هاجر المسلمون إلى الحبشة مرتين، كانت الأولى في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، وكانت قد تجمعت عند النبي صلى الله عليه وسلم أسباب الهجرة إلى الحبشة، فكان لابد أن يجري التفكير في الخروج من الحالة التي تجمد عليها المشهد في مكة، حيث البلاء قد اشتد على المسلمين جميعاً، وجعل الكفار يحبسونهم ويعذبونهم، وكانت آفاق الدعوة تبدو مسدودة.

وكانت الحبشة هي الخيار الوحيد المتاح آنذاك، فقد كانت بلداً قوياً في المنطقة، وعليها ملك عظيم، وكانت قريش تعظم ملكها كثيراً، وكان بينهم وبينه سفارات ومراسلات وهدايا، وكان حاكمها عادلاً، وكان أهلها أهل كتاب، من النصارى، كما أن بعد الحبشة عن مكة يوفر جانباً كبيراً من الأمن للمهاجرين، بعيداً عن بطش أهل الباطل في مكة وما حولها من الأماكن التي يمتد إليها نفوذهم، ما يجعلها قاعدة آمنة للعقيدة.

هدف الهجرة

اختار النبي صلى الله عليه وسلم الحبشة، واختار من يهاجر إليها من صحابته، وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل لكم فرجا مما أنتم فيه)، فخرج أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، بين راكب وماش على الأقدام باتجاه البحر، وكانت أول هجرة في الإسلام.

كان الهدف هو تشكيل قاعدة آمنة للعقيدة تتحقق فيها حرية الدعوة من ناحية، وحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة من ناحية ثانية، ولم يكن الهدف بحال من الأحوال مجرد حماية المهاجرين إليها، وتجنيبهم الإيذاء الذي وقع عليهم من قريش في مكة، وإلا لهاجر الموالي والمستضعفون من المسلمين الذين كانوا يعانون الاضطهاد والتعذيب والفتنة، والذي يطالع الأسماء التي أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة يجد على رأس القائمة أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وقد شرع في الهجرة فعلاً حتى بلغ برك الغماد، وهو موقع على خمس ليال من مكة باتجاه اليمن، ولقيه ابن الدغنة، وهو سيد القارة، وهم حلفاء بني زهرة من قريش، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟، فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي، قال ابن الدغنة، إن مثلك لا يخرج ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلادك، فرجع أبو بكر مع ابن الدغنة الذي أعلن في قريش جواره له، فوافقت قريش على أن يعبد أبو بكر ربه في داره، فمضى وقت على ذلك ثم أخذ أبو بكر يجهر بقراءة القرآن في فناء داره، فيجتمع نساء وأبناء المشركين يعجبون وينظرون إليه، وكان رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك قريشاً، وطلبوا من ابن الدغنة أن يكفه، فخيره ابن الدغنة بين الإسرار بعبادته، أو أن يرد عليه جواره، فرد أبو بكر عليه جواره قائلاً: إني أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار الله، وبقي أبو بكر إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أذى المشركين بعد أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذن له بالهجرة إلى الحبشة. ولن نجد في قائمة الأسماء الذين هاجروا أحداً من الموالي الذين نالهم أذى قريش وتعذيبها أكثر من غيرهم، كبلال، وخباب، وعمار رضي الله عنهم، بل نجد غالبيتهم من ذوي النسب والمكانة في قريش، ويمثلون عدداً من القبائل.

صحيح أن الأذى شمل ذوي النسب والمكانة كما طال غيرهم، ولكنه كان أشد على الموالي في بيئة تقيم وزناً للقبيلة وترعى النسب، وبالتالي فلو كان الفرار من الأذى وحده، هو السبب في الهجرة، لكان هؤلاء الموالي المعذبون أحق بالهجرة من غيرهم.

أحداث جسام

أخرج الرسول صلى الله عليه وسلم من كل قبيلة رجلاً، من بيوتات الشرف والمكانة والمنعة في مكة، الأمر الذي يصعب على مشركي قريش التجمع ضد قبيلة معينة، فاختار عثمان بن عفان من بني أمية، وعبدالرحمن بن عوف من بني زهرة، والزبير بن العوام من بني أسد، وأبا سلمة بن عبد الأسد من بني مخزوم، وأبا حذيفة بن عتبة من بني عبد شمس، ومصعب بن عمير من بني عبد الدار، وعثمان بن مظعون من بني جمح، وجعفر بن أبي طالب، وابنة النبي رقية زوجة عثمان من بني هاشم، وهكذا.

كانت التركيبة القبلية للمهاجرين عاملاً من عوامل الحفاظ على حياة المسلمين المهاجرين، فلا تستطيع مكة أن تقتلهم إن هي لحقت بهم قبل أن يتمكنوا من الفرار بدينهم إلى حيث وجههم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا هي تستطيع أن تكيد لهم عند ملك الحبشة، بالقول إنهم عبيد آبقون، هاربون من أسيادهم، كما أن توزيع المهاجرين على غير قبيلة يجعل منهم صورة مصغرة لقبائل قريش أمام النجاشي ملك الحبشة، ما يعطيهم قوة ومنعة واحتراماً.

