إعداد: أشجان محمود
الإسراف في تناول الطعام من الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى إصابة الجسم بأمراض كثيرة منها السمنة والسكري واعتلال القلب وأشكال مختلفة من السرطان، وتؤدي أيضاً إلى ضعف الثقة بالنفس وعدم الرضا عن شكل الجسم وبالتالي تراجع علاقة الشخص بالمحيطين به، ومن الممكن أن يتطور الأمر ويصل إلى إصابته بحالة نفسية تؤدي إلى النهم - وهي تناوله ما يتراوح ما بين 2000 إلى 3000 سعر حراري في الوجبة الواحدة - أو الشرة المرضي .
وطبقاً لمجلة "فوكس" البريطانية للعلوم والتكنولوجيا، من الضروري تحديد أنواع الطعام التي يتناولها الشخص قبل الوجبة، وشراء العبوات الأقل حجماً، واختيار الأطباق والمغارف الصغيرة، وتناول الطعام ببطء، وعدم التركيز على الأطعمة التي تحتوي على سعرات حرارية عالية مثل الشكولاتة .
ويرجع العلماء أسباب الإسراف في تناول الطعام إلى أنه يحفز مراكز الإحساس بالسعادة الموجودة في المخ، أو الرغبة في التخلص من بقايا الطعام في الطبق، وتركه نظيفاً وهي عادة يرثها بعض الأشخاص عن أجدادهم، الذين كانت حياتهم إما احتفالات أو مجاعة، أو يزيل الإحساس بالتوتر والقلق، وأحياناً يرجع إلى أحد العوامل النفسية وهي الحرمان من الطعام في الطفولة .
حتى يومنا هذا لم يجد العلماء تعريفاً دقيقاً لمفهوم الإسراف في تناول الطعام، وطبقاً للتوصيات البريطانية المعتمدة، من المفروض أن يحصل الرجل على 2500 سعر حراري يومياً، بينما المرأة على ،2000 ويقول علماء النفس أن أفضل تعريف للإسراف في تناول الطعام هو إحساس الشخص أنه أكل كمية أكثر مما ينبغي، وتؤدي إلى أن يشعر بعدها بالنعاس، وهذا الإحساس نتيجة طبيعية للإسراف، ويلعب اختلاف الثقافات دوراً رئيساً أيضاً في تناول الطعام، الأمريكيون يأكلون حتى يشعرون بالامتلاء، بينما اليابانيون يأكلون حتى يصلوا إلى 80% منه .
وترتبط عملية تنظيم الطعام بإشارات هرمونية تمر من المعدة إلى العقل، ويتم تحفيز الشهية عندما تكون المعدة فارغة، فينطلق هرمون "جرينلين" في مجرى الدم، بينما تقلل الأنسجة الدهنية من إنتاج هرموني الليبيتين والأنسولين، وتنتقل هذه الإشارات إلى منطقة الهايبتولاموس، الموجودة في المخ والمسؤولة عن إحساس الجسم بالجوع، وتتوقف عملية الأكل تحت تأثير عدد من الإشارات المتعلقة بالشعور بالامتلاء، ويتم إرسال إشارة بواسطة العصب المبهم من خلال نهايات متعددة له في جدار المعدة، وتنتقل الإشارة إلى الخلايا العصبية في النخاع الموجود عند قاعدة المخ، مما يعطي إشارة بالتوقف عن الطعام، وإذا تناول الشخص الطعام ببطء فإن إشارة الشعور بالامتلاء تكون أقوى وأثقل مما إذا التهم الشخص الطعام بشكل سريع، أو دخل في دردشة أثناء تناول الطعام .
وتؤدي رائحة الطعام ومذاقه الطيب وشكله المثير إلى الإحساس بالسعادة، وعندها ينطلق هرمون الدوبامين في المخ الذي يحفز الجسم على استطعام بعض الأنواع، ويؤثر الهرمون في أحاسيس وسلوك الشحص، وهناك ثلاثة عوامل رئيسة تؤدي إلى استساغة الطعام وهي الدهون والملح والسكريات، فالدهون كانت تمد الأجداد بمخزون يكفيهم لتلبية النقص في الطعام خلال موسم الشتاء، والملح يساعدهم على تجنب الجفاف والاحتفاظ بالماء في الجسم، والسكر كان الطريقة المثلى لتمييز الحلوى والفواكه عن الطعام اللاذع، وفي الوقت الحالي عادت هذه الأطعمة للظهور مرة أخرى على هيئة البسكويت والشيبسي والكاندي والكيك .
