من العلماء من يعد الروح والنفس شيئاً واحداً لأن النفس ترد في النصوص الشرعية ويراد بها الروح، أحياناً تطلق النفس ويراد بها الروح والجسد معاً . وأقول إن هذا الإطلاق من قبيل المجاز وليس الحقيقة . ونستطيع القول بأن الروح شيء والنفس شيء آخر، مع وجود علاقة وارتباط بينهما على النحو الآتي:
1- إن النفس تموت بقوله عز وجل "كل نفس ذائقة الموت"، (سورة آل عمران الآية 185)، أما الروح فإنها لا تموت لأننا لا ندرك كنهها وبالتالي فإنها تصعد إلى بارئها، أي أن الروح في عالم مجهول بالنسبة لنا .
2- إن النفس تموت مرتين: مرة حين النوم فإذا نام الإنسان قبض الله نفسه ولم يقبض روحه حيث إن النائم يتنفس، وقلبه ينبض . فالنفس يتوفاها الله عز وجل أثناء النوم أي يأخذها . ثم يعيدها حين الاستيقاظ أي تعود لتلتصق به لحظة الاستيقاظ، وتتم العملية الربانية بسرعة فائقة يمكن أن تكون أسرع من الضوء . وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز، وتموت النفس في المرة الثانية حين تفارق الروح الجسد، فيقول الله رب العالمين: "اللهُ يَتَوَفى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمى إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكرُونَ" سورة الزمر الآية 42 . والمراد (حين موتها) أي حين تفارق الروح الجسد .
3- يقول عز وجل على لسان سيدنا عيسى عليه السلام "تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ" سورة المائدة الآية - 116 فلم يقل الله (روحي) بدلاً من (نفسي) للدلالة على أن الروح غير النفس حيث إن النفس هي مدار التكليف والأعمال والأقوال .
4- يقول سبحانه وتعالى: "وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي" سورة الحجر الآية - 92 ولم يقل (من نفسي) للدلالة على أن الروح غير النفس .
5- يقول رب العالمين "فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ"، (سورة فاطر الآية - 32) ولم يقل (لروحه) . للدلالة أيضاً على أن النفس غير الروح .
6- إذا استعرضنا الآيات التي لها علاقة بالقتل نجد أنها مرتبطة بالنفس، ولم تذكر أي آية لها علاقة بالروح فيقول سبحانه وتعالى 00 "وَلَا تَقْتُلُوا النفْسَ التِي حَرمَ اللهُ إِلا بالحق" سورة الأنعام الآية - 151 وسورة الإسراء (الآية 33) وهناك خمسة عشر موضعاً في القرآن الكريم يربط القتل بالنفس، ولا تذكر الروح في هذا المجال حيث إن الروح لا تعرف حقيقتها ولا كنهها فلا يقع عليها القتل وهذا يؤكد أن الروح غير النفس .
وهناك أقوال لعدد من الصحابة والعلماء والمفسرين تميز بين الروح والنفس، وأشير إلى بعض هذه الأقوال:
1- روي عن الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "لكل إنسان نفسان: نفس العقل الذي به التمييز، ونفس الروح التي بها الحياة فإذا نام الإنسان قبض الله تعالى نفسه ولم يقبض روحه . ولا تفارق الروح الجسد إلا عند الموت بأمر الله عز وجل" .
2- قال ابن عبد البر في هذا المجال إن "الله خلق آدم وجعل فيه نفساً وروحاً" .
3- قال الزجاج من علماء اللغة العربية: "لكل إنسان نفسان: نفس التمييز التي تفارقه إذا نام فلا يعقل بها، والأخرى نفس الحياة فإذا زالت زالت معها النفس والنائم يتنفس" .
إن لكل من الروح والنفس موقعاً ومهمة وبينهما تداخل فالإنسان عبارة عن جسد مؤلف من خلايا مادية مكونة من ذرات، ولكن وجود الروح بين هذه الذرات يجعلها حية تعيش وتتحرك وتنمو وتتكاثر . وإن النفس هي التي توجه هذا الجسد بما يحمله من روح، وإن جاز لي أن أشير إلى تشبيه مادي لتوضيح العلاقة بين النفس والروح فأقول: إن السيارة قبل تشغيلها تمثل الجسد، وحين تشغيلها يكون المحرك (الموتور) بمثابة الروح، وبعد استعمال المقود حين السياقة فإن السائق إما أن يقودها إلى بر الأمان، وإما أن يهوي بها إلى واد سحيق، أي قيادة السيارة تمثل النفس، ومع ذلك فإننا لا نتصور وجوداً للنفس إذا فارقت الروح الجسد، فالنفس مرتبطة بالروح فإذا خرجت الروح انتهت النفس وأصبح الجسد مادة ميتة .
اللهم فقّهنا في الدين وعلّمنا التأويل وارزقنا اليقين .
"والله يقول الحق وهو يهدي السبيل"، (سورة الأحزاب-الآية: 4) .

د . عكرمة صبري
* رئيس الهيئة الإسلامية العليا - القدس