لم يكن الهدف حماية أرواح بعض المسلمين، وإلا لكان الأولى أن يهاجر الضعفاء، بل أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل للدعوة محضناً آخر خارج مكة، حتى إذا استؤصل الدعاة من مكة، تكون طائفة أخرى لا تزال في مكان آمن يضمن استمرار الدعوة، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتخذ قرار الهجرة، رأى أن من الحكمة أن يكون للدعوة غير مركز، وغير مكان، ولم يعد المهاجرون من الحبشة إلا بعد زوال خطر استئصال الدعوة، وقد مكث المهاجرون في الحبشة طيلة اثنتي عشرة سنة كاملة، ولم يرجعوا إلا بعد غزوة خيبر، وهي فترة شهدت الكثير من الأحداث الجسام، بدأت بالهجرة إلى المدينة، ثم غزوة بدر، التي لم يتجاوز عدد المهاجرين المشاركين بها عدد المهاجرين إلى الحبشة، ولم يطلب منهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعوا، ولم يرسل النبي في طلبهم إلا في العام السابع من الهجرة، بعد فتح خيبر، واستقرار الأمر للمسلمين في المدينة، وبمجرد وصولهم المدينة علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح خيبر (على بعد حوالي مائة كيلومتر من المدينة)، فتوجهوا مباشرة إلى أرض المعركة، للمشاركة في الغزو، ووجدوها قد فتحت، وقد سر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا وقال: والله ما أدري بأيهما أفرح؟، وفي رواية: بأيهما أسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ ثم قسم لهم من غنائم خيبر كنصيب المشاركين فيها.

مكة تسجد

كانت الهجرة إلى الحبشة إذن بهدف إنشاء مركز جديد للدعوة، يضمن لها الاستمرارية والبقاء، وكانت وسيلة جديدة في مواجهة أساليب البطش في أرض مكة، وقد خرج المهاجرون متسللين سراً حتى أتوا الشعيبية، منهم الراكب ومنهم الماشي، ووفق الله للمسلمين حيث وجدوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما بنصف دينار، فلما خرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر، حيث ركبوا، كانوا قد انطلقوا آمنين، فلم يدركوا منهم أحداً.

ولم يمكث المهاجرون ثلاثة أشهر حتى استجد تغير كبير على حياة المسلمين في مكة، حيث نشأت ظروف لم تكن موجودة، جعلت المشركين يفكرون من جديد في كيفية التعامل مع المسلمين، فقد أسلم في تلك الفترة حمزة بن عبدالمطلب، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع وأن عمه سيمنعه ويحميه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.

ثم أسلم عمر بن الخطاب فكان إسلام الرجلين العظيمين عزةً للمسلمين وقهراً للمشركين وتشجيعاً لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على المجاهرة بعقيدتهم، قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحاً، وإن هجرته كانت نصراً، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه.

وحدث في الفترة نفسها أن النبي صلى الله عليه وسلم وفي محفل في البيت الحرام يضم مسلمين ومشركين، قرأ عليهم سورة النجم كاملة، وقد علا بها صوت النبي حتى سمعه كل من كان حاضرا: (والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى. علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى). ثم نزلت الآيات كالقوارع تطير لها القلوب، وخرست الألسنة، وتسمرت الأقدام، وتعلقت الآذان بصوت النبي صلى الله عليه وسلم يهدر بها ويرعد بنذرها حتى وصل إلى آية السجدة: (وأنه أهلك عاداً الأولى. وثمود فما أبقى. وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى. والمؤتفكة أهوى. فغشاها ما غشى. فبأي آلاء ربك تتمارى. هذا نذير من النذر الأولى. أزفت الآزفة. ليس لها من دون الله كاشفة. أفمن هذا الحديث تعجبون. وتضحكون ولا تبكون. وأنتم سامدون. فاسجدوا لله واعبدوا).

وسجد النبي، وسجد المؤمنون معه، وسجد المشركون أيضاً، لم يتمالكوا أن يخروا لله ساجدين، ووصلت الأنباء إلى الحبشة، بإسلام حمزة وعمر وسجود المشركين، وظنوا أن قريشاً لانت للمسلمين وللإسلام، فرجع المهاجرون إلى مكة في شوال من السنة نفسها، فلما كانوا دون مكة ساعة من نهار وعرفوا جلية الأمر رجع منهم من رجع إلى الحبشة، ولم يدخل في مكة من سائرهم أحد إلا مستخفياً، أو في جوار رجل من قريش.

دخل عثمان بن عفان رضي الله عنه وزوجته السيدة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حماية قبيلته القوية، ودخل عثمان بن مظعون رضي الله عنه، بجوار من الوليد بن المغيرة، ولما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء وهو يغدو ويروح في أمان، مشى إلى الوليد فقال: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك وقد رددت إليك جوارك، قال: لم يا ابن أخي، لعله آذاك أحد من قومي؟، قال: لا ولكني أرضى بجوار الله عز وجل، ولا أريد أن أستجير بغيره.

وعاد كثير ممن رجعوا من الحبشة إلى حيث كانوا، وزادت عليهم أعداد وأسماء جديدة فكانت الهجرة الثانية.