صنعاء - "الخليج":
جاء عجز الأطراف السياسية في التوصل إلى اتفاق حول تعيين رئيس وزراء جديد يخلف رئيس الوزراء اليمني السابق محمد سالم باسندوة، الذي استقال يوم سقوط العاصمة صنعاء في الحادي والعشرين من سبتمبر/ أيلول الماضي، ليعكس حالة الاحتقان القائمة في البلاد، فبعد مشاورات ماراثونية جرى طرح أسماء لعدد من المرشحين لخلافة باسندوة، إلا أن "عدم التوافق" كان هو السائد، ما أعطى انطباعاً من أن الأطراف السياسية لا تزال حذرة في التعاطي مع الوضع الذي استجد في البلاد بعد السيطرة الكاملة لجماعة الحوثي على العاصمة صنعاء .
ظهر إلى سطح الأحداث في الأيام القليلة الماضية خلافات جوهرية وحادة بين الرئيس عبدربه منصور هادي من جهة وجماعة الحوثيين من جهة ثانية، تخص عملية الانتقال السياسي في بلد مزقته الأزمات وأدخلته مرحلة جديدة من الصراع والفوضى، ذلك أن الحراك الذي تشهده البلاد يشير إلى أن اليمن مقبل على أزمات أكبر عمقاً مما مر به خلال السنوات الماضية، خاصة أن القوى الصاعدة، ونقصد بها جماعة الحوثي، بدأت في ممارسة مهام الدولة؛ فيما توارت الدولة نفسها وتركت هذه المهمة برغبة وبدونها لجماعة الحوثي .
خلال الأسابيع التي تلت استيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء، بدا أن مسلحيها لا يريدون التفريط ب "النصر"، الذي حققوه، لذلك انتشر الآلاف منهم في شوارع العاصمة وضواحيها لحماية هذا النصر، قابله تراجع عجيب وغير مفهوم لقوات الأمن والجيش، التي اختفى أفرادها من الشوارع، وتخلت عن وظيفتها الرئيسية والمهمة، وهي حماية أمن البلاد والمواطن نفسه .
في المواجهات السياسية بين الرئيس هادي وجماعة الحوثي، ظهر إصرار حوثي على إعطاء إشارات للداخل والخارج أن الجماعة وحدها من صارت تقرر مصير النظام السياسي، وتحت وقع الضغوط التي يمارسها مسلحوها على الدولة، يجد الرئيس هادي نفسه لأول مرة غير قادر على اتخاذ قرار يتعارض ورغبة جماعة الحوثي، تحاشياً على ما يبدو لتطورات أسوأ، مع يقينه أن الحوثيين يريدون العثور على أي عذر للهجوم على ما تبقى من خيط رفيع بينه وبينهم .
وقد اتضح السلوك الحوثي بعد القرار الذي اتخذه الرئيس هادي بتكليفه لمدير مكتبه الدكتور أحمد عوض بن مبارك لتشكيل حكومة الوفاق الجديدة، ذلك أن الحوثيين هددوا بالخروج إلى الشارع في حال لم يتراجع هادي عن قراره، وبالذات إلى ميدان السبعين القريب من دار الرئاسة للتعبير عن رفضهم للقرار، وكانت رسالة مبطنة لهادي أن إخراجه من دار الرئاسة أمر وارد وممكن .
ولم يتورع زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي من كيل الشتائم لرئيس دولته، حيث وصفه بأقذع الألفاظ، من بينها وصفه ب "الدمية"، كما اتهمه بأنه ينفذ أجندات خارجية، في إشارة إلى رضوخه لمطالب السفير الأمريكي بصنعاء، الذي قال الحوثي إن هادي قام بتكليف بن مبارك لتشكيل الحكومة وفقاً لرغبات السفير الأمريكي بعد ساعات قليلة من اللقاء به .
هذه المعطيات تؤشر إلى اختلال في العلاقة بين هادي وجماعة الحوثي، التي جنحت لمواجهات مفتوحة مع الجميع، بمن فيهم الرئيس هادي نفسه، الذي اضطر للرضوخ لمطالب الجماعة وإغلاق صفحة تعيين بن مبارك لرئاسة الحكومة والعودة من جديد للتشاور والاتفاق على شخصية جديدة تكون محل رضا الحوثيين أولاً قبل الرئيس هادي نفسه .
هذه التطورات التي تشهدها العاصمة صنعاء تؤكد حقيقة الوضع المتدهور في البلد ككل، ذلك أن جماعة الحوثي لا تريد أن تفك ارتباطها بالنصر الذي حققته خلال الأسابيع القليلة الماضية، بل إنها تعزز حضورها على الأرض بمزيد من الإجراءات الأمنية والسياسية والشعبية، من خلال مدّ جسور التحالف مع مختلف الأطراف الفاعلة في البلاد، باستثناء حزب التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمون)، الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين ضغوط الداخل والخارج معاً .
