هذا ما سنتحدث عنه في حلقات من خلال دراسات وتفاسير وآراء لعدد من علماء علوم القرآن.
«وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين».. (النمل: 20-21).
تصور لنا سورة النمل في سرد معجز مشهداً للنبي سليمان -عليه السلام- وهو يتفقد جنود مملكته من الإنس والطير والجن، ولكن كيف كانت وسيلة التلاقي بينهم والحوار والتفاهم؟! ربما نجد بعض الإجابات في هذا المشهد الذي تحكيه الآية. يقول المفسرون: «كان في القصة إيجاز وحذف، لكن هذا لم يمنع وضوح المعنى، فالمفروض أن الهدهد له دور في هذا الجيش الكبير عليه أن يؤديه، وكونه غائباً فذلك إما لسبب عظيم أو إهمال ولذلك اشترط النبي لعقابه أن يأتي بشيء عظيم أو يذبح، لكن بعض هذه المشاهد حذف مع بقاء المعنى واضحاً».
إن قصة سليمان نموذج وافٍ للقصة في القرآن، وطريقة الأداء الفني كذلك، فهي قصة حافلة بالحركة والمشاعر والمشاهد، وبتقطيع هذه المشاهد ووضع الفجوات الفنية بينها، ولما كان افتتاح الحديث عن سليمان عليه السلام قد تضمن الإشارة إلى الجن والإنس والطير، كما تضمن الإشارة إلى نعمة العلم، فإن القصة تحتوي دوراً لكل من الجن والإنس والطير، ويبرز فيها دور العلم كذلك، وكأنما كانت تلك المقدمة إشارة إلى أصحاب الأدوار الرئيسية في القصة، وهذه سمة فنية دقيقة في القصص القرآني.
يقظة سليمان وحزمه
كذلك تتضح السمات الشخصية والمعالم المميزة لشخصيات القصة: شخصية سليمان، وشخصية بلقيس ملكة سبأ، وشخصية الهدهد، وشخصية حاشية الملكة، كما تعرض الانفعالات النفسية لهذه الشخصيات في شتى مشاهد القصة ومواقفها، يبدأ المشهد الأول من العرض العسكري العام لسليمان وجنوده، بعدما أتوا على وادي النمل، وبعد مقالة النملة، وتوجه سليمان إلى ربه بالشكر والدعاء والإنابة.
الملك النبي سليمان عليه السلام، في موكبه الفخم الضخم، ها هو ذا يتفقد الطير فلا يجد الهدهد، ونفهم من هذا أنه هدهد خاص، معين في نوبته في هذا العرض، وليس هدهداً ما من تلك الألوف أو الملايين التي تحويها الأرض من أمة الهداهد، كما ندرك من افتقاد سليمان لهذا الهدهد سمة من سمات شخصيته هي سمة اليقظة والدقة والحزم، فهو لم يغفل عن غيبة جندي من هذا الحشد الضخم من الجن والإنس والطير، فهو يسأل عنه ويتضح أنه غائب، ويعلم الجميع من سؤال الملك عنه أنه غائب بغير إذن!
وحينئذ يتعين أن يؤخذ الأمر بالحزم، كي لا تكون فوضى، فالأمر بعد سؤال الملك هذا السؤال لم يعد سراً، وإذا لم يؤخذ بالحزم كان سابقة سيئة لبقية الجند، ومن ثم نجد سليمان الملك الحازم يتهدد الجندي الغائب المخالف: «لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه»، لكن سليمان ليس ملكاً جباراً في الأرض، إنما هو نبي، وهو لم يسمع بعد حجة الهدهد الغائب، فلا ينبغي أن يقضي في شأنه قضاء نهائياً قبل أن يسمع منه ويتبين عذره، ومن ثم تبرز سمة النبي العادل: «أو ليأتيني بسلطان مبين»؛ أي حجة قوية توضح عذره، وتنفي المؤاخذة عنه، ويسدل الستار على هذا المشهد الأول في القصة، ويحضر الهدهد، ومعه نبأ عظيم، بل مفاجأة ضخمة لسليمان، ولنا نحن الذين نشهد أحداث الرواية الآن!
ذكاء الهدهد
إن الهدهد يعرف حزم الملك وشدته ولذا يبدأ حديثه بمفاجأة تطغى على موضوع غيبته، وتضمن إصغاء الملك له: «أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين»؛ فأي ملك لا يستمع وأحد رعاياه يقول له: «أحطت بما لم تحط به»، فإذا ضمن إصغاء الملك بعد هذه المفاجأة أخذ في تفصيل النبأ اليقين الذي جاء به من مملكة سبأ التي تقع في اليمن في جنوب الجزيرة العربية فذكر أن سبأ تحكمها امرأة، «أوتيت من كل شيء»، وهذه العبارة كناية عن عظمة ملكها وثرائها وتوافر أسباب الحضارة والقوة والمتاع، «ولها عرش عظيم»، أي سرير ملك فخم ضخم، يدل على الغنى والترف وارتقاء الصناعة.
وتصف لنا نسرين السعدون في كتاب (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) هذا المشهد فتقول: «جاء يوم، وأصدر سليمان أمره لجيشه أن يستعد، بعدها خرج سليمان يتفقد الجيش، ويستعرضه ويفتش عليه، فاكتشف غياب الهدهد وتخلفه عن الوقوف مع الجيش، فغضب وقرر تعذيبه أو قتله، إلا إن كان لديه عذر قوي منعه، فجاء الهدهد ووقف على مسافة غير بعيدة عن سليمان -عليه السلام- «فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين»، فكأن الهدهد قال: إني أعلم منك بقضية معينة، حيث جئت بأخبار أكيدة من مدينة سبأ باليمن.
روى ابن عباس -رضي الله عنهما- أن سليمان بن داوود، عليهما السلام، «لما فقد الهدهد، دعا بالعقاب سيد الطير، وأحزمه وأشده بأساً، فقال: علي بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه نحو السماء، حتى التصق بالهواء، فصار ينظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي الرجل، ثم التفت يميناً وشمالاً فرأى الهدهد مقبلاً نحو اليمن، فانقض عليه، فقال الهدهد: أسألك بحق الذي أقدرك علي وقواك إلا ما رحمتني، فقال له: الويل لك، إن نبي الله سليمان حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم أتى به فلقيته النسور وعساكر الطيور، فخوفوه وأخبروه بتوعد سليمان.
فقال الهدهد: ما قدري وما أنا أو ما استثنى نبي الله؟ قالوا: بلى، قال: أو ليأتيني بسلطان مبين، قال الهدهد: نجوت إذن، فلما دخل على سليمان رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعاً لسليمان، فقال له سليمان: أين غبت عن خدمتك ومكانك؟ لأعذبنك عذاباً شديداً، أو لأذبحنك، فقال الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله بمنزلة وقوفي بين يديك، فاقشعر جلد سليمان وارتعد، وعفا عنه.. فسبحان من صور وأبدع».