شهدت اليمن خلال الأيام المنصرمة متغيرات مهمة في سياق الصراع الدامي واستمرار الأزمة السياسية الحادة، من شأنها أن تقلب المعادلة على الأرض عسكرياً، إذا ما أخذت هذه المتغيرات منحى تصاعدياً، وبالتالي يمتد تأثيرها على المستوى السياسي، لصالح المقاومة والحكومة الشرعية، التي تتصدى لانقلاب وتمرد جماعة الحوثي والرئيس المخلوع علي صالح.
كان الملفت في المشهد العام، ما طرأ من تطورات في المسار العسكري، حيث سجلت المقاومة الشعبية انتصارات مهمة في عدن وتعز ومأرب، خلال الأيام الثلاثة الأولى من الأسبوع المنقضي، الأمر الذي وضع أطراف الصراع أمام تحول، صب في صالح المقاومة والحكومة الشرعية، مقابل انكسار في صف تحالف صالح والحوثي، سيؤثر على مشروعهما الانقلابي.
ومثّلت سيطرة المقاومة بمعية وحدات من جيش الشرعية وبإسناد من طيران التحالف على ساحل عمران في محافظة عدن، يوم الأحد الماضي، انتصاراً نوعياً، باعتماده الهجوم بعد الدفاع والتصدي وإشراك مقاتلين مؤهلين ومسلحين جيداً، ولا يُستبعد أن يكون ذلك تمهيداً لما أعلنته مصادر في الحكومة الشرعية منتصف الشهر الماضي بتحرير المدينة، تمهيداً لتحويلها إلى منطقة «آمنة» وانتقال الرئاسة والحكومة لممارسة مهامهما انطلاقاً منها.
ومن شأن هذا المنعطف المهم في معركة عدن جنوب البلاد أن يغير إيقاع المواجهات في بقية جبهات المدينة ويحول ميليشيات صالح والحوثي إلى جيوب منكسرة، تدافع بما أوتيت من قدرة أو تلجأ عناصرها للاستسلام، إذا ما شعرت أن أسلوبها في الانتقام بالقصف العشوائي على الأحياء السكنية المأهولة والمنشآت في المدينة كقصفها مصفاة عدن مساء الاثنين الماضي أمر لن يجدي نفعاً، إلا إذا قررت أن تخوض مواجهة انتحارية أخيرة في المدينة.
معركة تعز هي الأخرى تأخذ أهميتها أيضاً من الموقع الجغرافي للمحافظة، الواقعة وسط البلاد، وبالتالي انتصار المقاومة فيها والسيطرة على مواقع كانت في قبضة ميليشيا المتمردين في مدخلها الغربي وداخل المدينة نفسها، واستمرار التقدم في هذا التصعيد، أصاب تلك الميليشيات بانتكاسة كبرى وسيساهم لاحقاً في قطع إمداداتها القادمة من الشمال نحو تعز والجنوب، خاصة بعد إعلان المقاومة في محافظة إب الالتحام بمقاومة تعز مؤخراً.
ويلاحظ أن عنصراً مهماً برز في المشهد العسكري في معركتي عدن وتعز وهو دخول مقاتلين مؤهلين ومزودين بالعتاد العسكري، كما في معركة تحرير رأس عمران في عدن والتحرك العسكري لوحدات الجيش الموالي للشرعية، التي تم تأهيلها قبل بدء معركة فك الحصار عن تعز من جبهة الضباب.
يذكر في هذا السياق إقدام الحكومة الشرعية على نشر لواء عسكري مؤهل وعالي التسليح، الخميس الماضي، في منطقة العبر، بمحافظة حضرموت، الأمر الذي عُدّ من الخطوات المهمة في المشهد العسكري، لجهة تمركز اللواء في المنطقة القريبة من قطاعات إنتاج النفط والغاز في محافظتي شبوة وحضرموت، التي تسعى ميليشيا صالح والحوثي التقدم إليها.
كذلك فإن استمرار المواجهات العسكرية في عدة جبهات بمحافظة مأرب يشكل ملمحاً جديداً في المشهد العسكري، حيث عجزت ميليشيا الحوثي وصالح ومنذ أكثر من ثلاثة أشهر عن السيطرة على أرض المواجهات واقتحام المحافظة الغنية بالنفط والغاز، بسبب المقاومة العنيفة في مناطق القبائل المدعومة من وحدات عسكرية موالية للشرعية وبإسناد من طيران دول التحالف.
وبالاتساق مع هذا المسار العسكري في محافظة مأرب، حققت المقاومة، الأحد الماضي، انتصاراً مميزاً بدحر ميليشيا الحوثي وصالح من منطقة الأشراف، التي كانت منطلقاً لعمليات المتمردين، وهي المنطقة التي تدين بولائها لجماعة الحوثي.
