بدأ برنامج الفضاء الهندي يأخذ خطاً واضحاً في عام 1969 بإنشاء (هيئة أبحاث الفضاء الهندية). وقد بدأت الهيئة بوضع برنامج لتطوير قدرة الإطلاق الذاتية، وهي العماد الرئيسي لأي صناعة فضائية مستقلة، كما أنها العنصر ذو التكلفة المالية والصعوبة التقنية الأكثر في تلك الصناعة.

يعتمد برنامج الإطلاق الهندي على تطوير أربعة أجيال متعاقبة من قاذفات الإطلاق، يبنى كل جيل منها على نجاح الجيل السابق.

وبدأ البرنامج الهندي في 1973 بإطلاق ناجح لصاروخ اختبار تحت مداري (Suborbital Sounding Rocket) وصل إلى ارتفاع 207 كيلومترات ومهد الطريق لنجاح التقنية الهندية في تصنيع القاذفات الفضائية.

واستمر برنامج تطوير القاذف المبني على هذا الصاروخ حتى عام 1979 عندما تم إطلاق القاذف الهندي ذي الوقود الصلب (Satellite Launch Vehicle) والمجهز لحمل قمر من طراز (روهيني) يزن نحو 35 كيلوغراماً.

وبعد فشل الإطلاق الأول لسقوط الصاروخ في المحيط الهندي نتيجة تعطل أجهزة التوجيه والتحكم، جاء الإطلاق الناجح في 18 يوليو/ تموز 1980والذي سجل دخول الهند دائرة الدول الفضائية.
ثم تم تطوير جيل ثان وثالث من الصواريخ الفضائية ثم الوصول إلى الجيل الرابع الأكثر تقدماً.
يتميز الجيل الرابع من القاذفات الهندية باستخدام تقنية محركات الوقود السائل فائق التبريد، وهي تقنية متقدمة ولا تملكها إلا دول قليلة ذات باع في مجال الفضاء هي روسيا والولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين.
وقد عقدت الهند مع روسيا اتفاقية لنقل هذه التقنية لاستخدامها في المرحلتين الأخيرتين من هذه القاذفات إلا أن ضغط الولايات المتحدة تحت اتفاقية ((منع انتشار تقنية الصواريخ)) دفع روسيا إلى إلغاء الاتفاق مع الهند، ورغم أن الهند أعلنت أنها فقدت عامين من برنامج تطوير الجيل الرابع من قاذفاتها فإنها بدأت بتطوير تقنياتها الخاصة لتصنيع المحركات فائقة التبريد, بهدف حمل قمر يزن 2.5 طن إلى المدار الخارجي على بعد 35 ألف كم من سطح البحر وقد تم إطلاق هذا الصاروخ بنجاح قبل نهاية القرن العشرين.

وباستقراء التجربة الهندية فإن هناك عدة دروس يمكن استخلاصها في مجال تطوير وتصنيع القاذفات والمركبات الفضائية.

ويمكن أن يفيد استيعاب هذه الدروس في ترشيد أي برنامج فضائي قد نقرر نحن العرب أن نقوم به، وهو أمر لا بد منه إن أردنا ألا نستعبد في التقنيات الحاكمة في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين على الأقل.

الدرس الأول: البدء باستخدام تقنيات بسيطة وقريبة، وتطوير هذه التقنيات بدلاً من اتخاذ الطريق الأسهل والذي لم يصل بأحد إلى شيء على الإطلاق، وهو استيراد التقنيات الجاهزة التي تورد إلى بعض الدول دون مفاتيحها والتي تبقى في أيدي من صنعوها ولن يعطوها لأحد.
وتم هذا في حالة الهند باستخدام تقنية الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب وهي متاحة وسهلة كثيراً من تقنية الصواريخ ذات الوقود السائل.

وسنرى أن الولايات المتحدة فرضت حظراً على تقنيات الصواريخ ذات الوقود السائل لمنع دولة مثل الهند من الوصول إليها.
الدرس الثاني: التصميم والمثابرة ومتابعة الهدف، فالهند التي بدأت بالتفكير في برنامجها الفضائي في عام 1963 نجحت في إطلاق القاذف المصمم والمنتج بقدرات هندية خالصة بعد تسعة وثلاثين عاماً، وهي مدة تكفي لجعل أي من مشاريعنا العربية يفقد رؤيته الأولى ودعم حكوماته ويدخل في متاهات النسيان.
وفي الوقت نفسه فإنه ليست هناك طرق قصيرة للوصول إلى هدف بناء قدرة ذاتية

أهداف وسياسات برنامج الفضاء الهندي: في عام 1973 وبعد ثلاثة أعوام من إنشاء هيئة بحوث الفضاء الهندية، وصنع هيكل صناعة الفضاء في الهند أنشأتها وزارة للفضاء لتضم كل الأنشطة المتعلقة ببرنامج الفضاء الهندي، ثم أنشأت (اللجنة العليا للفضاء) لوضع السياسات والاستراتيجيات لدخول الهند مجال الفضاء، وجعلت (هيئة بحوث الفضاء) هي الذراع العلمية والتقنية لتنفيذ تلك السياسات والاستراتيجيات.
وبلورت الهند أهدافها في الفضاء وهي:

تطبيق تقنيات الفضاء في مجالات الاتصال والرصد الجوي وإدارة الموارد (الاستشعار عن بعد)، بالإضافة إلى إنشاء وتطوير القدرة التقنية الهندية لتصنيع القاذفات والأقمار الصناعية.

