يلجأ الطلبة المتسربون من الحصص الدراسية للتخفي بين دهاليز المدرسة وأقسامها التي تكون بعيدة عن الأعين مثل المقصف المدرسي والجهات الخلفية للمبنى المدرسي وحتى صالات الألعاب الرياضية ودورات المياه، فيما يتمكن بعض الطلبة من الهروب إلى الشارع من خلال تسلق أسوار مدارسهم مفضلين الجلوس على مقاعد الكافيتريات والمطاعم والبقالات المجاورة للمبنى المدرسي أو زيارة مراكز التسوق حتى ينتهي الدوام المدرسي، كما يفضل البعض الآخر البقاء في المنزل على حضور الحصص من دون أي مبرر، فيستمر في خلق الأعذار للتغيب عن مدرسته، ويصبح الهروب عادة مستحبة لديه، خاصة إذا لم يجد النصح والإرشاد والتوعية بخطورة الهروب والغياب المستمر وتأثيره في تحصيله الدراسي.
أسباب عدة تضطر الطالب إلى الغياب المستمر عن المدرسة، والهروب من الحصة الدراسية، ومن خلال هذا التحقيق سنتعرف إلى أهم الأسباب التي تؤدي إلى انتشار ظاهرة التسرب من الحصص والغياب المتكرر عن المدرسة، وما تقدمه الجهات التربوية المعنية من حلول عملية لمنعها، وهل الهروب ظاهرة متأصلة في نفوس بعض الطلاب أم أنه تعبير قاطع لرفضهم البيئة المدرسية وعدم شعورهم بالاهتمام.
«الخليج» التقت عدداً من التربويين والمعنيين بحثاً عن أسباب الظاهرة والحلول العملية لها، حتى لا تظل ظاهرة كل عام دراسي وتتحول إلى ملف لا يلتفت إليه الآباء إلا في المناسبات، وكلما برزت حالات فشل وتدنٍ في مستوى تحصيل أبنائهم.
ظاهرة خطِرة
في البداية حذر عدد من التربويين من مخاطر ظاهرة هروب الطلاب من الحصص الدراسية والغياب المتكرر عن المدرسة، مشيرين إلى أن هذه الظاهرة قد تؤدي إلى التسرب وضياع مستقبل الأبناء، كما تؤدي إلى الانحراف في معظم الأحيان، وأرجعوها إلى عدد من الأسباب أهمها البيئة المدرسية التي ينبغي أن توفر المناخ الملائم للطلاب، وإلى المشكلات الأسرية، مشددين على ضرورة تفعيل دور الاختصاصيين الاجتماعيين في المدارس لحل مشكلات الأبناء، وأهمية تفعيل دور مجالس الآباء لتوثيق العلاقة بين البيت والمدرسة، فيما أرجع عدد كبير من الطلاب هذه الظاهرة إلى جمود وكثافة المناهج وعدم جاذبية البيئة المدرسية.
اهتمام بالأنشطة
وأكد عبيد مفتاح، مدير مدرسة، وجود التسرب المتعمد من قبل بعض الطلاب وهروبهم من الدوام الدراسي، إلى جانب التأخير الصباحي وانتشار بعض طلبة المدارس في المقاهي والأماكن العامة التي تحيط بمدارسهم، مشيراً إلى أن الطلاب في بعض المدارس يفرحون بجرس الانصراف وانتهاء الدوام المدرسي، في حين لا أثر لهذه الظواهر في مدارس أخرى.وقال إن المدارس التي تجذب وتستوعب نفسيات الطلبة ومتطلباتهم وتعمل على توفير حياة دراسية متجددة ومتنوعة لهم، لا تعاني ظاهرة الهروب والتأخير، لأن المشكلة تكمن في انعدام البيئة المدرسية الجاذبة في بعض المدارس، مشيراً إلى ضرورة الاهتمام بالأنشطة الإثرائية المتنوعة التي توفر للطالب متنفساً ويجد نفسه في أجواء متجددة وأنشطة يعبر من خلالها عن هواياته وملكاته وتكسبه خبرات جديدة، وهي ضرورية لبناء طالب واثق بنفسه وبشخصية مستقلة وطموحة.
