عندما اشتد الأذى بالمسلمين في مكة أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى يثرب ففعل الكثير منهم، ومازال المسلمون يهاجرون من مكة حتى لم يبق بها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق وعلى بن أبي طالب، وبعض المستضعفين من المسلمين الذين لم يتمكنوا من الهجرة .

يذكر الدكتور أمين دويدار في كتاب صور في حياة الرسول أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كلما أراد الهجرة كان يرد عليه الرسول لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً وبعد هذا أدرك أبو بكر الصديق أن الرسول ينوي الهجرة، فقام بشراء راحلتين وأخذ يعدهما لهذه الهجرة .

وقد توجست قريش خيفة من هجرة الرسول إلى يثرب بعد أن كثر عدد أصحابه فيها، وحاولت قريش القيام بعمل يقضي على رغبة الرسول في الهجرة حتى لا يثير عليهم القبائل، واجتمعوا في دار الندوة يتدارسون هذا الأمر واتفقوا على قتل الرسول قبل أن يهاجر، وما زالوا يدبرون ويتبادلون الرأي في ما بينهم حتى اتفقوا على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شجاعاً ثم يذهبوا إليه فيضربوه بسيوفهم ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل ولا يستطيع بنو هاشم أن يقاتلوا العرب جميعا فيرضون بالدية .

وهكذا دبروا الخطة واتفقوا على أن ينفذوها ليلاً، ولكن الله عز وجل كان له ترتيب فوق ترتيبهم ويد فوق أيديهم، فقد أوحى الله إلى رسوله بما دبروا له من كيد، وأذن الله عز وجل له بالهجرة، وبدا الرسول يدبر خطة الخروج على ألا يتسرب أمرها إلى قريش، وطلب الرسول من علي بن أبي طالب أن يبيت على فراشه تلك الليلة وأخبره بما كان، وأمره أن يظل بمكة حتى يؤدي ما عنده من الودائع إلى أصحابها، ثم ذهب الرسول لبيت أبي بكر وأخبره بأن الله قد أذن له بالهجرة وسيتخذه صاحباً له في هجرته .

وفي تلك الليلة كان فتيان قريش يحاصرون بيت النبي ليقتلوه عند خروجه لكنه خرج سالماً بأمر الله ولم يلاحظوا خروجه، وبات علي بن أبي طالب في فراش النبي وتغطي ببرده الأخضر وكلما نظر كفار قريش من الباب ظنوا أنه الرسول، وعندما اكتشفوا أنه علي بن أبي طالب جن جنون القوم وعرفوا أن النبي ذهب إلى أبي بكر فتوجهوا إليه وخرجت لهم أسماء بنت أبي بكر وضربها أبو جهل عندما رفضت أن تدلهم على مكان الرسول وصاحبه .

وسار الرسول مع صاحبه في الصحراء حتى غار ثور على بعد ثلاثة أميال من مكة، وكان عبد الله بن أبي بكر يقص على الرسول أخبار قريش، وعامر بن فهيرة كان يرعي غنم أبي بكر ويذهب بها في الصحراء حتى تزيل مواضع قدم عبد الله بن أبي بكر عندما يعود إلى مكة .

ويذكر الدكتور محمد الدسوقي في كتاب أيام في حياة الرسول أنه عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار ورغم ما كان في هذه الرحلة العصيبة من مخاوف إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مطمئن الخاطر تغمره السكينة والطمأنينة ولديه اليقين بأن الله يرعاه ويحوطه وأن قريشاً لن تنال منه منالاً، وعندما وصل أبو جهل ومن معه من كفار مكة إلى غار ثور وسمع أبو بكر دبيب أقدامهم، اشتد خوفه على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وبكى، وقال يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا فرد عليه الرسول الكريم قائلاً: لا تحزن إن الله معنا، ما ظنك باثنين الله ثالثهما، ويئست قريش من العثور على النبي بعد أن أرسلت رجالها في كل مكان يتلمسون أخبار الرسول ولكنهم فشلوا، وبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يكمل رحلته إلى يثرب وكانت أسماء بنت أبي بكر قد أتتهما بطعام يعينهما على السفر وشقت نطاقها نصفين حتى تضع الطعام فسماها الرسول ذات النطاقين .

وانطلق ركب الرسول وصاحبه ومعهما عبدالله بن أريقط الدليل الذي كان يعرف مسالك الصحراء، وحين أخذ الركب وجهته إلى المدينة نظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة نظرة وداع وقال قولته الشهيرة والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله وأحب بلاد الله إلى نفسي ولو أن أهلك لم يخرجوني منك ما خرجت، وطلب الرسول من الدليل أن يتحرى مواضع الأمان فسلك طرقاً غير مألوفة .

وقد رصدت قريش مئة ناقة لمن يأتيها بالرسول فأغري ذلك ذوي المطامع، وكان منهم سراقة بن مالك فتتبع الرسول حتى قرب من الركب لكن قدم خيله غرست في الرمال أكثر من مرة ولم يستطع أن ينال من الرسول، وانطلق الركب يسير إلى غايته والرسول وصاحبه صابران على حر الصحراء وقيظها الملتهب .

وفي طريقهما وجدوا سيدة أعرابية، هي أم معبد الخزاعية وكانت تطعم وتسقي من يمر بها، وكان هذا العام عام جدب ولم يجدا عندها غير شاة ضعيفة هزيلة، فقال لها الرسول: هل تأذنين لي أن أحلبها، قالت نعم، فمسح الرسول الشاة وقال: اللهم بارك لها في شاتها، وطلب الرسول إناء فحلب فيه وسقى أم معبد وصاحبه وشرب الرسول، وحلب الشاة مرة ثانية، وعندما حضر زوجها وقصت عليه ما حدث قال لها: والله إنه لرسول الله الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر ولو كنت وافقته لصحبته ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً، وبعد ذلك قرب ركب الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة المنورة .