
لم يكن المسرح بمنأى عن هذه الموجة، بل كان أسرع الفنون في قيادتها، وفي الاستجابة لحاجة الفهم، نتيجة لارتباطه المباشر بالجماهير، وإحساسه العميق بنبضها، وبالحزنِ والحنق اللذين يعتملان في أنفسها، خزنا على الهزيمة وانتكاس الحلم الذي صوّر لتلك الجماهير في لحظة ما أنها قادرة على تحقيقه، وحنقاً على تلك الطبقة المستبدة من الحكام الذين خدعوها بخطاباتهم، وأذلوها بأجهزة أمنهم، وفشلوا في تحقيق طموحاتها، وهكذا ازدهر ما عرف بالمسرح السياسي الاجتماعي، ومن المسرحيات الأولى والمهمة في هذه الحقبة مسرحية (الزجاج) عام ،1968 التي ألفها ميخائيل رومان، وهو أكثر المسرحيين العرب جرأة في مواجهة الواقع الاجتماعي والسياسي في الستينات بمواقف حادة تمثلت في التمرّد والاحتجاج والرفض لكل الممارسات الرامية إلى مصادرة الحرية وممارسة القهر ضد الإنسان .
في مسرحية الزجاج يقدم رومان تشريحاً للمجتمع المصري وللظروف السياسية والاجتماعية التي أدت إلى الهزيمة، فيعري طبقة البرجوازيين الجدد الذين تناموا أثناء حقبة الثورة، وسرقوا دماء الشعب وحرموه حقوقه وكمموا أفواهه، ويبشر رومان بحتمية الثورة على هذه الطبقة، وحتمية أن يأخذ الشعب المستضعف بحقه، ويدافع عن كرامته .
من المسرحيات المهمة في هذه الفترة أيضا مسرحية (المخططين) التي كتبها يوسف إدريس سنة 1969م، وركز فيها على إبراز مساوئ الحكم الاستبدادي الشمولي الذي تنقلب فيه أجهزة النظام إلى بوق لزعيم أوحد، هو الذي يقول، ويفعل، وهو صاحب القرار الذي لا رجعة فيه، ولا اعتراض عليه، وكل الآخرين من حوله حاشية مطيعة، ترهن نفسها لأوامره، ويتتبع يوسف إدريس كيف تسير الحياة في ظل مثل هذه الأحكام الشمولية ليقول بأن الرأي المطلق والحكم الأحادي، وغياب الحرية الفردية، والرأي الآخر هي الأسباب الأساسية التي قادت إلى الهزيمة .
وفي هذا الاتجاه أيضا تصب مسرحيات الغول لبيتر فايس التي أخرجها الدكتور أحمد زكي، ومسرحية البعض يأكلونها ولعة لنبيل بدران، وأنت اللي قتلت الوحش لعلي سالم والدراويش لمصطفى الحلاج والمهرج لمحمد الماغوط ولعبة الحب والثروة، لرياض عصمت .
الشأن الفلسطيني لم يغب عن الموضوع المسرحي رغم أن أحلام تحرير الأرض وتحقيق الوحدة العربية قد انتكست وفقد الكثيرون الأمل بعد أن ذهبت الحرب بالقدس وبقية الأرض الفلسطينية وأجزاء من أراض عربية أخرى، لكنّ الكثير من المسرحيين تشبثوا بالأمل وصوروا بشاعة الاحتلال الإسرائيلي، وبسالة المقاومة، مثل ما فعل سعد الله ونوس في حفلة سمر من أجل 5 حزيران وألفريد فرج في النار والزيتون ويسري الجندي في اليهودي التائه ووا قدساه .
وفي هذه الفترة ومع الانفتاح الذي شهدته المجتمعات العربية وظهور النزعة الاستهلاكية وتغلغل الرأسمالية في المجتمع ظهر ما عرف بالمسرح التجاري الذي يتميز بالتهريج وينزع إلى إضحاك المتفرجين بكل الوسائل، وذلك على حساب الفن المسرحي، ورسالة الوعي التي يحملها كل فن أصيل .
من الناحية الفنية شهد المسرح العربي في ما بعد النكسة اتجاها تأصيلياً يبحث في أصول الظواهر المسرحية العربية، ويسعى لإيجاد شكل مسرحي عربي خالص ينأى به عن التقليد المباشر للظاهرة المسرحية الغربية، وفي هذا الإطار اتجه كتاب ومخرجون مسرحيون عربٌ إلى استغلال أشكال الاحتفال في الفلكلور الشعبي العربي لتأسيس مسرح عربي، فكان أن ظهر مسرح الحكواتي، ومسرح القهوة، ومسرح القرقوز، والمسرح الاحتفالي الديني، وغيرها من الأشكال التي تستفيد من التركة التعبيرية الفنية للمجتمعات العربية القديمة، وكان أبرز من مثل هذا الاتجاه سعد الله ونوس وعز الدين المدني وعبد الكريم برشيد .
كما شهدت هذه الفترة أيضا بداية ظهور اتجاهات مسرحية أخرى مستقاة كلها من الظواهر المسرحية الغربية مثل المسرح العبثي، والمسرح التجريبي أو مسرح ما بعد الدراما، اللذين لا يزال صداهما يتردد في الساحة العربية .