لذلك كان «الوفاء» مطلباً قرآنياً؛ حيث جاء القرآن الكريم يطالب به، ويحمل كثيراً من معانيه ومجالاته، كما أنه خلق نبوي كريم تحلى به الرسول العظيم ليكمل معالم شخصيته الفريدة؛ حيث وصفه خالقه بقوله: «وإنك لعلى خلق عظيم».
يقول العالم الأزهري د. محمد عبد الفضيل القوصي، عضو هيئة كبار العلماء: «الوفاء» فضيلة إسلامية حث عليها القرآن الكريم في العديد من آياته، ليميز شخصية المسلم بكل المعاني الجميلة، ويوفر له حياة آمنة مطمئنة مع كل المحيطين به.. ذلك أن «الوفاء» يجعل كل من يتحلى به محل ثقة واحترام الآخرين، ومن خلاله يثق الأفراد والجماعات ببعضهم البعض، وتجري العلاقات الإنسانية بينهم بروح الأخوة والمحبة.
عهد الله
ويضيف: تعددت معاني الوفاء وتنوعت في كتاب الله الخالد، ففي قول الحق سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود...»، دعوة قرآنية واضحة إلى ضرورة التزام المسلم بكل ما ألزمه الله به من فرائض وواجبات ومندوبات، وأيضاً العقود التي تقع بينه وبين آخرين في التعاملات اليومية، وأيضاً العهود التي قطعها الإنسان على نفسه، ولا تتنافى مع شريعة الله تعالى، فالعقد أو العهد الذي يجب الوفاء به هو ما وافق شرع الله، فإن ظهر في العقد أو العهد ما يخالف شرع الله رفض أو رد، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
وفي قوله عز وجل: «وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً» دعوة قرآنية صادقة إلى الالتزام والوفاء بالعهود التي بين الخالق وعباده، وأيضاً التي بين الناس، والوفاء بعهد الله يعني الالتزام بأوامره ونواهيه، وعهد الناس: ما يتعاهدون عليه من معاملات وعقود وغير ذلك مما تقتضيه شؤون حياتهم ومصالحهم في الدنيا.
وفي قوله سبحانه: «وبعهد الله أوفوا» أمر إلهي بالوفاء بكل ما أمر به -سبحانه- وعهد به إلينا من عبادات ومعاملات، وهذا ليس معناه أن يفي المسلم بكل ما تعاهد عليه مع آخرين، فالعقود والعهود التي تحتوي على ظلم أو باطل أو فساد غير جديرة بالاحترام، ويجب التخلص منها.
أنواع الوفاء
وانطلاقاً من النصوص القرآنية السابقة قسم بعض العلماء «الوفاء» إلى أنواع أهمها:
- الوفاء مع الله: فعلى المسلم أن يكون وفياً بعهده مع الله في أن يعبده وحده لا يشرك به شيئاً، وأن يبتعد عن طريق الشيطان الذي يدفعه إلى ارتكاب المعاصي.
- الوفاء بالعقود والعهود: فالإسلام يوصي باحترام العقود والعهود، وتنفيذ الشروط التي تم الاتفاق عليها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون عند شروطهم».
- الوفاء بالكيل والميزان: فالمسلم يفي بالوزن فلا ينقصه، لأن الله -تعالى- يقول: «ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم».
- الوفاء بالنذر: فالمسلم مطالب بالوفاء بنذره، وأداء ما عاهد الله عليه، ومن صفات أهل الجنة أنهم يوفون بالنذر، يقول الحق سبحانه: «يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً».
- الوفاء بالوعد: فالمسلم مطالب بأن يفي بوعده ولا يخلفه.. والرسول يحذر من نقض الوعد ويعتبره من أخلاق المنافقين فيقول: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».
خلق الأنبياء
وثمار فضيلة الوفاء- كما يقول د. أحمد عمر هاشم، أستاذ السنة النبوية، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر- كثيرة ومتنوعة ومن أهمها: التخلق بخلق يجلب لصاحبه رضا الله عز وجل، وهو خلق الأنبياء الذين اصطفاهم الله من خلقه، كما أن تخلق المسلم ب«الوفاء» يظهره دائماً بشكل كريم في عيون الآخرين.
والإنسان الوفي موطن ثقة واحترام وتقدير بين الناس، يقبلون على معاملته، ولا يرتابون في وعده، ويصدقونه ويحبونه، ويخلصون له الود، وشخصيته بينهم مرموقة، فهو موضع تقديرهم واحترامهم، يبادلونه حباً بحب، ووفاء بوفاء.. والمسلم الصادق الوفي هو الذي يكون عند عهده وشرطه عملاً بتوجيه الرسول -صلوات الله وسلامه عليه-: «المسلمون عند شروطهم».
