من مزايا الشريعة الإسلامية أنها حددت المسؤوليات التي تتعلق بكل فرد متى كان بالغا عاقلا، سواء أكان ذكرا أم أنثى، والدا أم ولدا، رئيساً أم مرؤوساً .

ومتى اكتمل للأسرة وجودها، فإن لكل فرد من أفرادها مركزه في شريعة الإسلام وله حقوقه وسلطاته، وعليه تبعاته ومسؤولياته . ومن أجل ذلك شاع في الفقه الإسلامي اصطلاح النفقات الواجبة، فما هي هذه النفقات التي تجب على الإنسان أبا أو زوجا أو ابنا من الناحية الشرعية ولابد من الوفاء بها حتى تستقيم حياة الآخرين الذين يحتاجون إلى هذه النفقات؟

في البداية يعرفنا الدكتور نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية، مفتي مصر الأسبق بمعنى النفقات الواجبة في نظر الفقهاء فيقول: المقصود بالنفقة الواجبة إخراج الشخص من ماله على سبيل الوجوب ما يكفي لمن تجب عليه نفقته من مأكل ومشرب وملبس ودواء ومسكن وغير ذلك من ضرورات الحياة التي لا غنى عنها للإنسان، فقد أوجب الله تعالى النفقات على الآباء للأبناء، وعلى الأبناء للآباء، وعلى الأزواج للزوجات، وعلى ذوي الأرحام في ما بينهم .

والخلاصة أن النفقات الواجبة هي على كل مسلم لمن هم تحت ولايته ومسؤوليته، وقد شرعها الإسلام لغرس روح التضامن والتكافل والتعاون لا سيما بين أفراد الأسرة الواحدة .

الإنفاق على الأبناء

وتتنوع النفقات الواجبة في الشريعة الإسلامية لتشمل أولا إنفاق الآباء على الأبناء: وهذه النفقة من الآباء على الأولاد جاءت بها شريعة الإسلام على سبيل الإلزام والوجوب لهؤلاء الصغار، لأن رعايتهم وتقديم ما يحتاجون إليه من غذاء وشراب ودواء وغير ذلك من ضرورات الحياة جعلها الله فرضا على الوالدين حتى لا تتعرض حياة هؤلاء الصغار للضياع أو الهلاك .

وقوله سبحانه وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف بيان لما يجب على الآباء نحو الأبناء والمعنى: وعلى الآباء أن يقدموا إلى الوالدات ما يلزمهن ويلزم أولادهن من طعام وكساء، ونفقة على الوجه المستحسن شرعاً وعرفاً، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا فوق قدرتها .

وقوله سبحانه: ولا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده تعليل للأحكام السابقة الموزعة بين الأب والأم التي أساسها رعاية حق هذا الوليد الذي أتى عن طريقهما . والمعنى: لا يحل للوالدين أن يجعلا المولود سببا للنزاع والشقاق في ما بينهما .

وقوله سبحانه: وعلى الوارث مثل ذلك بيان لمن تجب عليه نفقة الصغير عند موت أبيه، أو عند وجوده، ولكنه عاجز عن الإنفاق عليه .

والمعنى: ويجب على الوارث للأب بعد موته كالجد وغيره ما كان يجب على الأب قبل موته . . من النفقة اللازمة لهذا الصغير الذي فقد أباه .

وفي هذه الجملة الكريمة- كما يوضح د . واصل أسمى ألوان الرعاية للصغار، لأنها تلزم ورثة الأب كالجد وغيره الإنفاق على الصغير، كما كان الأب ينفق عليه . وفي ذلك غرس لمعاني التراحم والتكافل بين أبناء الأسرة الواحدة، فالقادر ينفق على العاجز والغني يمد الفقير بحاجته، وبذلك تسعد الأسرة، وتسودها روح الإخاء والمحبة والمودة .

