حين توصلت البشرية الى تحديد طريقة وصول الهنود الحمر الى القارة الأمريكية، زالت تلقائياً اسطورة العرق الأحمر التي أطلقها الاوروبيون الأوائل لدى اكتشافهم القارة الجديدة والقوم الذين يسكنونها. فالهنود الحمر ليسوا سوى أشقاء لشعوب آسيا من العرق الأصفر، وقد وصلوا الى أمريكا منذ 45 ألف عام منطلقين من آسيا الشمالية على شكل مجموعات من الصيادين، واستمرت هذه الهجرة حوالي 25 ألف عام توزعوا خلالها في كل أنحاء القارة الأمريكية.
ويقول أحد التفسيرات إن ارتفاع أعداد الهنود الحمر في أمريكا الجنوبية بالنسبة الى أعدادهم في الجزء الشمالي من القارة الولايات المتحدة الأمريكية وكندا يعود الى أن الموجات الأولى من المهاجرين تابعت طريقها بعدما دخلت الى القارة الأمريكية من أقصى الجنوب في حين توقفت الموجات التالية عند حدود الأراضي التي استقرت فيها الموجات التي سبقتها وهكذا حتى اقصى الشمال في ولاية ألاسكا. ولعل هذه الظاهرة تفسر تعدد هويات الهنود الحمر الذين مازالوا يلقبون بهذا الاسم على الرغم من ثبوت أصلهم الآسيوي. فهم لا يشكلون قومية بالمفهوم المتعارف عليه وإنما ينقسمون الى مئات من القبائل، فالفرق بين هندي من قبائل الأباش في الجنوب وآخر من قبائل الأيروكوا في الشمال يعادل الفرق بين النرويجي والبرتغالي اللذين لا يلتقيان إلا من حيث انتمائهما الى العرق الأبيض، فأفراد قبائل البويبلو مثلاً يشبهون الشعب المنغولي بوجوههم المستديرة والمسطحة وبقاماتهم التي تتميز بصدر ضخم ورجلين قصيرتين في حين يتميز أفراد قبائل السيوكس بقامات فارعة وأنيقة وسمات ناعمة وأنف رقيق وبشرة أقرب الى البياض.
ويشير علماء اللغات الى أن عدد اللغات التي يتخاطب بها الهنود الحمر يصل الى 221 لغة وهي لغات مازالت متداولة حتى الآن علماً بأن عدد هذه اللغات لدى اكتشاف القارة بلغ الألفين لكنها لم تكن مفهومة من كل القبائل. وكان يتم التعاطي بين قبيلة وأخرى عن طريق الإشارات. وكما تنوعت اللغات، تنوعت كذلك أساليب العيش فقد عاش البعض في بيوت ذات طبقات داخل قرى كبيرة، بينما فضل البعض الآخر العيش في أكواخ من أغصان الأشجار في حين لجأ آخرون الى العيش داخل خيام من جلد الثور الوحشي.
التعلق بالأرض
يتعلق الهنود الحمر بأراضيهم أشد التعلق، فثمة رابطة وثيقة بين الهندي الأحمر والطبيعة وثمة رابطة متينة بين القبائل والأراضي التي يطؤونها بأقدامهم وهي روابط عاطفية ودينية عميقة ربما لا نجدها لدى أي شعب آخر وإذا فقد الهندي الأحمر أرضه فلا يعود هناك مبرر لوجوده أو حتى لوجود القبيلة التي ينتمي إليها.
ويبدو أن الهنود الحمر قد أوشكوا على الانقراض إذ عجزوا عن احتمال تدخل الرجل الأبيض في تقاليد حياتهم.
وينقسم الهنود الحمر الى سلالتين منهم هنود السهول الذين يقطنون جهة الشرق وهم قبائل التيهوبلش وقبائل الأدنادهوش، وهناك هنود اليامانا والألاكلوف الذين يقطنون في اقصى الجنوب وعلى الساحل الغربي.
ويمضي أفراد قبائل اليامانا والألاكالوف حياتهم وهم يتجولون على الشاطئ في قواربهم ولا ينزلون الى البر إلا لكي يناموا. وهم يستخدمون قوارب شراعية من جذوع الأشجار المجوفة وهي كبيرة وتتسع لأفراد الأسرة جميعاً، ويقطعون بها مسافات طويلة سعياً وراء الطعام الذي يحصلون على جله من البحر.
وينام هنود اليامانا والألاكالوف والذين يسمون هنود الكانو في اكواخ مصنوعة من أغصان الشجر ومغطاة بالجلود، ورغم الثياب والمساكن البدائية، فقد استطاع هؤلاء الهنود أن يتحملوا جو أرض النار قارس البرد وغزير الأمطار. وقد تبين أخيراً أن من بقي حياً من هنود الألاكالوف يتكيفون بطريقة مميزة مع البرد وأن ما درجوا عليه من التنقل وهم عراة لا يسبب لهم أي أذى، كما تبين أن ارتداءهم للثياب الأوروبية التي يصعب أن تجف في هذا الجو يضر بهم ضرراً بليغاً.