والاستمتاع بالأكل يرجع إلى وجود مادة الدوبامين المحفزة في الدماغ، وهي المادة نفسها المسؤولة عن إدمان الكحوليات، والتبغ، ولذلك يوجد بعض الأشخاص يدمنون تناول الطعام وخاصة الذي يحتوي على نسب عالية من السكريات والأملاح، ومن الضروري أن يخطط الإنسان ويحدد الأطعمة التي يريد تناولها قبل البدء في الوجبة، فذلك يحفز إشارات الشبع التي تتولد أثناء تناوله الوجبة .
ويعتقد بعض الأشخاص خطأ أن زيادة السعرات الحرارية في الطعام لها علاقة وطيدة بالشعور بالامتلاء والشبع، فتناول البطاطا وهي لا تحتوي على سعرات حرارية عالية يؤدي إلى الإحساس بالشبع بينما الشوكولاتة لا تؤدي إلى الشعور نفسه، ويعتقد خطأ أيضاً أن الأطعمة التي تمد الجسم بكميات كبيرة من الطاقة مثل الشوكولاتة لا توصل الجسم سريعاً إلى حالة الإحساس بالجوع، ولكن الرأي الصحيح هو أن الإحساس بالشبع الكامل يعتمد على كمية الطعام التي يتناولها الفرد، شريطة أن تكون كمية الطعام كبيرة وتحتوي على أنواع قليلة من التي تزود الجسم بالطاقة، فذلك أجدر أن يحقق حالة الشبع الكامل .
ويرجع علماء النفس الأسباب التي تزيد من الإسراف في تناول الطعام إلى لجوء الشركات والمصانع إلى تعبئتها في عبوات كبيرة جداً، وظهرت في الأسواق مؤخراً عبوات ذات الأحجام الجامبو والسوبر، والهدف من وراء ذلك اشعال المنافسة بين الزبائن لأن زيادة حجم العبوة يقلل من ثمنها وزاد الطين بلة، اتجاه مطاعم الوجبات الجاهزة والبيتزا والآيس كريم إلى اتباع النهج نفسه في بيع منتجات ذات أحجام كبيرة .
وفي تجربة عن مدى تأثير الأحجام الكبيرة في زيادة الإسراف في تناول الطعام، تم إعطاء بعض الأشخاص خلال وجودهم في حفلة وأثناء تناولهم الآيس كريم أطباق كبيرة ومغارف ذات أحجام كبيرة وطلب منهم أن يخدموا أنفسهم، ووجد أنهم قاموا بوضع كميات من الآيس كريم تزيد بنسبة 53% عن الآخرين الذين تم اعطائهم أطباق ومغارف أصغر حجماً، ونفس الشيء أيضاً عند تنوع الأطباق المقدمة، فنجد الأشخاص يتناولون كميات أكبر، حيث تزيد عندهم الرغبة في تذوق أكبر عدد ممكن من هذه الأطباق .
ويوضح جون دي كاسترو البروفيسور المتخصص في علم النفس بجامعة جورجيا ستيت يونيفر سيتي بالولايات المتحدة أن الأشخاص يأكلون 35% زيادةخلال الوجبة إذا كانوا يشاركون شخصاً آخر الطعام، ويأكلون ضعف وجبتهم إذا كانوا يشاركون مجموعة مكونة من سبعة أشخاص أو أكثر الطعام، ويعلل ذلك بأن الدردشة أثناء تناول الطعام لا تجعل الشخص ينتبه إلى الكمية التي يتناولها .
وأشار أيضاً إلى أن تناول الطعام بشكل سريع يؤدي أيضاً إلى الإفراط في استهلاك كمية كبيرة منه، وتشير الدراسات إلى أن الجسم يستغرق 20 دقيقة حتى يمثل للإشارات التي يرسلها المخ عن إحساسه بالشبع، وهذا الوقت يكون كافياً كي يتناول الشخص شريحة أخرى من البيتزا، أو يرجع مرة أخرى لملء الطبق من البوفيه المفتوح .
وهناك نصائح عدة يتم توجيهها للأشخاص للحد من الإسراف في تناول الطعام منها، إذا كان الشخص يأكل أثناء الدردشة مع أحد الأصدقاء فيجب عليه ألا يضع أكثر من قطعتين من الطعام في طبقه في كل مرة يذهب فيها إلى البوفيه، وعليه أيضاً شراء عبوات الطعام ذات الكميات الأقل عند ذهابه للتسوق، وإذا كان يتناول الطعام في أحد المطاعم خارج الممنزل فليس هناك أي حرج في مشاركة من معه في تناول قطعة الحلوى أو البيتزا، والتركيز والبطء في تناول الطعام .
ومقولة "يجب ترك الطبق نظيفاً، أو التهام كل محتوياته بشكل كامل" والتي تحرص عليها بعض الأمهات وتعودها للأبناء، فهذه من المحتمل أنها كانت صحيحة في عصور المجاعات والحروب من أجل الطعام، لكنها أبداً لا يجب تطبيقها في القرن الواحد والعشرين .