لم يتمكن علماء الآثار من قراءة النقوش الفرعونية حتى بدايات القرن التاسع عشر عندما تمكن علماء اللغة من فك رموزها .

وعلى مدى ألفيتين حاول كثيرون ذلك، وفي مقدمتهم المؤرخ اليوناني هيروديت الذي جاب أنحاء مصر في العام 450 قبل الميلاد . وذكر في كتاباته أن الأهرامات كانت المقابر الملكية كما أورد معلومات مهمة حول التحنيط، بيد أن أعماله هذه لم تكن ذا عون كبير للدارسين في القرن التاسع عشر لفهم الكتابة المصرية القديمة . ولم يستطع الكتاب اليونانيون ولا الرومانيون قراءة اللغة الهيروغليفية .

والسبب في ذلك، بحسب مجلة فوكاس، أن الحضارة المصرية، التي قامت قبل ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، والتي جاء وصفها باللغة الهيروغليفية، خفتت أضواؤها في النصف الثاني من الألفية الأولى قبل الميلاد عندما تعرضت مصر للغزو الفارسي ثم المقدوني بقيادة الإسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد، وحكم البطالمة الناطقون بالإغريقية مصر لثلاثة قرون، وتعود تسميتهم إلى بطليموس الأول الذي كان جنرالاً في جيش الإسكندر الأكبر، وانتهى حكمهم بموت الملكة كليوباترا السابعة والاحتلال الروماني في العام 30 قبل الميلاد، والذي استمر حتى 395 بعد الميلاد .

وحكم الأقباط المصريين أولاً ثم بعد ذلك حكمهم المسلمون حتى نابليون، وانحدرت اللغة القبطية المنطوقة من اللغة المصرية القديمة، أما اللغة المكتوبة فلم تكن هيروغليفية بل أبجدية تماماً مثل اليونانية واللاتينية، إلا أن اللغة القبطية كانت ذات قيمة كبيرة في قراءة اللغة الهيروغليفية إذ إنها وفرت نطقاً تقريبياً لمفردات اللغة المصرية القديمة، وأقر المؤلفون اليونانيون والإغريق بأن مصر كانت أول من اخترع الكتابة، كهبة منحتهم إياها الآلهة، بحسب مجلة فوكاس، واعتقدوا بأن الهيروغليفية، التي تعني الكتابة المقدسة لم تكن سوى رموز مبهمة تجسد الحكمة المصرية القديمة وليس بينها وبين الأبجدية أية صلة، واستبعدوا كل العناصر الصوتية في الهيروغليفية، وادعوا بأنها إشارات خيالية أو رمزية، ومن هنا أشاروا إلى أن الرسم التخطيطي لصقر في الهيروغليفية يجسد مفهوم السرعة والرشاقة، بينما يجسد الرسم التخطيطي لتمساح كل أشكال الشر . وألقت هذه الصورة غير الصوتية والمضللة للهيروغليفية، التي اعتبرت إنها كتابة مصورة، ألقت بظلالها على المفكرين الأوروبيين وأربكتهم حتى عصر النهضة وظهور العلم الحديث في القرن السابع عشر .

وكانت الخطوة الأولى العلمية على طريق فك رموز الهيروغليفية لرجل دين إنجليزي قال في عام 1740 إن أصل كل الكتابات تصويري . وفي أواخر القرن الثامن عشر، ذكر الأديب الدنمركي جورج زويجا أن الهيروغليفية ليست سوى -وإن كان ذلك بمقياس محدود- رموز مصورة تجسد أصواتاً وليست مفاهيم تضمنتها اللغة المصرية .

وظهرت الآن هناك نقطة تحول سلطت عليها الأضواء مجلة فوكاس . فعندما جاء نابليون بونابرت بجحافله إلى مصر في العام ،1798 ركزت حملته، من النظرة العلمية، اهتمامها على المعرفة، وضمت عدداً كبيراً من الباحثين والدارسين والأدباء والعلماء الذين أطلق عليهم الموظفون الحكوميون بما فيهم عالم الحساب جوزيف فورير . وعندما اكتشف المهندسون العسكريون حجر رشيد في يوليو /تموز 1799 أثناء إعادة بناء جزء من حصن قديم في دلتا النيل، أدرك الضابط المسؤول أهمية النقوش الثلاثية المتوازية للحجر ما دفعه إلى إرساله إلى الموظفين الحكوميين في القاهرة . وفي أكتوبر/تشرين أول من العام نفسه، عاد بونابرت إلى فرنسا وأخبر المعهد الوطني في باريس أنه من المؤكد أن العمود الموجود في المعهد والذي يحمل كتابات بالهيروغليفية يحوي النقوش الثلاثية نفسها على حجر رشيد .

ومنذ اكتشاف الحجر بات من الواضح أن النقش الأسفل عليه كان مكتوباً بالأبجدية الإغريقية، بينما النقش العلوي الذي تعرض للتلف، كان مكتوباً بالهيروغليفية المصرية الواضحة، وتوسطهما نص مكتوب لم يعرف عنه الكثير، بيد أنه كان واضحاً أنه لم يكن مكتوباً بالإغريقية ولا بالهيروغليفية . وتوصل الباحثون أخيراً إلى أن هذا النص كان مكتوباً بأحد أشكال الأحرف المصرية القديمة المتصلة التي كانت مختصة بالأوساط الشعبية، وبذلك فإنها كانت تتناقض مع الرموز الهيروغليفية المنفصلة .

وكانت الخطوة الأولى ترجمة النقش الإغريقي واتضح أنه كان مرسوماً قانونياً أصدره في ممفيس، أهم مدن مصر القديمة، مجلس قساوسة أثناء اجتماعه في 27 مارس/آذار من العام 196 قبل الميلاد، احتفالاً بالذكرى السنوية لتتويج بطليموس الخامس، واحتوى المرسوم أسماءً إغريقية مثل بطليموس، ولاسكندر، والإسكندرية، وغيرها .

واكتشف الباحثون أن النقوش باللغات الثلاث، الهيروغليفية، والمصرية القديمة المتصلة (الشعبية)، والإغريقية كانت تحمل المعنى نفسه . وفي العام 1802 قام مستشرق فرنسي يدعى سلفستر دي ساسي وطالبه السويدي جوهان اكيربولد بالبحث في النقوش المكتوبة باللغة الشعبية عن أسماء وبخاصة اسم بطليموس بالفصل بين مجموعات من الرموز المكررة ولاحظا أن الأسماء في اللغة الشعبية كانت قد خطت أبجدياً كما كانت الحال في النقش الإغريقي، ما يدلل على أن أحرف الأسماء في اللغة الشعبية تحتوي على العدد نفسه من الرموز التي تقابل الحروف الأبجدية .