الشارقة محمد أبو عرب:

يفتح شعار «نقطة» للدورة السابعة لملتقى الشارقة للخط العربي تساؤلات عميقة حول هذا التكوين الجمالي، وفلسفته في الخط العربي، مشرعاً أمام المشاركين فضاء لا متناهياً للبحث في النقطة كتكوين شعري، وجمالي، وبصري، وفلسفي، ووظيفي، وصولاً إلى النقطة في تصورها المسموع.
لا يمكن قراءة هذه الشكل المتناهي في الصغر، والعميق في فكرته وحضوره، من دون البحث عميقاً في الدلالات التي خاضها في المخيال الإنساني، والتحولات التي مضى فيها ليصبح علامة ترقيم، ومكملاً للشكل الحروفي، وغيرها من الوظائف والعلاقات المتشابكة، فالمعاين لسيرة النقطة يجد أنه أمام سيرة مكثفة، ومختزلة لجملة من المفاهيم الإنسانية والبصرية، والشعورية الواسعة.
ولاستنطاق النقطة ينبغي فتح نافذة الخيال البشري على مصراعيها، والوقوف على مفاصل أساسية في سيرة النقطة.
بدأت حكاية النقطة منذ الوقت الذي وجد إنسان الكهف في الجدار مساحة مشرعة لرسم سيرته، فالخط الذي شكل العنصر الثاني في الشكل البصري المرسوم، كان دليلاً لرصد النقطة ومشوارها، فهو في جوهره سلسلة من النقط المتصلة، ولا يمكن أن يتشكّل من دون النقطة الأم، التي تولد في اللحظة التي يضع فيها إنسان الكهف حجر الكلس على الجدار، وجرّه محدثاً تلك الخطوط التي تصور شكل حياته وتحولاته الحضارية المتنامية.
منذ تلك اللحظة، أنجز الفنان الأول مفهوماً جديداً للنقطة، فصارت دلالات النقطة تنمو إلى الأمام والخلف في الوقت ذاته، أي أنها راحت تشير إلى اللحظة التي سبقت ولادتها على جدران الكهوف، وفي الوقت نفسه تشكل سيرتها قدماً وساقاً على ساق مع مسيرة الإنسان على الأرض.
لم يكن للشكل أن يكون لولا أمّه النقطة، فالخط ابن النقطة، والخط والد الشكل، والشكل فضاء مشرع على التجريب والمِراس البصري المتراكم، للحد الذي وصل إلينا اليوم في العلامات الرقمية الضوئية التي نتناقلها بإشارات إلكترونية.

يدين التكوين، والشكل، وكل عناصر بناء العمل الفني إلى النقطة، بوصفها جذرها الأصيل، ومفتاح قراءتها العميقة، فالقارئ للنقطة في عمقها البصري يجد أنها هي الأخرى تراكم لسلسلة من النقاط المتراصة التي تتحد لتشكل نقطة أماً، ويأخذ التجذير سيرته في ذلك ليصبح البحث قائماً في بنائه على سيرة الكون ذاته، فالنقطة بصرياً هي رديف الذرة وجودياً، ومشوار اتحادها لتكون الشكل، وهي مشوار الخلق الذي مر فيه الكون منذ مليارات السنين.

مقابل هذا الاجتهاد القائم على القراءة البصرية للنقطة وتاريخ حضورها، تفتح الفلسفة بابها الواسع أمام النقطة، لتتحول النقطة إلى مفهوم البداية، والصورة الرمزية للوجود منذ «كن» في المفهوم الإسلامي، والانفجار العظيم في النظرية العلمية، وصولاً إلى مختلف التصورات الميثولوجية التي عرفتها حضارات الكون طوال آلاف السنين الماضية، كالطاوية، والكونفوشيوسية، والزرادشتية، والفودو، والزار الإفريقية، وغيرها.

تشكل النقطة في ذلك علاقة مع المادي والماورائي، والروحي، ليتعدى تصورها في المادة وعلاقتها في الكون وسيرة خلقه، إلى الروحي، وغير المتجسد، فتصبح قابلة للبحث في الفكرة، والأخلاف، والمنظومة الذهنية، والأحلام، والرؤى، وغيرها من الأشكال المنفلتة عن المادة وصورتها، فالكائن والموجود لا يمكن أن يخرج عن قاعدة النشوء المتمثل في البداية، والتكون، والصيرورة، فالبداية حينها حتمية، أي أن مفهوم النقطة حتمي.

ظلت الفلسفات تبحث في هذه المفاهيم منذ أفلاطون حتى اليوم الذي نعيد فيه ما قدمه أينشتاين في قراءته الفلسفية العلمية التي أنتج فيها ما يسمى بنظرية «النتيجة والسبب»، حيث وجد أن كل موجود له مسبب في وجوده، سابق له في النشوء فلا يمكن للمقعد أن يكون لولا الخشب، ولم يكن للخشب أن يكون لولا الشجرة، وهكذا عودة للوصول إلى البذرة، والتراب، والماء، والذرة نتيجة.

