يقوم الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي على ثلاثة مبادئ رئيسة تميزه عن سائر المذاهب الاقتصادية الأخرى وهذه المبادئ الأساسية الثلاثة هي مبدأ الملكية المزدوجة ومبدأ الحرية الاقتصادية ضمن نطاق الشرع والعقل ومبدأ العدالة الاجتماعية..

أما مبدأ الملكية المزدوجة فلأن المذهب الإسلامي لا يتفق مع الشكل الرأسمالي للملكية، ولكن يُقر مبدأ الملكية المزدوجة، أي الملكية ذات الأشكال المتنوعة، فهو يؤمن بالملكية الخاصة للأفراد والملكية العامة للدولة في حدود ضيقة ويخصص لكل منهما حقلاً خاصاً تعمل فيه.

ويبرز مبدأ الحرية الاقتصادية في سماح النظام الاقتصادي الإسلامي للأفراد بحرية ممارسة النشاط الاقتصادي، بحدود من القيم المعنوية الخلقية التي جاء بها الإسلام ويأتي التحديد الإسلامي لحرية الأفراد في النشاط الاقتصادي من مصدرين أساسيين هما:

التحديد الذاتي: الذي ينبع من أعماق النفس، ويستمد قوته من المحتوى الخلقي والفكري للشخصية الإسلامية ثم التحديد الموضوعي: الذي يتمثل في القوة الخارجية التي تحدد السلوك الاجتماعي وتضبطه. وهو التحديد الذي يفرض على الفرد في المجتمع الإسلامي.

العدالة الاجتماعية

أما المبدأ الثالث في الاقتصاد الإسلامي فهو العدالة الاجتماعية: اذ لم يتبن الإسلام العدالة الاجتماعية بمفهومها التجريدي العام، ولم يناد بها بشكل مفتوح لكل تفسير، ولا أوكلها إلى المجتمعات الإنسانية التي تختلف في نظرتها للعدالة، الاجتماعية، باختلاف أفكارها الحضارية ومفاهيمها عن الحياة، وانما حدد الإسلام هذا المفهوم وبلوره، في مخطط اجتماعي معين واستطاع بعد ذلك ان يجسد هذا المفهوم في واقع اجتماعي حي تنبض جميع شرايينه واوردته بالمفهوم الإسلامي للعدالة.

وتقوم العدالة الاجتماعية من وجهة نظر النظام الاقتصادي الإسلامي على مبدأين عامين، الأول مبدأ التكافل العام، والثاني مبدأ التوازن الاجتماعي.

هذه الأركان الأساسية في الاقتصاد الإسلامي تتمثل في ملكية وسائل انتاج ذات اشكال متنوعة، يتحدد التوزيع خلالها ثم حرية في النشاط الاقتصادي محدودة بالقيم الإسلامية والعدالة الاجتماعية التي تكفل للمجتمع سعادته وقوامها التكافل الاجتماعي والتوازن.

كما يقوم الاقتصاد الإسلامي على اساس معتدل فلا يتعصب للفرد على حساب الجماعة ولا يتحمس للجماعة على حساب الفرد فهو يحاول ان يوفق بين المصلحتين في آن معا،لأن الفرد عضو في هذه الجماعة وليس كمّاً مهملا ساقطا من أي اعتبار وإنما هو كيان له ما للجماعة المتمثلة في بقية الأفراد.

فالشريعة الإسلامية لا تسقط من حسابها مصلحة الفرد، ولا تهمل أيضا المصلحة الجماعية وهي تقيد هذه وتلك بقيود لا تتنافى مع العدل والإنصاف، ولا تترك العنان لإحدى المصلحتين- الجماعية أو الفردية، أن تطغى على الأخرى.

نظرية الاستخلاف

إن المال بمختلف أنواعه ملك لله، والإنسان مستخلف على النعم بتسخيرها له وخدمته، وهذا الإنسان يجب ان يتصرف بالمال وفق ارادة المالك الحقيقي (الله) ولابد من تنفيذ ما أمر به لتحقيق التنمية الشاملة.. كما ان الله سبحانه وتعالى يطلب من عباده انفاق المال في منفعة تعود على خلقه واقتصادهم ومجتمعهم.