ولكن ما جزاء من ينقض عهده ويخلف وعده؟
يقول د. هاشم: نقض العهد يؤدي إلى الضياع والخسران، ومن وثق عهده بيمين أو باتخاذ الله كفيلاً فإن هذا العهد يصبح عهداً مع الله، ونقضه إنما هو نقض لعهد ربه، وقد شبه القرآن من ينقض العهد بالحمقاء التي تغزل غزلها ثم تنقضه أوصالاً وأجزاء، قال تعالى: «وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون. ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم...».
ويضيف د. هاشم: من صور الوفاء التي ينبغي الحرص عليها «الوفاء في الكيل والميزان» وقد جاءت الدعوة إلى ذلك في قول الحق سبحانه: «ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً. وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلاً».
ومن الوفاء أيضاً أن يوفي الإنسان بنذره إذا نذر.. يقول سبحانه: «ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق»، وقوله سبحانه: «يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً».. وقال صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصه فلا يعصه»، فالوفاء بالنذر المباح من خصائص وأخلاق المسلم الصادق مع نفسه ومع خالقه.
الميثاق الغليظ
ومن الوفاء الذي يجب أن يعنى به المسلم أيضاً الوفاء بعهد الزواج الذي منحه الإسلام عناية خاصة ورعاية كبيرة؛ ذلك أن الله -عز وجل- وصفه بالميثاق الغليظ في قوله تعالى: «وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً».
ولذلك فإن الذين يتزوجون زواجاً عرفياً، ثم يتنكرون لمن غرروا بهن هم خائنون غادرون ليس لهم كلمة ولا خلق وسوف يحاسبهم الله على الأعراض التي انتهكوها.
ويقول د. هاشم: من حقوق المرأة على زوجها الوفاء لها، بأن يظل الرجل على العهد الذي بدأ حياته به مع امرأته، فالوفي حقاً لا يكون في أول حياته معها محباً ودوداً مخلصاً حميماً، ثم إذا كبرت أو تغيرت أو مرضت أو نحو ذلك يتنكر لها أو يعاملها معاملة غير كريمة، أو أن تدفعه أبسط الأسباب إلى طلاقها، أو إذا تغير عمله أو وظيفته ومنصبه إلى أعلى مما كان عليه يحاول أن يغير زوجته أو أن يطلق الأولى ليتزوج بثانية، فليس هذا من الوفاء الذي يجب أن يتسم به الزوج المسلم.
فالوفاء للزوجة حق من حقوقها التي يجب أداؤها لها في حياتها؛ وذلك باستمرار المودة والإخلاص وعدم التنكر لها، أو تغير المعاملة معها ومع صديقاتها، فقد ورد أن رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - استقبل امرأة عجوزاً ذات مرة خير استقبال، فلما قيل له في ذلك قال: «إنها كانت تأتينا أيام خديجة وإن كرم العهد من الدين».
وكان عليه الصلاة والسلام إذا ذبح شاة يقول: «أرسلوا إلى أصدقاء خديجة» وعن أنس رضي الله عنه.. أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أتى بالشيء يقول: «اذهبوا إلى بيت فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة».
عاقبة الغدر
وفي مقابل الوفاء بالعقود والعهود يأتي الغدر وهو رذيلة لا تتفق مع شخصية المسلم، لأن هذا السلوك يؤدي إلى تمزيق العلاقات بينه وبين الآخرين، بل إن نقض العهد من علامات النفاق. ويكفي أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الحكيم إنه «لا يحب الخائنين»، وقال كذلك «لا يهدي كيد الخائنين».. ويقول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه».
يقول الشيخ صبري عبادة، مستشار وزير الأوقاف المصري: الغدر من الرذائل التي نهى الإسلام عنها سواء أكان هذا الغدر تجاه مسلم أو غير مسلم، فالأخلاق الإسلامية لا تنتقي من يستفيد منها، فهي مطلوبة مع المسلم وغير المسلم وعندما التزم بها المسلمون الأوائل اكتسبوا ثقة واحترام وتقدير غير المسلمين، ومن خلال هذه الأخلاق الفاضلة دخل الملايين في دين الله الخاتم.
وقد جاء النهي عن الغدر كثيراً في القرآن والسنة، فالله -سبحانه وتعالى- يقول: «ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً»، ويقول أيضاً: «الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه».
فالغدر من صفات المنافقين الذين قال الله - سبحانه وتعالى - في شأنهم: «وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون».
والقرآن الكريم يخبرنا في مواضع كثيرة أن كل من مكر وخدع وكذب ونافق ولم يف بما وعد فهو خارج نطاق عفو الله ورحمته، وكل من وفى بعهود الله واتقاه فهو أهل لمحبته ورضاه.. فالله - سبحانه وتعالى - يتوعد الذين يخونون العهود، ويحلفون كذباً بالعذاب الأليم، وينعى على فريق من بني «إسرائيل» تحريفهم للكلم عن مواضعه، وأنذرهم بسوء المصير بسبب إدمانهم مخالفة الوعود ونقض المواثيق.