ركّب الله عز وجل الانسان تركيباً عجيباً يدعو للتأمل والاعتبار، فبدأ الله سبحانه خلقه من طين ثم جعل نسله من ماء مهين قال الله تعالى: الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (السجدة: 7 - 8).
ثم أنشأه الله جل وعلا بعد ذلك من اجهزة وأعضاء يحويها جسم تعمل من خلاله وفق آلية دقيقة عجيبة تدعو الى التسليم المطلق بقدرة الخالق وعظمته قال الله عد وجل: يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسؤاك فعدلك في أي صورة ما شاء ركّبك (الانفطار: 6-8).
هذا التركيب العجيب وهذه الاجهزة الدقيقة ليست وحدها مصدر الدهشة والانبهار بقدرة الخالق وما أودعه في الانسان من أسرار، ففي النفس واتصالها بالجسد وما تمثله بالنسبة للإنسان ككائن متميز له قدرة على التفيكر والاختيار ما يأخذ بالألباب الى ساحة لا حدود لها من التأمل والاعتبار، لذلك نجد ان الله عز وجل يلفت الانتباه الى أهمية التفكر في أمر هذا الكائن العجيب الانسان للوقوف على عظمته سبحانه ومن ثم أداء حقه جل وعلا قال الله تعالى: وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون (الذاريات: 20 - 21).
بحوث قاصرة
يستطيع العلماء ان يتكلموا عن تكوين الانسان المادي، لأنه شيء محسوس يمكن لمداركهم أن تتعامل معه، ولكن الأمر الذي يصعب على الفكر البشري أن يسبر اغواره، أو أن يتحدث عنه إلا من خلال آثاره هو: النفس البشرية، ولما كانت النفس البشرية لا تقع تحت دائرة الحواس، ولما كانت تقديرات الباحثين حول هذا الموضوع تخضع لطبيعة ثقافاتهم، وقوة ادراكهم، ولتوجهاتهم الفكرية، وربما أحياناً لأهدافهم، فإن نتائج بحوثهم في هذا الأمر تأتي قاصرة، بل وفي بعض الأحيان مدمرة، ولا أدل على ذلك من ماركس وانجلز اللذين جعلا من الانسان حيواناً يأكل ويشرب ويتناسل، وان القيم توجدها الأوضاع الاقتصادية التي تسود المجتمع، فما يلائم البيئة الزراعية من اخلاق، لا يناسب المجتمع العمالي، فالقيم عندهما يفرضها على الانسان، مسلوب الارادة، الوضع المادي ليس إلا، أما فرويد فقد نظر للإنسان على أنه طاقة بهيمية بحتة، وأخذ يفسر سلوكه على هذا الأساس، بل إنه ارجع كل شيء في حياة الناس الى الجنس. وأنا لست بصدد تتبع المدارس التي عمدت الى التعامل مع الكيان الانساني ومحاولة تحليل سلوكه ومن ثم العمل على توجيهه الوجهة المناسبة، حسب زعمهم، ولكني ذكرت ما ذكرت للتدليل على أن الانسان مهما أوتي من العلم تبقى نظرته لذلك الكيان الانساني الفذ نظرة جزئية قاصرة، وأنه لا يملك الحديث عن هذا الكيان العظيم، وعلى وجه الخصوص النفس الانسانية، إلا الخالق سبحانه وتعالى. ولتتأمل معي كيف دلل القرآن الكريم على النفس الانسانية، ونبه على أهميتها بالنسبة للإنسان حيث لا قيمة للجسد من دونها، وان اتصالها به يتناسب وما أوكل اليه من مهام وذلك في قوله تعالى: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى الى أجل مسمى (الزمر: 42). فقول الله تعالى: الله يتوفى الأنفس حين موتها أي الموتة الكبرى: التي تفارق النفس فيها الجسد ولا تعود به الى عالم الشهادة مرة أخرى. وقول الله تعالى: والتي لم تمت في منامها أي ويتوفى النفس التي لم ينته أجلها، الموتة الصغرى، وهي التي تفارق النفس فيها الجسد بصورة مؤقتة النوم وترجع اليه بعد ذلك شاهدة على قدرة الله سبحانه وتعالى على فعل ما يشاء بعباده، وأن اعادتهم مرة أخرى أمر لا يعجزه سبحانه. ثم تأمل معي قوله تعالى: يتوفى يمسك قضى يرسل لترى أن النفس كائن غير مرئي له اتصال بالجسد على وجه قدرة الله عز وجل، وان المتصرف في هذه النفس والذي يملك الحديث عنها هو الله سبحانه وتعالى، لذلك فإن الله عز وجل يتحدى الدنيا كلها بهذه النفس وسلطانه عليها فيقول: فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب اليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا ان كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين (الواقعة: 83 87)، فالله عز وجل يذكر بالمحتضر حال احتضاره حين يلتف حوله أشياعه ومحبوه وناصروه ينظرون اليه عاجزين عن ارجاع روحه اليه أيا كان عددهم أو إمكاناتهم. فهذه الارواح تنسل من بيننا شاهدة على قدرة الله تعالى وعجزنا.