والمال مقيد في الإسلام بقيود شرعية لضمان طهارة الكسب وأوجه التحصيل، فالأموال المجموعة من أوجه غير شرعية تعتبر أموالا باطلة كأثمان المحرمات الخمر والميسر وثمن الكلب والخنزير وما إلى ذلك؛ لأن اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه.

ويوفق الاقتصاد الإسلامي بين المادة والروح، من خلال ارتباط الاقتصاد بالاخلاق والثقة والاطمئنان والتعاون في التعامل وفي التبادل والتوازن وفي رعاية المصلحة الاقتصادية للفرد والجماعة والاعتدال والتوسط في الانفاق والنهي عن الاسراف والتبذير.

ان الإسلام يقدر للعاملين نتيجة عملهم وكسبهم المشروع في الحياة، ويحقق مصلحة الفرد والجماعة، بل ويحثهم على السعي والعمل والكدح في ميادين الحياة الفسيحة. مع مراعاة الطهر والنزاهة، وإعطاء السائلين والمحرومين حقهم المعلوم، فتطيب نفوسهم وتنزع منهم الأحقاد.

نعم.. المال في الحقيقة هو مال اللّه، واللّه تبارك وتعالى هو الذي استخلف الانسان فيه، والسائل والمحروم إذا لم يُعط حقه في هذا المال يمتلئ قلبه حقدا وحسدا على الغني الذي منعه حقه، أما إذا أدى الأغنياء حقوق اللّه فيه؛ فإن الفقراء يشعرون أنهم أخوة لهم، وبهذا يعيش المجتمع المسلم حياة كلها وئام وصفاء لا ترف فيها ولاانانية أو نفعية خاصة.

ومن هنا نستطيع أن نعرف كيف ينظر الإسلام للمال، إنه ينظر إليه على أنه وسيلة لتبادل المنافع بين العباد ووسيلة للتعايش في الأرض، ولما كان الأمر كذلك فقد أقر الله تبارك وتعالى خاصية حب المادة وحب التملك للمال في الناس وهي طبيعة فطرية فطرهم عليها بل وحثهم على الطلب والتحصيل من هذه المادة على تفاوت طبقاتهم وسعيهم في طلب الرزق ونهاهم أن ينظروا لغيرهم نظرة حسد وكره لمن فضلوا عليهم في الرزق، وأمرهم أن يسألوه سبحانه وتعالى من فضله.

وَلا تَتَمَنوْا مَا فَضلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرجَالِ نَصِيبٌ مِما اكْتَسَبُوا وَلِلنسَاءِ نَصِيبٌ مِما اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ (النساء 32)

فجعل المال فتنة وامتحاناً وميدان سباق للخير والإحسان في الوقت نفسه، وجاءت الآيات الكريمة في كلا الوجهين تبين للناس ما ينفعهم في دينهم ودنياهم وتنهاهم أيضاً عن أن يجعلوا المال وجمعه من أي طريق كل غرضهم في الحياة بما لا يقبل المنافاة بين الآياتِ التي تشجع على الكسب والتحصيل، والآيات التي تهدد وتنذر الذين يكتَنِزون الأموال ولا يؤدون حق الله فيها، فآيات الفتنة والامتحان إنما هي في الحقيقة تنذر أولئك الذين جعلوا المال هدفا لذاته، وغاية كل غاية.

زينة وفتنة

لقد سمى اللّه تبارك وتعالى المال مرة زينة ومرة فتنة فقال جل ثناؤه الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (الكهف 46) وقال: إِنمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (التغابن 15).. فهو في الآية الأولى زينة الحياة الدنيا والزينة تغري- والزينة تلهي عن اللّه والدار الآخرة إلا من وفقه اللّه ولذا قال تعالى في الآية 9 من سورة المنافقون يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ؛ لأنه يعلم أن بعض العباد تشغلهم الأموال وتلهيهم عن ذكر اللّه، واللهو عن ذكره سبحانه وتعالى خسارة أيما خسارة، فأرشد عباده المؤمنين لتلافي تلك الخسارة الكبرى، ولا يكون ذلك إلا بمراقبة اللّه في السر والعلن، وأداء حقوق الله.