تأثير البيئة
وحول الرعاية النفسية والاجتماعية في خلق البيئة المدرسية الجاذبة وتعديل سلوك الأبناء، أكدت منيرة السلومي موجهة الخدمة الاجتماعية والنفسية، أن للبيئة تأثيراً كبيراً في الأبناء وهي الأسرة والمدرسة ومؤسسات المجتمع المحلي وجماعة الأصدقاء، إذ لكل دوره المؤثر في هذه العملية المتداخلة، مشيرة إلى أن الأسرة هي المحصن الأول والمسؤول الرئيسي عن التنشئة الاجتماعية والتربوية للطفل، فالسنوات السبع الأولى من عمر الإنسان، كما تدلل الدراسات، تؤثر في بقية حياته وتؤسس لأغلبية الجوانب النفسية والاجتماعية، لافتة إلى أنه ينبغي على الآباء ألا ينصاعوا وراء رغبات أبنائهم في حال طلبوا منهم عدم الذهاب إلى المدرسة متذرعين بحجج واهية مثل تصنع المرض، حيث يجب على الوالدين توجيه الطفل منذ المراحل الدراسية المبكرة بأهمية الالتزام بالحضور وعدم التغيب إلا عند الضرورة القصوى مثل المرض أو ظرف أسري طارئ
.
مسؤولية مشتركة
وتقول الاختصاصية النفسية هاجر الحوسني، إنه من المهم في البداية أن نقف عند مفهوم الهروب من المدرسة ليقترب المفهوم بصورة أوضح ليدركه أولياء الأمور - على الأقل - فالهروب من المدرسة كما أراه هو خروج الطالب من المدرسة من دون إذن مسبق وبطريقة غير تربوية كالقفز من فوق السور مثلاً، أو التعذر بأعذار واهية للخروج من المدرسة والتخلص من قيود اليوم الدراسي، متسائلة لماذا يهرب الطالب من المدرسة؟ وما الأسباب التي تدفعه إلى ذلك؟ حيث أشارت إلى أن المسؤولية مشتركة بين البيت والمدرسة وعليها أن تتحمل جزءاً، فيما تتحمل الأسرة الجزء الآخر.
رعاية الأسرة
وأكدت فاطمة الزعابي -اختصاصية نفسية- أن التربية السليمة تستدعي من الأسرة الرعاية الدائمة والمتوازنة لأبنائها والابتعاد عن الأجواء المشحونة بالمشكلات الأسرية كالتفكك والطلاق والانفصال والسعي الدائم لتكريس الاستقرار الأسري والتواصل مع المدرسة أولاً بأول وعدم انتظار حصول مشكلة أو استدعاء من المدرسة أو حصول الطالب على نتيجة تحصيل متدنية، مشيرة إلى أن كثيراً من الآباء لا يصلون إلى باب مدارس أبنائهم إلا عند استدعائهم لحصول مشكلة أو رسوب الطالب.
وحثت الزعابي إدارات المدارس على تفهم دور الاختصاصي الاجتماعي، مشيرة إلى أن أبرز ملامح اتجاهات الرعاية النفسية والاجتماعية تتركز في تفعيل مجالس الآباء وتنمية مشاركتهم من خلال اللقاءات والحلقات النقاشية بالمدارس ومواصلة العمل بمشروع توثيق العلاقة بين البيت والمدرسة ومؤسسات المجتمع المحلي والارتقاء بمستوى عمل الاختصاصيين بالمدارس.
تدنٍ متراكم
ويرى خالد السعيدي، نائب مدير مدرسة عبدالجليل الفهيم، أنه ينبغي على الاختصاصيين الاجتماعيين في المدارس تلمس هموم ومشكلات الطلاب ذوي المستوى المتدني والذين يتذمرون من حضور الحصص الدراسية بحكم التدني المتراكم الذي حملوه معهم من مراحل سابقة، وأن يُخْضعوا هؤلاء الطلاب لتعديل السلوك لديهم وفقاً للائحة تعديل السلوك، ويبقوهم تحت إشرافهم.