هذا الشعور بالنصر، الذي ولدته الانهيارات الكبيرة في صفوف قوات الجيش والأمن، وهي انهيارات غير قابلة للتفسير حتى اليوم، جعل الحوثيين في موقف أقوى من الدولة المنهارة أصلاً منذ ما قبل سقوط صنعاء نفسها، فقد لجأ الحوثيون إلى تشكيل ما تسمى "اللجان الشعبية" لتأمين العاصمة، وهي بمثابة ميليشيات تابعة للجماعة، وأصبحت تمارس مهام قوات الأمن في حفظ الأمن .
ويرى مراقبون أن اللجان الشعبية ليست سوى عبارة عن قوات أمن داخلية تابعة لجماعة الحوثي ويتم تهيئتها لتحل محل قوات الأمن، خاصة وأن الحوثيين تعمدوا أن يظهروا أفراد هذه اللجان وهم يرتدون زي قوات الجيش والأمن، وسط تأكيدات بضغط الجماعة على إدماجهم في الجيش والأمن ضمن خطة لاستيعاب 20 ألف عنصر من عناصر الجماعة في هاتين المؤسستين الأمنيتين .
هذه الأمور وغيرها دفعت خصوم الحوثيين إلى إعلان الاستنفار ضدهم، وبدا أن "تنظيم القاعدة" استنفر قواته وإمكاناته لنقل الصراع إلى مناطق نفوذ الحوثيين، حيث جاء الهجوم الذي استهدف تجمعاً للحوثيين في العاصمة صنعاء الخميس الفائت، ليعطي تأكيدات أن عهد الفوضى هو الذي يسود اليوم، وأن المعركة بين تنظيم القاعدة والحوثيين لا تزال في بداياتها .
إلى أين؟ هو السؤال الكبير الذي لا يزال من دون إجابة . لقد أراد الحوثيون أن يبسطوا نفوذهم على كامل الدولة، إلا أن خصومهم لن يتركوا لهم أن يقرروا مصير البلد وحدهم، هم يدركون جيداً أن اليمن لا يمكن أن يحكمه طرف وحده، والحوثيون يعتقدون أن هذا الأمر ممكن وأن عهد علي عبدالله صالح الذي حكم البلاد بالحديد والنار، يمكن أن يتكرر بنسخة ثانية .
هذا الاعتقاد تعززه سلوكيات الجماعة التي بدأت تمارس على الأرض مستبعدة خيار حل الأزمة بواسطة العمل السياسي، مفضلة الحل المسلح، الذي يبدو أنه صار المفضل لدى الحركة، بخاصة في الوقت الحاضر .
يناقش اليمنيون اليوم مستقبل البلد الممزق، وهم يدركون في أعماقهم أن الفوضى هي العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة، ما لم تتراجع جماعة الحوثي عن فرض أجندتها على بقية أطراف الحياة السياسية في البلاد، وهي الأطراف التي وقفت في ماضي السنوات مع حق الجماعة في ممارسة حقها السياسي والفكري والمذهبي في إطار تعايش سلمي .
يبدو خيار الفوضى هو المرجح في سلوك جماعة الحوثي، ليس فقط تجاه بعض القوى السياسية فحسب، بل تجاه رأس الدولة ورمزها، ونقصد الرئيس عبدربه منصور هادي، بقطع النظر عن كثير من الملاحظات عليه لجهة تراخيه وتردده في اتخاذ القرارات الجريئة لحماية الدولة، ذلك أن الحوثيين يعملون كل يوم على اتخاذ مزيد من الخطوات لإظهاره بمظهر الرئيس الضعيف، وأن مصيره مرتبط بقرار منهم وليس من غيرهم .
هذه الخطوات وغيرها من الخطوات التي تمارسها جماعة الحوثي، بخاصة منذ استيلائها على العاصمة صنعاء، لا تسمح للرئيس هادي وبقية القوى السياسية الفاعلة في البلد باتخاذ مزيد من المرونة تجاه الجماعة، لأن حجم التنازلات التي قدمتها هذه الأطراف تحت يافطة "عدم السماح بإدخال البلد في حرب أهلية"، لن تكون قادرة على الصمود لفترة أطول .
فوق ذلك كله هناك تململ بدأ يظهر في البلد من سلوك جماعة الحوثي، التي أرادت أن تؤكد أنها صاحبة الكلمة العليا في البلد، لكنها لا تدرك أنها بهذه الطريقة تقود البلاد إلى مزيد من الفوضى، خاصة أن أطرافاً أخرى ستسعد بهذا المسلك حتى يفتح الطريق لمواجهات شاملة على الأرض، ونقصد بذلك تنظيم القاعدة الذي بدأ يستعيد حضوره في المناطق السنية تحت شعار مواجهة "الروافض"، وذلك يعني أن تدخل البلاد مرحلة الفوضى الشاملة التي ستقود البلاد بلا شك إلى مرحلة الانهيار والتفكك .