ويبقى الاقتصاد الإسلامي ممثلا الوسطية بين الموقفين المتطرفَين للرأسمالية والاشتراكية، فالاقتصاد الاشتراكي أو الماركسي كان قمة للنزعة المادية في الاقتصاد، وانهار هذا الاقتصاد بسبب قيامه على مبادئ وأصول غير صحيحة، والاقتصاد الرأسمالي ليس بأفضل من الأخير، فالرأسمالي يمثل النزعة المادية والاشتراكية كانت تمثل قمّة هذه النزعة، وليس بقاء الرأسمالي بعد الاشتراكي دليلاً على صلاحيته وقد بدأت بوادر الانهيار في الأزمة الأخيرة.

ومن رحمة الله بنا أن حدّد لنا الأصول والمبادئ العامة في كل مجال، وترك للبشر مهمة اشتقاق الصورة العصرية المناسبة لكل عصر، فالاقتصاد الإسلامي لو تبنيناه فمن الممكن أن نشتق له صورة تناسب المستوى الذي وصل إليه المجتمع العصري، إن المشكلة في جمود المسلمين وليس في جمود الإسلام، والإسلام ظل يستجيب للمجتمع في كل مستوياته في العصر الأول، ثم الحضارة الزاهرة أيام العباسيين والأندلس، ويمكن الآن أن يستجيب لحياتنا المعاصرة إذا استطعنا أن نتعامل معه بالطريقة التي يجب أن نتعامل بها، لان مفهوم النمو في الفكر الإسلامي يُعبر عن الزيادة المرتبطة بالطهارة والبركة وأجر الآخرة وإن لم يتجاهل مع هذا الحياة الطيبة في الدنيا.

بينما يركز مفهوم أي التنمية الغربية على البعد الدنيوي من خلال قياس النمو في المجتمعات بمؤشرات اقتصادية مادية في مجملها، حيث تقوم المجتمعات بالإنتاج الكمي، بصرف النظر عن أية غاية إنسانية، وتهتم بالنجاح التقني ولو كان مدمراً للبيئة ولنسيج المجتمع، وتؤكد على التنظيم الاجتماعي ولو أدى إلى الاضطهاد للآخر الغريب.

وفي الواقع فإن (التنمية) تعد من المفاهيم القليلة التي تجمع بين البعد النظري والجانب التطبيقي، وتستدعي الرؤية الفلسفية والغيبية للمجتمعات ومقاصد تطورها

التوازن الاقتصادي

لقد اعتبرت الشريعة الإسلامية العمل والإنتاج من مهام الإنسان الأساسية، وعدتهما واجباً لتحقيق المستوى اللاّئق من العيش، ولتوفير مستلزمات الحياة الخاصة بالفرد، وبمن هم واجب النفقة عليهم كالأبناء الصغار والزوجة والأبوين اللذين ليس لهما مورد للعيش، وبالتكاليف المالية الواجبة على الإنسان، كقضاء الدين، مثلاً..كما أمر القرآن الإنسان بالعمل والإنتاج بقوله: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكُلُوا من رزقه وإليه النشور (الملك 15). وقال فإذا قضيت الصّلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون (الجمعة 10).

وتكفّل القانون الإسلامي بتحقيق التوازن الاقتصادي في المجتمع الإسلامي، والحيلولة دون إثراء طبقة على حساب الآخرين وحرمانهم فحرم الاحتكار والربا والتلاعب بالأسعار والأجور.. وقد حدد القرآن هذه المبادئ بقوله: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فَلِلّهِ وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولةً بين الأَغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (الحشر 7). وقال والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (التوبة 36).

إن نظام الإسلام الاقتصادي أفسح المجال للعاملين والكادحين لمضاعفة- الإنتاج في شتى النواحي الاقتصادية والزراعية والصناعية والتجارية على السواء وأتاح الفرصة أيضا لتسخير جميع القوى الإنسانية الفردية منها والجماعية والآلية على طول الخط شريطة ألا تضر بالمصالح العامة لحساب المصالح الخاصة كما أن استثمار الأموال يجب أن يبعد عن الطرق غير المشروعة كالقروض الربوية طويلة المدى وقصيرة المدى وما شابه ذلك من احتكار وغش وتدليس.

تلك هي بعض الأسس التي يقوم عليها النظام الإسلامي لتنظيم حياة البشرية في شتى مجالات الحياة، ولن تصل الإنسانية كافة إلى ما تصبو إليه من سعادة وطمأنينة واستقرار، وتحقق معنى الخلافة في الأرض إلا إذا طبقت منهج اللّه العادل.