لم يكن سهلاً على المرأة اليمنية أن تتجاوز حاجز الممنوع بالانخراط في سلك الشرطة والجيش في ظل التقاليد التي غالبا ما تضع لها وظيفة رعاية الأبناء أو مشاركة الرجل في العمل الزراعي، لكن حضورها اليوم في القطاعين صار لافتاً، بعدما قطعت شوطاً كبيراً في هذا المجال الذي ظل حكراً على الرجال لعقود .
بعد عشر سنوات من تجربة الشرطة النسائية احتفل اليمن مؤخراً بتخرج أول دفعة من خريجات كلية الشرطة لتسجل هذه الدفعة أسماء أول يمنيات يحصلن على رتبة ضابط، بعدما فتحت السلطات باب القبول للعنصر النسائي في الكلية، سعياً لتأهيل كادر نسائي رفيع المستوى يلبي مقتضيات الأمن وتحولاته المتسارعة .
بدأ اليمن تجربته في الشرطة النسائية عام 2000 بتأسيس مدرسة للشرطة النسائية في العاصمة صنعاء، ومنذ العام الأول باشرت الشابات مهامهن في المرافق التابعة لوزارة الداخلية وفي المحاكم والمشافي والمطارات والجامعات والمباحث الجنائية وسجون النساء وغيرها من المرافق العامة التي تتطلب عناصر شرطة من النساء .
ورغم الاعتراضات التي واجهت التجربة في مهدها، إلا أن الحاجة إلى العنصر النسائي في منظومة الأداء الأمني كان دافعاً قوياً لصنعاء التي مضت بها قدما ما أسهم في تحويل الموقف الاجتماعي حيث بدا اليمنيون بعد سنوات من التجربة متقبلوين لفكرة المرأة الشرطية .
وشجع نجاح التجربة في عامها الأول المعنيين على الاستمرار في تأهيل الشرطيات في عموم المحافظات اليمنية، وتطورت التجربة بإسناد مهام قتالية إلى النساء عن طريق إلحاق العديد منهن في صفوف قوات مكافحة الإرهاب ثم السماح للنساء الالتحاق بكلية الشرطة .
ويشير المسؤولون اليمنيون إلى أن المستجدات والحاجات الأمنية، وبخاصة في ملف الإرهاب استدعت تأهيل فرق من الشرطة النسائية لتكون إحدى أذرع الدولة في ضبط الأمن .
ونتيجة للتوسع في الشرطة النسائية اتجهت صنعاء إلى إتاحة المجال للنساء للتسجيل في كلية الشرطة التي احتفلت مؤخراً بتخرج أول دفعة من الضابطات .
ويقول وكيل وزارة الداخلية لقطاع التدريب والتأهيل اللواء فضل عبدالمجيد إن الدفعة الأولى، شرطة نسائية، من حاملات الشهادات الجامعية، إضافة إلى نوعية جديدة في مجال العمل الأمني تمكن المرأة من نيل حقوقها كشريك للرجل في بناء المجتمع، وكذا مشاركتها في تقديم خدمات أرقى لكل النساء من أجل تحقيق الأمن والعدالة من خلال كوادر الشرطة النسائية المتخصصة .
حال فرق الكوماندوز النسائي لم يكن بعيداً عن هذه التجربة، إذ اتجهت صنعاء ونتيجة لدواعٍ أمنية إلى تأهيل كادر نسائي للمشاركة في العمليات الاقتحامية، ويقول المسؤولون إن المرأة اليمنية أثبتت قدرتها على خوض غمار المخاطر بالتحاق العديد من الفتيات في دورات تأهيل وتخرجت أول دفعة كوماندوز نسوية في إطار قوات مكافحة الإرهاب بعدما أشرف على تدريبهن مدربات أجنبيات .
وحققت فرق الكوماندوز النسائية اليمنية نجاحات في العديد من العمليات الاقتحامية للمنازل التي كانت تؤوي مطلوبين .
رغم المعارضة الواسعة التي واجهتها الحكومة اليمنية في توجهاتها الجديدة بالسماح للمرأة الانخراط في سلك الشرطة والجيش إلا أن التجربة مضت سريعاً، وخلال عشر سنوات جندت وزارة الداخلية آلاف الفتيات اليمنيات بعد تأهيلهن في مدارس الشرطة، وجرى توزيعهن على مختلف المرافق في عموم المحافظات .