وبالتزامن مع العمليات العسكرية للمقاومة على الأرض في أكثر من محافظة يمنية، استمر طيران دول التحالف في استهداف مواقع عسكرية ومخازن أسلحة وتجمعات وتحركات ميليشيا الحوثي وصالح في العاصمة صنعاء والمحافظات الأخرى ومنها صعدة، معقل الحوثيين، وكذلك على المناطق الحدودية مع المملكة العربية السعودية، التي يقول الحوثيون إنهم ينطلقون منها في هجماتهم على الأراضي السعودية ومنها يرشقونها بالصواريخ.
وعلى المستوى السياسي والتحركات الأممية تجاه الأزمة في اليمن، كانت الهدنة الإنسانية، غير المشروطة فعلياً، هي العنوان الرئيس، مطلع الأسبوع، غير أنها تلاشت على وقع المواجهات العسكرية وقصف الطيران بعد انتهاكها من قبل ميليشيا الحوثي وصالح في أكثر من منطقة منذ الساعة الأولى لبدء سريانها المفترض، نهاية يوم الجمعة الماضي، وفي هذا الظرف بدت هيئة الأمم المتحدة ومبعوثها إسماعيل ولد الشيخ في أسوأ حال، وظهر جلياً عجزها في تأمين المقومات والضمانات اللازمة لنجاح الهدنة.
كما تزامنت في يومين متتاليين تصريحات لافتة لجهة هشاشة الهدنة قبل إعلانها، أولها لولد الشيخ وهو يغادر صنعاء الخميس الماضي حينما قال «خرجنا من الزيارة الثالثة لصنعاء بشيء من«التفاؤل الحذر»، في سياق إشارته إلى الهدنة المفترضة، وثانيها تصريح الناطق العسكري باسم دول التحالف وقوله إن الهدنة لا تعني دول التحالف، ليلحقهما زعيم جماعة الحوثيين عبدالملك الحوثي في خطابه يوم الجمعة، الذي قال فيه «أن ليس لديه أمل كبير بنجاح الهدنة، وأن مصيرها هو مصير الهدنة السابقة»، وذلك قبل ساعات فقط من البداية المفترضة للهدنة، التي لم يُلمس لها أي صلة بمواد أو مضمون قرار مجلس الأمن الدولي 2216.
وفشل تجربتي الهدنة الإنسانية في اليمن، يضع حداً مانعاً لأي محاولة أخرى، في هذا الاتجاه، إلا في حالة وجود متغير سياسي أو عسكري يفرض نفسه عملياً، ويكون بداية مفترضة لتحريك جوهري في مسار الأزمة والصراع الدامي.
وبقدر ما تراجع المسار السياسي المُعلن في اتجاه معالجة الأزمة في اليمن، ظل طرفاها يتربص كل بالآخر، وعكست التصريحات الصادرة من قيادات الفريقين اتساع الهوة بينهما وانعدام أي فرصة للقاء في منطقة وسط، غير أن أنباء عن مشاورات ومساع في الكواليس، بدوافع إقليمية ودولية، يتردد أنها تجري في عواصم عديدة باتجاه تسوية سياسية ما للأزمة تستوعب جميع الأطراف بما فيهم جماعة الحوثي، ما زالت تتسرب، لكن لا تأكيدات نهائية حاسمة حيالها من مصادر أو هيئات قيادية من الطرفين أو خارجهما، إلا أن أمراً كهذا ليس مستبعداً الإعلان عنه قريباً.
وفي السياق سجلت الحكومة الشرعية خطوة متقدمة في تحركاتها، بحصولها على تجديد الدعم المصري لها أثناء زيارة لافتة لنائب الرئيس اليمني د. خالد بحاح رئيس الحكومة إلى القاهرة يومي الأحد والاثنين الماضيين، وتوقيع الحكومتين على بروتوكولات تعاون في مجالات مختلفة، وذلك بعد زيارة بحاح إلى الأردن أيضاً.
بالمقابل لم يجد زعيم الحوثيين إلا التهديد بدعوة «القوى السياسية إلى سد الفراغ السياسي في البلاد، دون الانتظار للخارج»، ليلحقه الناطق الرسمي باسم الجماعة محمد عبدالسلام، عقب وصوله صنعاء السبت الماضي قادماً من مسقط، وكشفه إجراء وفد جماعته «مشاورات مكثفة مع القيادة العمانية وأطراف دولية» بالقول «كل ما طرحناه في تلك المشاورات هو وقف العدوان بشكل كامل وفك الحصار حتى تعود الحياة إلى طبيعتها ثم تحل المسألة السياسية»، فيما لا يزال صالح منذ فترة يلتزم الصمت ومختفياً، بينما يُحرك عدداً من أتباعه خارج البلاد تسويقاً لموقفه.