أما عن مقتنيات هنود الكانو والأدوات التي يستخدمونها فمصنوعة من الزجاج البركاني المعروف باسم السبج ويستعملون مدى من الحجارة ومحار بلح البحر وعندما قدم الاوروبيون، بدأ هؤلاء الهنود يصنعون رؤوس الرماح والسهام بأشكال جميلة من زجاج القوارير.
وعن أعداد هؤلاء الهنود فقد تناقصت بشكل كبير منذ العام 1850م الى أن بلغ عدد أفراد اليامانا عشرين فرداً في حين لم يعد يتجاوز عدد الألاكالوف أكثر من خمسين فرداً.
ويعتقد الباحثون أن الأمراض التي جلبها معهم الاوروبيون أبادت معظم الهنود خصوصاً السل والحصبة إذ لم تكن لديهم حصانة طبيعية ضدهما.
هنود السهول
ويختلف هنود السهول التيهوبلش والادنادهوش المقيمون في جزيرة غرانت عن هنود الكانو بشكل كلي. وهنود السهول اقرب الى هنود أمريكا الشمالية منهم الى أي من سكان أمريكا الجنوبية. وتعتمد حياتهم اعتماداً كلياً على الجوانكو وهو حيوان ثديي بري يمدهم بالطعام والكساء واغطية الاكواخ وأكياس الماء وأوتار الاقواس والعظام التي يصنعون منها أدواتهم واسلحتهم ولولا الجوانكو لما تمكن هؤلاء من البقاء على قيد الحياة إلا بصعوبة بالغة.
تعلم الهنود الحمر من الأوروبيين استعمال السلع المصنعة كالآلات المعدنية والبنادق وادخل الاوروبيون المواشي والخيول إذ لم تكن هذه الحيوانات موجودة في الأمريكيين ولم يكن الهنود الحمر يعرفون السلاح الناري بل كان أكثر اعتمادهم على العصي والسهام والرماح، وكانوا في صيدهم للسمك يستعملون هذه الأسلحة وبعض النباتات المخدرة التي يضعونها في الأنهار لتخدير الأسماك ثم جمعها للأكل. وكانو يسافرون قبل وصول الأوروبيين ومعهم الخيول على أقدامهم، وبالطبع لم تكن لديهم عربات لعدم وجود ما يجرها من حيوانات وكانت أكثر اسفارهم بالمراكب في الأنهار.
ومن الأمور التي كانت تضعف الهنود الحمر اقتتالهم الشديد فيما بينهم والتحالف مع العدو ضد بعضهم بعضا نظراً لأنهم كانوا يعيشون في قبائل مشرذمة. وكان سكان المناطق الدافئة يلبسون الأقمشة القطنية حيث كان القطن معروفاً لديهم كما كانوا ينسجون بعض النباتات التي كانت تصلح لأعمال النسيج ليصنعوا منها الملابس.
معتقدات وعادات
يعتقد الهنود الحمر بالقوى الروحية ويرون أنها يمكن أن تُكتسب بواسطة أشخاص معينين أو من خلال بعض الاحتفالات المحددة كما يؤمنون بقدرة الأرواح على الحلول في أشخاص أو حيوانات معينة فتكسبها خيراً أو شراً. وللهنود الحمر كهنة يديرون الاحتفالات العامة ويعالجون المرضى كما ظهر بينهم بعض رجال الدين الوثنيين الذين نصحوهم بعد وصول الأوروبيين بالعودة الى الجذور القديمة والتراث وبمقاطعة كل ما هو أوروبي من بضائع وخاصة الكحول. ومن عادات الهنود الحمر أنهم كانوا يتعاملون بالتبادل والمقايضة إذ لم تكن لديهم نقود يستعملونها قبل وصول الأوروبيين.
وهناك من الهنود من يعيشون اليوم كما كان يعيش آباؤهم الأولون ومنهم من انسجم مع الحياة العصرية وسار على منهجها، لكن التمييز العنصري الذي يسيطر على غير الهنود أو عدم رغبة الكثير من الهنود في اتباع الطرق العصرية جعل هؤلاء خارج التيار الرئيسي للحياة العصرية، علماً بأنهم يطالبون بتصحيح الأوضاع الظالمة التي عانوا منها منذ زمن بعيد.
ويعيش اليوم في الولايات المتحدة مليونا هندي ولهم الحق في أن يعيشوا حيث أرادوا ومتى أرادوا.
ومازالت هناك مطالب يقدمها الهنود لحمايتهم من التوغل الاوروبي، كما أنهم يطالبون بأن تلتزم حكومة الولايات المتحدة بشروط المعاهدات التي ابرمتها مع اسلافهم. ويوجد في كندا حوالي 350 ألف هندي أما في أمريكا اللاتينية فيصل عددهم الى 45 مليون هندي، ومع أن بعضهم صادف نجاحاً في حياته إلا أن الأغلبية مازالت تعاني الفقر وعدم التعليم.