ويقول المسؤولون إن الاعتراضات جاءت من بعض الأحزاب اليمنية، وبعض وجهاء القبائل التي رأت في إلحاق النساء في المجال العسكري أمراً يثير الشبهات ويتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي كونه يتعارض مع التقاليد والأعراف .
وذهب بعض الأطراف إلى القول إن توظيف النساء في مجال الشرطة والجيش يقلل من شأن القوات الأمنية من الذكور في الوقت الذي ترتفع فيه نسبة البطالة في وسط الشباب اليمني من الذكور أيضا، في حين رأى آخرون أن وجود الفتيات في معسكرات التدريب مسألة تحتاج إلى تفكير خصوصاً أنهن ربما يكن عرضة للتحرش والاعتداء، ناهيك عن أن الركون على النساء في مكافحة الجرائم والتحقيق والسجون يعرضهن للخطر .
ويؤكد وكيل وزارة الداخلية للشؤون المالية والإدارية اللواء الدكتور رياض القرشي أن هذه الاعتراضات سرعان ما تلاشت خصوصا، أن الجميع أدرك أن مهمة الشرطة النسائية تنحصر في القضايا التي تكون المرأة طرفا فيها سواء في عمليات التفتيش في المطارات وغيرها أو في السجون الخاصة بالنساء وكذلك التحقيقات وغيرها من المسائل المتصلة بالمرأة .
ويشير القرشي إلى أن المنتسبات في مدرسة الشرطة النسائية يخضعن لدورات تأهيل للقيام بمهام الشرطة في المنافذ والمؤسسات الحيوية وحيثما تقتضي الضرورة والمصلحة العامة .
تؤكد كثير من العاملات في مجال الشرطة النسائية أن هذه المجال كان حلماً بالنسبة إليهن وتحقق مع توجه الدولة نحو تأهيل الكادر النسائي في مجال الشرطة ما مكن المرأة من اكتساب الحقوق المشروعة والدّخول إلى معترك التنمية والمشاركة الفعالة مع أخيها الرجل في كل مناحي الحياة .
أفراح العنسي، حصلت على شهادة جامعية من كلية التجارة، لكنها فضلت الالتحاق تالياً بمدرسة الشرطة النسائية بعد افتتاحها مباشرة العام 2000 سعياً إلى تحقيق حلمها الالتحاق في المجال الشرطي .
وتقول العنسي إنها واجهت في بداية الأمر اعتراضات من بعض الأقارب، لكنها واجهت ذلك ونجحت في إقناع الجميع بخيارها وهي اليوم سعيدة، وتضيف: اليوم بدأ المجتمع يتقبل الأمر بعد أن لمس ايجابيات وضرورة وجود المرأة في هذا المجال وما تقدمه من خدمات للمرأة اليمنية والمجتمع ككل في مختلف مناحي الحياة .
وتؤكد رئيسة الشرطة النسائية في عدن العقيد علياء عمر صالح إن الشرطيات في اليمن حالياً يعتبرن جزءاً من منظومة العمل الأمني وصرن يشاركن في الحفاظ على النظام الاجتماعي والوقاية من الجريمة وتحقيق السكينة ويتساوين في مجمل الحقوق التي تعطى لزميلهن الشرطي .
وتشير إلى أن أبرز الصعوبات التي تواجهها المرأة اليمنية الملتحقة في سلك الشرطة عدم تفهم البعض لعمل المرأة في هذا المجال بحكم الثقافات الموروثة لكن المرأة اليمنية استطاعت في السنوات الماضية إقناع المجتمع بأهمية الدّور الذي تقوم به في مجال الشرطة النسوية، وصار الجميع اليوم يتقبلون أن تكون المرأة شرطية تمارس مهامها تماما كما أخيها الرجل .
وتوضح العقيد عليا أن الحاجة إلى المرأة الشرطية في اليمن لا يختلف عن الحاجة إلى الممرضة في المستشفى والمعلمة في المدرسة، فتلك تؤدي دوراً في ذلك القطاع وهذه كذلك تؤدي دورها على اعتبار أن وجود هذه الشرطة أصبح يشكل ضرورة حتمية لمواكبة مختلف المتغيرات التي تتطلب تطوير العمل الأمني في مواجهة حركة الجريمة .