الوفاء خلق إسلامي يحمل جملة من المعاني الجميلة، يعني الإخلاص وحفظ العهد.. وعندما يكون الوفاء بين الزوجين يتحول إلى حق مشترك بينهما؛ لأنه إحدى الدعائم الأساسية لاستقرار البيوت وسعادتها.. كما أنه يجعل كلا من الزوجين يحمل حبا وودا ورحمة.. لكن الواقع الذي نعيشه يؤكد أن الوفاء أصبح عملة نادرة في حياتنا الزوجية فكم من زوج تخلى عن زوجته لأنها مرضت بعد أن عاشت معه سنوات طويلة من الكفاح، وكم من زوجة تخلت عن زوجها لأنه لم ينجب أو لأنه فقد عمله أو ضاع ماله في تجارة.
في البداية يوضح الدكتور مبروك عطية، الأستاذ في جامعة الأزهر، كيف يتحقق الوفاء في حياة الزوجين، ويقول: الحياة الزوجية متقلبة ما بين السعادة والشقاء والصفاء والخلاف، والزوجان المؤمنان إيمانا صادقا يجعلان من الوفاء سمة أساسية لحياتهما وحتى بعد ممات أحدهما.
والزوجة الصالحة الوفية تعين زوجها على مشاكل الحياة؛ فلا تتخلى عنه أبدًا، لقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها مثالا رائعا في صدق معونتها للنبي صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل والمال، وكذلك فعلت هاجر أم إسماعيل التي تحملت الوحدة وقاست البعد والألم طاعة لأمر الله وأمر زوجها إبراهيم.
أما الزوجة التي تطلب الطلاق من زوجها دون أسباب قهرية تجعل حياتها متعذرة أو متعسرة فإنها بذلك تدخل تحت حكم الحديث الذي ينهى عن كافرات العشير، فقد نسيت ما قدمه لها زوجها من خير، وتنكر ما نعمت به سنوات طوالا، وقد صح الحديث الذي رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط.
ويؤكد د.مبروك عطية أن الوفاء واجب في حياة الزوجين ويمتد حتى بعد وفاة أحدهما؛ ويقول: هناك مفهوم شائع بين الناس بأن الزوجة إذا توفيت ولم يتزوج زوجها بعدها فإن هذا من الوفاء والعكس.. وهذا ليس هو الوفاء بمفهومه الذي أراده الإسلام فقد تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة رضي الله عنها، وزوّج الرسول صلى الله عليه وسلم- ابنته أم كلثوم رضي عنها لعثمان رضي الله عنه بعد وفات ابنته رقية رضي الله عنها وتزوج علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها بسبع ليال.
ويضيف: لا يتحقق الوفاء بين الزوجين إلا إذا كانت هذه العلاقة منذ البداية سليمة وراسخة، ومن علامات وفاء الزوجة لزوجها التضحية والصبر وعدم إفشاء سره في حال غيابه وحسن تربية الأبناء. فقد قال الله تعالى: فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، وحفظ السر لا يتعلق بأمر معين بل هو كل ما يخص الزوج وكل ما هو أمانة عندها له أثناء غيابه، كما أنها مطالبة في حال غياب الزوج بأن تكون وفية له؛ فلا تعمل إلا ما يرضيه وما كانت تفعله في وجوده.
منزلة خاصة
الدكتورة سعاد صالح أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر ترى أن الوفاء بين الزوجين يجب أن يكون في أعلى صوره، خاصة في أوقات الأزمات والمشكلات الصعبة التي تعترض حياتهما الزوجية، وتقول: الزوج مكلف برسالة شاقة في بناء الأسرة فإذا ما عمل جاهدا لتأدية هذه الرسالة وأدى الحقوق الواجبة عليه فمن حقه أن تكون زوجته في قمة الوفاء له، ولا يوجد تعبير يؤكد هذا الحق أبلغ من قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم لو كنت آمرا أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها.
وتضيف إن الزوجة الوفية لزوجها تظل على عهد الحب والمودة وحسن العشرة وأداء الحقوق والواجبات للزوج في حال شبابه وصحته وغناه وتحافظ على وده وحسن معاشرته، فإذا تغيرت به الحال من صحة إلى مرض أو من شباب إلى شيخوخة أو من غنى إلى فقر فلا تتغير ولا تنتقص من دورها وحبها له بل تقف إلى جواره في كل الأوقات والأحوال والأزمات.