إلى ذلك الحد وصلت جذرية النقطة، فتحولها إلى رمزية البداية جعلها أمام سلسلة من الدلالات اللامتناهية، وتحولت من الشكل البصري المتجسد إلى فكرة البدء، والشروع، والوجود.
مقابل هذه الجذرية التي تتوغل فيها النقطة عميقاً لتتعدى مفهوم أصل الشكل، إلى أصل الأشياء، تأخذ النقطة سياقاً مقابلاً مناقضاً لما أنجزته على صعيد البدء، والأصل، فتتحول إلى رمزية النهاية، والختام، مستفيدة بذلك من الدلالات التي أنجزتها في مشوارها الوظيفي داخل اللغة، فما إن تحولت النقطة إلى علامة وقف، وختام للجمل مع عصور الكتابة، حتى صارت رمزاً للنهاية أيضاً، وكأنها تقول أنا البداية والنهاية معاً، ومنّي وإلىّ المنتهى.
ليس ذلك فحسب، فبين هاتين الدلالتين أنتجت النقطة علاقات جمالية، وشعرية، ووظيفية مستندية إلى كل من البداية والنهاية، فالباحث في تاريخ تحوّلها إلى علامة ترقيم يجد أنها صارت تمارس دور الختام والوقف ليس منذ وقت بعيد، فكما يشير الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل في كتابه الصادر عن دار المدى «فن القراءة»: «إن بداية توظيف النقطة كعلامة ترقيم تعود إلى أوائل القرن الخامس عشر، حين استخدمها مترجم الكتاب المقدس سانت جيروم، ثم كتب ألدوس مانتينوس الحفيد الأصغر لأحد أشهر الناشرين في العالم الغربي، محدداً مهمة النقطة كعلامة وقف في كتابه الذي كان كتبه كدليل للناشرين والطابعين في عام 1566».
من هذا الإطار الوظيفي احتلت النقطة مساحة جديدة غاية في الدقة، والحذر، فكم من العبارات والجمل، كان يمكن أن تهدم دلالات سواها لولا النقطة، وكأن النقطة بما تحملته من دور تحولت إلى حاجر يحجب الأفكار عن الأخلاط ببعضها، وتجعل بناء العبارات ممسوكاً، ثابتاً، يصيب ما يريد قوله، ويقف عند حده، ويحجب فرط التأويل، والإجحاف فيه.
لذلك ليس غريباً أن يعرف الكتّاب أهمية النقطة، ويصغوا لصوتها جيداً، فهي تنادى على الكاتب حالما يبدأ معمار الكلام يفيض إلى ما لا يستحسن، وما يثقل العبارة، ويجعل دلالاتها تترهل، وتخسر متانتها، وحسن سبكها، فالكاتب الماهر هو الذي يضع النقطة في الوقت الذي تنادي عليه، فكما يقول الكاتب إيساك بابل: «ما من خنجر يمكن أن يطعن القلب بقوة كما تفعل النقطة الموضوعة في مكانها المناسب».

إلى جانب ذلك تتجلّى النقطة جمالياً في بناء الحروف المكتوبة، إذ تضيف جمالاً وتماساً تكوينياً على الكثير من الحروف المستخدمة في بعض لغات العالم، وتتحمل الدور الأكبر عند الحديث عن حروف اللغة العربية، فمنذ اكتشاف التنقيط على يد أبي الأسود الدؤَلي، والحروف تكون منقوصة المعنى من دون نقاطها، فالحاء، قابلة أن تكون خاء، والثاء معرضة لتتحول إلى باء، وتاء لولا النقاط.

يجد الباحث في حروف لغات العالم بأسره أنها بالمجمل توظّف شكل الحروف العربية، والحروف الإنجليزية مع مراعاة جوانب الحذف والإضافة على الشكل، إلى جانب خصوصية الحرف في بلدان شرق آسيا، بلدان الثقافة الروسية، فلغات مغمورة مثل الإستونية، والباسك، والولزية، وغيرها الكثير من اللغات تستخدم الحروف الإنجليزية، مقابل لغات أخرى مثل البشتونية، والفارسية..

يشكل ذلك إضافة إلى العربية بوصفها اللغة الأكثر استناداً على النقطة، إذ يسمح التكوين الواحد للحرف، بعدد من المعاني، وهذا ما يتجلّى في الخط العربي، فالنقطة تحولت داخل فنون الخط العربي من الجانب الوظيفي إلى الجمالي، لتصبح تكويناً أشبه ما يكون زخرفياً، في تكوينات العبارات المخطوطة.

ليس ذلك فحسب إذ وظّف الخط العربي طاقة النقطة في القياس، وتحولت إلى معيار لمقاييس حروف الخطوط، فالألف في خط الرقعة تعادل ثلاث نقاط من حجم البوص، أو الأداة المستخدمة، وتعادل خمس نقاط في النسخ، وسبع نقاط في الثلث، وهذا يضيف إلى النقطة أبعاداً جديدة تجعل حضورها أكثر تشعباً ودلالة.

لذلك كله يمكن القول إن ملتقى الشارقة للخط العربي باختياره للنقطة شعاراً لدورته الجديدة، وصل إلى مساحة جذرية عميقة في تاريخ الفنون، وفتح نافذة على تلمّس جماليات النقطة، والتقاط دلالاتها العميقة في المخيال الإنساني بصورة عامة.