أ .د . قصي الحسين
في العام 615م اشتد أذى قريش للمسلمين من أجل صرفهم عن دينهم، فأشار النبي عليه الصلاة والسلام بالهجرة إلى الحبشة . وهي أول هجرة في الإسلام . وقد تمت على دفعتين: في الأولى هاجر أحد عشر رجلاً وأربع نسوة من ميناء الشعيبية، منهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت النبي والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم ثم عادوا، بعد أن بلغهم أن قريشاً كفت عن أذى المسلمين . ثم كانت الهجرة الثانية إلى الحبشة نفسها في اثنين وثمانين رجلاً عدا النساء والأطفال وكان بينهم جعفر بن أبي طالب وزوجته أسماء بنت عميس وعمرو بن سعيد بن العاص وزوجته فاطمة بنت صفوان بن أمية، وعبد اللّه بن جحش وأم حبيبة بنت أبي سفيان، رضي الله عنهم، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً إلى النجاشي، بعد الهجرة الثانية دعاه فيه إلى الإسلام بدأها بقوله: "بسم اللّه الرحمن الرحيم: من محمد رسول اللّه إلى النجاشي ملك الحبشة . وتعتبر الهجرة إلى الحبشة أول هجرة في الإسلام" .
وفي العام 617م طلب أهل قريش من بني هاشم التخلي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقاطعوا المسلمين وكتبوا ذلك في صحيفة علقت داخل الكعبة . فاحتمى النبي والمسلمون من أذاهم في شعب بظاهر مكة المكرمة . وعندما عادت قريش عن غيها، رجع النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون من الشعب في الجبال إلى مكة وظلت قريش على عداوتها للمسلمين . حتى كان العام 619 م، فأسرى اللّه بنبيه إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء تخفيفاً عليه . يقول تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير"، (الإسراء: 1) .
بيعتا العقبة
وبوفاة عمه أبو طالب في شوال 619 م أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، أن قريشاً خذلته، فأخذ يبحث عن مكان للدعوة، ففكر في الطائف . وقد خرج وحده في 27 شوال 619 ه ومعه مولاه زيد بن حارثة . ولم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم أن يستميل إليه أحداً من أهل الطائف فعاد إلى مكة في 23 ذي القعدة 619 م . وأدرك أن مكة والطائف لا تصلحان مقراً للدعوة، بسبب إعراض قريش وثقيف عنه، ففكر في الهجرة إلى يثرب .
وفي العام 621 م التقى النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة بستة رجال من الخزرج المقيمين بيثرب، فأجابوه إلى الدعوة وأسلموا على يديه، فكانت بيعة العقبة الأولى . وفي العام 622م، التقى نحو ثلاثمئة من أهل يثرب في موسم، فاتفق على اللقاء معهم عند أسفل العقبة في أوسط أيام التشريق بعد الفراغ من الحج . فكانت بيعة العقبة الثانية، حيث تعهد هؤلاء وكانوا من الأوس والخزرج بالحماية . وتكتم النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الحلف، حتى يأذن اللّه تعالى بالهجرة إلى يثرب . وقال أحد نقبائهم: "بايعنا رسول اللّه بيعة الحرب" .
وفي العشر الأول من ربيع الأول 622م أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بمكة أن يلحقوا إخوانهم الأنصار بيثرب، على أن يهاجروا إليها فرادى أو في نفر قليل . فخرج إليها عمر بن الخطاب وأخوه زيد رضي الله عنهما . وبقي النبي صلى الله عليه وسلم مقيماً في مكة المكرمة ينتظر الإذن من اللّه تعالى بالهجرة ولم يبق معه إلاّ علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما .
وفي الأول من ربيع الأول 622م خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر إلى غار ثور في جبل جنوب مكة، ولم يعلم بمخبئهما غير عبدالله بن أبي بكر وأختيه عائشة وأسماء . وفي ذلك يقول تعالى: "إلاّ تنصروه فقد نصره اللّه . إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار . إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن اللّه معنا"، (التوبة: 40) .
منعطف تاريخي
بعد ثلاثة أيام في غار ثور سلك بهما الدليل عبدالله بن أريقط طريقاً غير مالوفة إلى يثرب محاذية للبحر الأحمر باتجاه تهامة . أما أهل يثرب فكانوا يتجمعون كل يوم في ظاهر المدينة لاستقبال النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، حتى كان اللقاء المشهود، وكان أول ما نزل بقباء، فأسس مسجدها الأول في الإسلام . ثم ارتحل عنها يوم الجمعة على ناقته القصواء، فصلى في وادي "رانوناء"، فكانت أول جمعة صلاها بالمسلمين في يثرب، ذات خطبة وإعلان بموعظة لأن قريشاً كانت تمنعه من ذلك . ثم انطلقت به القصواء والمسلمون يمشون حولها، وكان الموكب يمر بسادات يثرب فيعرضون عليه النزول ويمسكون بناقته . وكان عليه الصلاة والسلام يعتذر منهم بلطف وأدب ويقول: "خلوا سبيلها فإنها مأمورة"، حتى بركت في مربد غلامين يتيمين من بني مالك بن النجار، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبني مكانه مسجده وداره، فكانا مقر الدعوة .
عمل النبي الأكرم في بناء المسجد بيديه، وشاركه المسلمون من المهاجرين والأنصار في بنائه وهم يرددون: "اللهم إنه لا خير إلاّ خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة"، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم طوال فترة البناء في دار أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري . وارتفع المسجد بفناء فسيح، وبنيت جدرانه الأربعة من الآجر والتراب . وسقف جزء منه بسعف النخل وترك الآخر مكشوفاً . وحوى ثلاثة أبواب: باب (عاتكة) وباب المؤخرة، وباب ليدخل منه النبي، صلى الله عليه وسلم، وقد وجهت قبلته نحو بيت المقدس ل 16 أو 17 شهراً . وفي رجب أو شعبان، نزل قوله تعالى: "قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره"، (البقرة: 144) فتحولت القبلة . وفي السنة نفسها أيضاً فرض اللّه الصيام في شهر رمضان . ولا يزال هذا المسجد يعرف حتى اليوم بمسجد القبلتين .
ثم اتخذ المسجد النبوي الشريف في قلب المدينة وحوّله المهاجرون والأنصار مركزاً دينياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتخذه لقيادة المسلمين