينئذ يلتذ بسماع معايب النفس لا سيما إذا أرسلتها يا أخي في مجالسك مطلقة من غير يقين (ص 20) وهو من الأدب المقبوس من النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم الذي كثيراً ما كان يقدم نصحه بصيغة: ما بال امرئ..، ما بال أقوام.. الخ.
والنصح يجب أن يكون شاملاً لكل عيب أو ذنب أو تقصير، يقول الشيخ الأكبر: فأدى نصحك لها في أمر واحد إلى ارتكاب محظورات كثيرة من الكذب والنفاق (ص 20) والقصد ألا يغفل النصح عيوباً ويشتغل بعيب واحد.
أما المداهنون والمجاملون والمنافقون فهم قوم أقاموا صداقاتهم على غير الله ومحبته، وعلى غير السعي إلى تزكية النفس ونجاتها، فهم يحبون أنفسهم حباً أحمق لا يقبلون أن تُمّس ولو بكلمة، وهم يقبلون ويدبرون حسبما تملي عليهم مصالحهم ونزواتهم وهؤلاء ليسوا موضع حديثنا هنا.