اجتهادات فقهية

لكن: هل الأب مسؤول عن الإنفاق على أبنائه حتى لو كانوا قادرين على الكسب؟

يقول الدكتور محمد رأفت عثمان، أستاذ الشريعة الإسلامية: للفقهاء آراء واجتهادات عديدة في تفاصيل الإنفاق على الأبناء .

فقد قال بعض الفقهاء الأحناف إن نفقة الابن الذكر واجبة على أبيه بشرط أن يكون الولد فقيرا لا مال له، وأن يكون غير بالغ . فإن كان بالغا إلا أنه عاجز عن الكسب أو كان طالب علم فعلى الأب الإنفاق عليه، ولو كان الابن كبيرا .

أما إذا كان بالغا ولم تكن به عاهة تمنعه من الكسب كان عليه أن يعمل ويتكسب وينفق على نفسه ما دام قادرا على ذلك، فإن كان عاطلا من العمل ساعده أبوه حتى يعمل . وكذلك الحال بالنسبة إلى الأنثى، إلا أنها لا تكلف البحث عن العمل كالولد البالغ، وعلى الأب الإنفاق عليها إلى أن تتزوج .

ويرى الفقهاء أيضا أن الأب إذا كان معسرا والأم موسرة فعليها أن تنفق على أولادها الصغار، ويكون ما تنفقه ديناً على الأب . فإذا كان الأب والأم في حالة عسر شديد فنفقة الصغار على الجد وعلى الأقرب فالأقرب؛ حتى لا يتعرض الصغار للضياع .

ويتفق الفقهاء على أن الأم غير ملزمة الإنفاق على أولادها ولكنها ملزمة إرضاعهم فقط، لكن لو كان الأب عاجزا عن الإنفاق وكان لدى الأم مال يحتاج إليه الصغار أنفقته عليهم وكان ديناً على الزوج يلزم سداده عندما يتيسر له الحال .

الوالدان والأقارب

بر الوالدين والإحسان إليهما وتلبية مطالبهما والإنفاق عليهما متى كانا في حاجة إلى ذلك من الواجبات التي أكدها القرآن الكريم، وأمرت بها السنة النبوية المطهرة . فالله سبحانه وتعالى يقول: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا* إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا .

وقد أجمع الفقهاء كما يقول د .رأفت عثمان على أن من الواجبات اللازمة على الأبناء القادرين أن ينفقوا على آبائهم وأمهاتهم متى كانوا في حاجة إلى هذه النفقة .

وقال فقهاء الأحناف: نفقة الآباء والأجداد إذا كانوا فقراء هي على الأولاد الذكور والإناث . فهم يرون أن ترك الإنفاق على الوالدين المحتاجين للنفقة فيه ضرر بالغ يتنافى مع البر بهما والإحسان إليهما . . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد الأبناء: أنت ومالك لأبيك .

وقال فقهاء المالكية: نفقة الوالدين على أولادهم ما دام الوالدان معسرين ولا يقدران على كفاية أنفسهما وكانا عاجزين عن الكسب .

وقال الشافعية: يجب للوالدين على أولادهم النفقة متى كانا معسرين، وكان الأولاد موسرين، ذكورا كانوا أو إناثا .

وقال الحنابلة: تجب النفقة على الولد لوالديه وإن علوا، متى كانوا فقراء ولا مال لهم ولا كسب، وكان الولد عنده ما ينفق منه عليهم .

وألزم الإسلام المسلم الإنفاق على الأقارب متى كانوا في حاجة إلى هذه النفقة وكان الإنسان قادرا على ذلك . فالله سبحانه وتعالى يقول: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا . . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، وقد أجمع الفقهاء على أن نفقة الأقارب في ما بينهم من الأمور الواجبة بحيث ينفق القوي القادر على الفقير العاجز الذي لا يملك ضرورات الحياة . والنفقة تكون من الأقرب فالأقرب من الأصول والفروع، فالأخ القادر ينفق على الآخر العاجز، وابن العم ميسور الحال ينفق على ابن العم الذي لا يملك شيئا، ولا يصح أن يتركه يمد يديه بالسؤال .