الدرس الثالث من تجربة الهند: وهو تعميق الاستفادة من تقنيات الفضاء بما يخدم المجتمع ويؤثر فيه، فها هي الهند الدولة التي تضم مقاطعات من أفقر الأماكن على ظهر الأرض تستخدم أعلى التقنيات وأكثرها تقدماً لتحقيق الرخاء والتنمية للشعب، الأمر الذي يكفل المشاركة الكاملة والدعم الشعبي لهذه البرامج ويكفل لها الاستمرار.

غير أن البعد الأهم بالنسبة للهند كان استخدام هذه المشروعات لتطوير برنامجها الفضائي، خاصة في مجال محطات الاستقبال الأرضية التي تحتاج إليها بكثافة مثل هذه المشروعات، وكذلك تطوير الأقمار الصناعية.

الدرس الرابع الذي يمكن استخلاصه في تجربة الهند: وهو أن صناعة الفضاء صناعة قائدة لعدد كبير من الصناعات المتصلة بها، وأنه يمكن استغلال مشروع بناء صناعة فضاء عربية بهدف محدد وهو إطلاق قمر مصنع عربياً، وهو مشروع يمكن أن يجمع حوله تأييداً شعبياً وسياسياً واسعاً لدفع حركة التنمية والصناعة في عدد كبير من الصناعات المتصلة والمغذية لها. وفي أبريل 1975 أطلقت الهند أول أقمارها الصناعية (أريابهاتا) على اسم أحد الرياضيين الهنود القدماء، على متن قاذف سوفييتي من طراز (أنتركوزموس) واتبعته في يونيو/حزيران 1979م ونوفمبر/تشرين الثاني 1981 بقمرين للاستشعار عن بعد.

رغم أهمية هذه التجارب فإن إسهامها الأكبر كان في إرساء الأساس للبرنامج الضخم (INSAT) الذي يمثل محور صناعة الفضاء الهندية، وفي الوقت نفسه يعد واحداً من أكثر المشروعات العلمية والتقنية نجاحاً في تاريخ الهند.
والقمر الصناعي (انسات) هو قمر اتصالات متعدد الأغراض علق على المدار الثابت جغرافياً على بعد 35 ألف كم ويستخدم الآن في البث الإذاعي والتلفزيوني لآلاف المواقع النائية، بالإضافة لعمل نظام متكامل للإنذار في الكوارث الطبيعية، ويساهم القمر الصناعي (انسات) في أعمال البحث والإنقاذ في المحيط الهندي وهو جزء من شبكة دولية لأعمال الإنقاذ في المحيطات.
وخلاصة القول هنا: إن الهند تنفذ برنامجاً فضائياً متكاملاً يجمع بين تطوير تقنيات الفضاء وقدرات الإطلاق الذاتية واستخدام تطبيقات الفضاء على نطاق واسع لصالح المجتمع، ووضعت بنجاح في هذين المسارين نموذجاً يحتذى لجميع دول العالم النامي.
دلالات النجاحات الأخيرة:
رحلة مركبة الفضاء الهندية (مانغاليان) لاستكشاف المريخ

نشرت وكالة الفضاء الهندية في 25 سبتمبر / أيلول 2014 خبراً أن مركبة الفضاء الهندية (مانغاليان) ترسل أولى الصور التي التقطتها لكوكب المريخ بعد دخولها المدار حول الكوكب الأحمر. وتعتبر دراسة الغلاف الجوي للمريخ للبحث عن مؤشرات لوجود حياة جزءاً من مهمة المركبات الهندية.
وتعد هذه المرة الأولى التي تنجح فيها مركبة في دخول المدار من أول تجربة والأرخص كذلك، إذ كلفت مهمة المسبار (تافن) الحالية لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا عشرة أضعاف رحلة (مانغاليان).

تكلفة رحلة (تافن) 671 مليون دولار بينما تكلفة رحلة (مانغاليان) 74 مليون دولار.

ووصفت وسائل الإعلام الهندية المشروع بأنه إنجاز تاريخي.

وقد أرسلت المركبة (مانغاليان) 10 صور لسطح الكوكب الأحمر لعدد من الحفرات على السطح والصور بجودة جيدة.

وذكرت التقارير أن الكاميرا كانت أولى المعدات التي حملتها (مانغاليان) يجري تشغيلها، وذلك بعد ساعات قليلة من دخول المركبة مدار الكوكب.

د. مسلم شلتوت٭

٭ أستاذ بحوث الشمس والفضاء بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية - حلوان (مصر)

[email protected]