لكن هل الأزواج والزوجات مطالبون بكل هذا الوفاء فيما إذا كان أحدهما عقيما لا يستطيع الإنجاب؟
تقول د. سعاد صالح: هناك زوجات كثيرات ضربن المثل في حب أزواجهن والتمسك بهم وهم يعانون من العقم وتغاضين عن مشاعر الأمومة بمشاعر الحب والحنان والمتبادل مع أزواجهن خاصة أن عدم القدرة على الإنجاب أمر إلهي لا دخل لإنسان به وكذلك هناك الكثير من الأزواج الذين يرون في زوجاتهم عوضا لهم عن الإنجاب وعاطفة الأبوة فيلجأون إلى رعاية زوجاتهم ويستمر هذا الوفاء بعد ممات الزوجة أو الزوج، أما الزوج الذي يطلق زوجه لهذا السبب والزوجة التي ترفع أمرها إلى القاضي لتطليقها بسبب عدم قدرة زوجها على الإنجاب فهذا يعني في حد ذاته أن حياتهما الزوجية لا تقوم على الود والمحبة وأن التفاهم والرحمة اختفيا من حياتهما.
محنة كبرى
الدكتور محمد الشحات الجندي أستاذ الشريعة الإسلامية يرى أن الوفاء يتحقق في أسمى صوره بين الزوجين عندما يمرض أحدهما أو يصاب بمكروه، ويقول: الزواج ليس معناه أن يقدر الزوج زوجته يوم كانت تتمتع بالصحة والعافية فيتخذها زوجة لأنها قادرة على الوفاء بواجباتها الزوجية وحينما تمرض يرفض الاعتراف بفضلها ورد الجميل لها.
وكذلك الأمر بالنسبة للزوج فإن فترة المرض تكون أقسى لحظات الحياة عليه ويكون أحوج ما يكون لحب ووفاء زوجته التي يعمل ليل نهار طوال سنوات زواجهما من أجلها ومن أجل أولادهما.
ويشير د.الجندي إلى أن تخلي أحد الزوجين عن الآخر في وقت الشدة وعدم قيامه بواجباته تجاهه يسقط لهذا الطرف حقوقه عنده؛ لأن هذا يعد من النشوز، فالزوج الذي لا ينفق على زوجته في مرضها لا يحق له أن يطالبها بأي شيء من حقوقه الزوجية وكذلك الزوجة التي لا تعين زوجها في فترة مرضه لا يحق لها أن تطالبه بالنفقة عليها.
علموه لأولادكم
الدكتور علي المكاوي أستاذ علم الاجتماع في كلية الآداب جامعة القاهرة ينبه إلى حقيقة مهمة، وهي أن معظم الأزواج والزوجات لا يعرفون أن الوفاء حق للطرف الآخر عليه، ويقول: نحن لم نربِ أولادنا على الوفاء والتضحية لشريك الحياة، فالفتاة التي ترى أمها وفية لأبيها في حال صحته وشبابه وكثرة ماله فإذا شاب شعره وكبرت سنه ورق عظمه انقلبت وتطاولت عليه وقد يصل الحال بها إلى تسليط أبنائه عليه فتحرضهم على عدم الوفاء له والبر به لن تكون وفية هي الأخرى لزوجها لأنها لم تجد من يعلمها الوفاء للرابطة الزوجية، وكذلك الابن الذي يجد في والده رجلا وفيا لأمه عندما كانت تخدمه وترعى بيته وأولاده فإذا ما ابتليت بداء أو مرض أو حتى أغضبته في أمر بسيط تنكر لها وعاقبها.
ويشير د.المكاوي إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان مثالا للوفاء مع كل زوجاته حتى إذا ذبح شاة قال أرسلوا منها إلى أصدقاء خديجة، فذُكرت له يوما فقال: إني لأحب حبيبها فهذا هو النبي وفيا لزوجته بعد سنوات طويلة من مماتها لأنه لم ينس أنها هي الأخرى كانت وفية له في حياتها في بذلها السخي وعقلها الراجح وتضحياتها المتعددة.
وتحذر الدكتورة منى يحيى الرخاوي أستاذ الطب النفسي هي الأخرى من اختفاء الوفاء بين الزوجين وتأثير ذلك في الأبناء، فتقول: الأبناء بطبيعتهم يكونون أكثر تأثرا بوالدهم فإذا ما وجدوه يتخلى عن أمهم لأنها مريضة أو لأنها كبرت في السن ستتولد عندهم الروح الانتقامية تجاه أبيهم، خاصة وهم يرون أمهم مريضة وضعيفة ولا يستطيعون مساعدتها وكذلك الأمر إذا حدث مع الأب في حالة مرضه أو إفلاسه لكن قد يحدث العكس ويتخذون من هذا النموذج السيئ الذي وجدوه في أحد والديهم قدوة لهم يحتذون بها في المستقبل.
وتشير د.منى الرخاوي إلى أننا في حاجة إلى زرع خلق الوفاء في نفوس أولادنا منذ الصغر، فالأب يجب أن يعلم ابنه أن الرجولة معناها الوفاء والمعاملة بالمعروف ورد الجميل كما أن الزوجة يجب أن تغرس في بناتها الوفاء في علاقتها بزوجها وأهله بأن تكون صبورة متسامحة معه خاصة في أوقات الأزمات وتعلمها أن الوفاء ليس تكرما منها على زوجها بل حق له.