وقفة جادة
و
يرى عمر عبدالعزيز مدير مدرسة ثانوية، أن ظاهرتي الهروب والتسرب تستحقان وقفة جادة، فالأسباب معروفة ولكن أين العلاج؟ فالمدرسة منفردة لا تستطيع معالجة المشكلة فلا بد من تكاتف الأسرة مع المدرسة لعلاج المشكلة، ولا بد من الفهم الصحيح لأدوار الاختصاصي الاجتماعي والتعاون معه من قبل الأسرة لمقابلة أية مشكلة والعمل على حلها، ولا بد من تطبيق لائحة السلوك والعمل على تفعيلها داخل المدارس.
استئذان متكرر
وينتقد بعض أولياء الأمور تشجيع البعض لأبنائهم على الغياب، حيث يقول حسين الهاشمي إن هذا الأمر ليس في مصلحة الطالب، كما أن الاستئذان المتكرر لإخراج الطالب من الصف أثناء الدوام المدرسي أمر ينبغي ألا توافق عليه إدارة المدرسة إطلاقاً إلا في الحالات القصوى كالمرض، فيما يقول ناصر خليل إن طلب ولي الأمر من إدارة المدرسة السماح له بإخراج ابنه أو ابنته من الدوام، خاصة مع نهاية الأسبوع، أمر يعود الطالب على الاستهتار وعدم الانضباط.
حل الظاهرة
وأكدت لطيفة الحوسني مديرة مدرسة أن حل ظاهرة الهروب يبدأ من المدرسة من حيث الاهتمام بالمبنى المدرسي بصورته المتكاملة ومراعاة النواحي النفسية والفسيولوجية للطالب، بما يتماشى ومراحل نموه، وعدم إغفال الجوانب الترويحية في المبنى المدرسي، إضافة إلى اتباع المعلم الأساليب التربوية، وأن يطور نفسه أكاديمياً وتربوياً، وألا يثقل كاهل الطالب بالواجبات المنزلية، وألا ينسى الإخلاص والعمل لوجه الله.
وطالبت علياء عبدالله - وكيلة مدرسة - وزارة التربية والتعليم بالتفكير في إعداد خطط واستراتيجيات مدروسة للقضاء على أي ظاهرة غير تربوية كالهروب من المدرسة والدروس الخصوصية والغش في الامتحانات، مشيرة إلى ضرورة أن يكون مدير المدرسة عادلاً في تعامله مع المعلمين والطلاب، مطبقاً للوائح التربوية بما يتناسب والمصلحة العامة، وأن يكون القدوة التي يحتذى بها، كما ينبغي أن يراعي واضعو المناهج الدراسية الأساليب التربوية الحديثة في إعداد المناهج الدراسية تماشياً مع متطلبات العصر ومراعاة النواحي النفسية والعقلية لطالب القرن الحادي والعشرين.
الاهتمام بالأنشطة المتنوعة يعزز حب الطالب واحترامه للتعلم
الهروب من المدرسة.. أولى خطوات الضياع
19 نوفمبر 2017 02:19 صباحًا
|
آخر تحديث:
19 نوفمبر 02:19 2017
شارك
أبوظبي: إيمان سرور
تنتشر ظاهرة الهروب من الحصص الدراسية بين أوساط الطلاب في سن 12- 18 سنة الذين يستسهلون هذه العملية، بمساعدة وتشجيع أولياء الأمور بطريقة غير مباشرة تتمثل في التماس الأعذار لهم عند إدارة مدارسهم بالسماح لهم بالمغادرة قبل انتهاء الدوام، كما أن بعض الآباء لا يهتمون بمتابعة الأبناء في البيت أو المدرسة ولا يسألون عن دروسهم وواجباتهم ومستوى تحصيلهم الدراسي، والبحث في مشكلة نفورهم من مدارسهم وكرههم لها وتفضيلهم مغادرة الحصة الدراسية والهروب إلى بعض الأماكن التي لا تصلها أعين المراقبين التربويين.