تعريف النفس
والنفس هي الروح، وأجمع ما وقفت عليه في تعريفها ما جاء في شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي قال: والذي يدل عليه الكتاب والسنة واجماع الصحابة، وأدلة العقل، ان النفس، جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف سارياً في هذه الأعضاء وافادها هذه الآثار من الحس والحركة الارادية وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الاخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل الى عالم الأرواح.
تبدأ صلة النفس بالجسد في الشهر الرابع من الحمل ففي البخاري عن عبدالله بن مسعود، قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال: إن احدكم يجمع في بطن أمه اربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكاً فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد.. وأخذ الصحابة رضوان الله عليهم بظاهر حديث ابن مسعود المذكور، والذي يدل على أن الله تعالى يبعث ملكاً ينفخ الروح النفس في الجنين بعد الشهر الرابع لتسري فيه الحياة معلنة عن خلق جديد يتهيأ للخروج الى الدنيا لأداء دوره فيها.
والنفس من أمر الله تعالى، أمر الملك بأن ينفخها، وقدر اتصالها بالبدن على هذا الوجه، وهو سبحانه الذي منحها خصائصها، واليه عز وجل مرجعها، لذلك فإن أي دراسة لهذه النفس ينبغي أن تكون موصولة بحديث الخالق سبحانه عن النفس ليكتب لها النجاح ويحالفها التوفيق. يقول محمد قطب: (ويدرس العلماء النفس الانسانية في مجالات التأثير المختلفة.. وليس من بينها جميعاً تأثير الارادة الإلهية في حياة الانسان! فمرة يدرس الانسان تحت التأثير الاقتصادي، ومرة يدرس تحت التأثير الاجتماعي ولكنه لا يدرس مرة واحدة متأثرا بقدر الله الذي يقرر مصير كل شيء بما في ذلك مصير الانسان! الانسان في مجموعه. وكل كائن فرد من بني الانسان. وينشأ من ذلك خطأ فاحش، بل جملة اخطاء، فهذه المذاهب والنظريات كلها تغفل من حساباتها توجه النفس البشرية توجهاً فطرياً الى خالقها..).
الفطرة السليمة
يخرج الانسان الى الدنيا بفطرة سليمة موصولة بالله عز وجل، وهذه الصلة تملأ كيانه بمحبة غامرة لله تعالى، وشعور فياض بالعرفان والشكر له سبحانه ومعرفة حقه عليه، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: النبي صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء فهذا الحديث يعتبر أصلا من الأصول المهمة التي يبنى عليها عند دراسة النفس الانسانية. قال ابن عطية في تفسير معنى الفطرة: إنها الخلقة والهيئة في نفس الطفل التي هي معدة مهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه ويؤمن به. فالله عز وجل خلق الانسان ووضع في قلبه أنه خالقه الذي ينبغي ان يعبده ويؤلهه، كما منحه القدرة على التمييز بين ما هو حسن وما هو قبيح، لذا تجده اذا ما خلي بينه وبين فطرته السليمة موحداً عارفاً لله قدره، يستحسن الصدق والشجاعة ونحو ذلك من الاخلاق الحسنة، ويستقبح الكذب والجبن ونحوه من الاخلاق القبيحة، وما ينبغي التنبه له أن هذه المعاني المركوزة في الفطرة تحتاج للعلم والبيان ليستطيع الانسان ان يعبر عنها لذلك كان تذكير الله عز وجل لنا بنعمة العلم والبيان على هذا الوجه قال الله تعالى: خلق الإنسان علمه البيان (الرحمن: 3 - 4).
تأثير البيئة
هذه الفطرة التي خلق الله عز وجل الناس عليها قد يعرض لها ما يغيرها ويحولها عن مسارها الصحيح، ودل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وذكر الأبوين جاء على الغالب من حال الناس، وإلا فإنه قد يقوم بالمهمة نفسها غيرهما، وهذا يرشد الى أهمية البيئة المحيطة بالنشء، وفي قوله صلى الله عليه وسلم يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه اشارة الى امكانية التأثير في النفس وتحويلها، وأن الأصل فيها السلامة من الزيغ والانحراف وهذا ما زاده النبي صلى الله عليه وسلم وضوحاً بقوله: كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء فالبهيمة تولد سليمة الأعضاء فيأتي راعيها فيشق أذنها أو أنفها ظلماً، أو جهلا، أو عن عقيدة باطلة ما انزل الله بها من سلطان. هذه الفطرة السليمة مركوزة في سويداء النفس في القلب تحتاج الى الغذاء، والقلب شأنه كباقي الأعضاء يحتاج لأن يعمل فيما خلق له والا ضمر وكسل عن أداء دوره، لذلك فإن دراسة النفس على وجه صحيح تؤدي الى اطلاق طاقاتها، وتوجيهها الى ما فيه خير الانسان، وخير المجتمع الذي يعيش فيه.
ويبقى الحديث عن النفس حديثاً شائقاً لأنه حديث عن شيء وإن كنت لا تراه فإنك تملك السيطرة عليه، وتشعر بخطورة أثره. وفي الوقت نفسه إن لم تهتم به وتركته للهوى، وعبث المنحرفين عاد عليك بما ينغص عليك حياتك ويسلب منك آخرتك وصدق الشاعر حين قال:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على
حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم.