عشرات الملايين من الأمريكيين يتكتلون في حركة مناهضة تنمو وتتكاثر وتعرف باسم اليمين المسيحي، والآن بدأت هذه الحركة في تحدي وتفكيك قواعد عصر التنوير العقلانية والعلمية الصارمة . فالملايين من أتباع اليمين المسيحي يعملون حالياً من أجل تكوين دولة ثيوقراطية، دينية، أساسها القانون الإنجيلي، ويعمل أتباع حركة اليمين المسيحي على إغلاق المنافذ في وجه من يسمونهم بالأعداء . وهذه الحركة التي تقترب وتميل بشدة نحو الفاشية التقليدية، تسعى لإرغام العالم للخضوع لإمبريالية أمريكا .
وحركة اليمين المسيحي تناصر محو وإزالة ما تعتبره انحرافات اجتماعية، وهذه الانحرافات تبدأ بالشاذين جنسياً، ثم المهاجرين، والعلمانيين وأنصار الحركة النسوية، والمسلمين، واليهود، وكذلك من ينعتهم اليمين المسيحي المسيحيين الشكليين والمقصود بهم المسيحيين الذين لا يتبعون تفسير اليمين المسيحي المشوه والابتداعي للإنجيل . أما أولئك الذين يحاولون مجابهة تمدد حركة اليمين المسيحي الجماهيرية، فإن مصيرهم الإدانة باعتبارهم منبع تهديد لصحة وطهر البلاد، ولذلك ينبغي بترهم .
أتباع العقائد التي تعتبرها حركة اليمين المسيحي، عقائد منحرفة، وتشمل اليهودية والإسلام، يجب إما قمعهم أو تحويلهم عن دياناتهم .
وفيما يتعلق بالميديا المنحرفة، والمدارس العامة المنحرفة، وصناعة الترفيه المنحرفة، والحكومة العلمانية والقضاء، وكذلك الكنائس المنحرفة، فسيتم تعديلها أو إغلاقها . وسيحدث ترويج لا هوادة فيه للقيم المسيحية، وقد بدأت بالفعل حملات الترويج في محطات الإذاعة المسيحية وقنوات التلفزة، وفي المدارس المسيحية أيضاً، حيث أصبحت الحقائق والمعلومات تُبدل ويتم إحلالها بأشكال صريحة من التعاليم المتطرفة التي تستهدف غسل الأدمغة . لقد بدأ إذاً الزحف الحثيث نحو إنشاء هذه الدولة المرعبة . لقد بدأت تتشكل في طرق أريزونا، وقنوات الكيبل الإخبارية، وتجمعات حزب حفلات الشاي، ومدارس تكساس العامة، ووسط صفوف الميليشيات وداخل الحزب الجمهوري الذي تتخطفه هذه الحركة المخبولة .
إليزابيث ديلينغ، التي ألفت كتاب الشبكة الحمراء، والتي كانت متعاطفة مع النازية، أصبح مقدمو البرامج الحوارية التلفزيونية التافهة من أمثال غلين بيك، يحضّون الجمهور ويطالبونه بقراءة مؤلفاتها . بينما يتم حالياً في المدارس المسيحية إغفال ذكر توماس جيفرسون الذي كان يؤيد فصل الكنيسة عن الدولة . والصراع الإسرائيلي الفلسطيني أصبح يعرف باعتباره جزءاً من الحرب الدولية على الإرهاب الإسلامي . وتشريعات للهجرة جديدة أشبه بقوانين جيم كرو العنصرية، تنتقل الآن من أريزونا إلى حيث يجري تدريسها في 17 ولاية أخرى .
وصعود الفاشية المسيحية، ذلك الصعود الذي نتجاهله بالرغم من خطورته، يقتاد من عجز طبقة ليبرالية مفلسة برهنت على إخفاقها في وقف العطالة المتزايدة، وحمايتنا من مضاربي وول ستريت، أو انتشال طبقتنا العاملة من وهدة الرهونات، والإفلاس والبؤس .
تمجيد العنف
وإلى جانب ذلك، يأبى الحزب الديمقراطي وقف الانتهاكات البشعة التي أجرتها إدارة بوش على القوانين الدولية والمحلية . وهذا يعني أن المسيحيين الفاشيين الساعين للسلطة سيمتلكون الآليات القانونية التي تخولهم اعتقال، وتعذيب، واغتيال المواطنين الأمريكيين والتجسس عليهم كما تفعل إدارة أوباما .
ولا يرى الناس الذين ما زالوا يعيشون في عالم الواقع هذه الأخطار التي تتربص بهم، ويعتقدون أنها مجرد خيالات بهلوانية . هؤلاء لا يحملون على مجمل الجد أناساً من أمثال بيك، المذيع المعروف وأحد مؤسسي حزب حفلات الشاي الذي يسعى ويتوق للثأر، ولتحقيق مجد جديد وبعث أدبياته، ولا تزال انتقادات حركة اليمين المسيحي تواصل العمل بوسائل المنطق، والبحث والحقائق، التي تحاول بها عبثاً التصدي للسخافات التي ينثرها المتمسكون بنظرية الخلق بحرفيتها كما وردت في الإنجيل وهؤلاء يعتقدون أنهم سيخلقون عراة في السماوات عندما يعود المسيح إلى الأرض . وهذا التفكير السحري الخيالي، والتفسير المعوج للإنجيل، والأوهام والتناقضات التي تعج بها منظومة معتقدات اليمين المسيحي لا تقيم وزناً للعقل والمنطق ولا يمكننا عبر الفهم العقلاني إيقاظ أتباع حركة اليمين المسيحي . نحن نائمون، ونحن الذين يجب أن نفيق من سباتنا العميق .
أعضاء حركة اليمين المسيحي يرون الحياة معركة ملحمية ضد قوى الشر، ويشعرون بأنهم ضحايا محاطون بقوى همها تدميرهم . ويعتقدون أنهم يعلمون وصايا الخالق وبإمكانهم تحقيقها، خاصة عبر العنف، ويسعون نحو هيمنة سياسية وثقافية كاملة .
ومن أبرز سمات ايديولوجية حركة اليمين المسيحي، خضوع الأعضاء التام لقادة الحركة الذين يزعمون أنهم يتحدثون نيابة عن الرب، وتحتفي الحركة بالرجولة وتمجد العنف، وهذا ما يجعلها جذابة للمسحوقين، إذ تعتبر بمثابة تنفيس عن غضب الملايين الذين يعيشون على حافة الفقر، وتعج أدبيات الحركة بفوبيا وبارانويا حول العالم الخارجي الذي تتصور أنه مملوء بمؤامرات، يصيغها بغرابة منظرو الحركة، وأبرز مثال على ذلك كتاب النظام العالمي الجديد الذي ألفه بات روبرتسون وحشده بعبارات الرهاب ضد الأجانب، وشن هجوماً قاسياً على المؤسسات الديمقراطية والليبرالية .
وتضج سلسلة الروايات التي يكتبها وعاظ اليمين المسيحي المشهورون مثل تيم لاهيي، وجيري جنكنز بالعنف .
وفي رواية المجد يلوح المبنية على تفسير لاهيي للإنجيل، وتكهناته حول عودة المسيح، يصف لاهيي وجنكنز عودة المسيح بمشاهد مروعة ينزع فيها المسيح العائد أحشاء الملايين غير المؤمنين .
وبالرواية توصيفات مطولة مملوءة بمشاهد الرعب والدماء، وسلسلة روايات (left BBehind) التي تشكل رواية المجد يلوح جزءاً منها، تحقق أرقام مبيعات هائلة في الولايات المتحدة .
ويعتبر المسيحيون الفاشيون أن العنف يجب استخدامه لتطهير العالم . ويدعون لحالة حرب أبدية . وها هو جيمس روبنسون الواعظ التلفازي الإنجيلي يقول: أي تعاليم حول السلام قبل عودة المسيح مجرد هرطقة .
نبوءة حرب العراق
ويعتقد أنصار اليمين المسيحي أن الكوارث الطبيعية، والهجمات الإرهابية، وحتى الحروب في العراق وأفغانستان، بمثابة علامات إرشادية على طريق المجد الإلهي .
ويصرّ أتباع اليمين المسيحي، على أن حرب العراق وردت في آخر أناجيل العهد الجديد المقدسة، فالنبوءات المقدسة في كتاب سفر الرؤيا أشارت إلى أربعة ملائكة يخرجون من نهر الفرات لذبح الرجال المارقين . ويبشر أتباع الفاشية المسيحية الجديدة بأن الاكتساح المقدس القادم حتمي ولا مناص منه، ويجب على الجميع الاستعداد له، والتأهب للقتال، والقتل وربما الموت في سبيله . ويقول المؤمنون بالفاشية المسيحية الجديدة إن الحرب العالمية، وحتى الحرب النووية، ينبغي التهيؤ لها، وعدم الخوف منها، بل الترحيب بها باعتبارها نذير عودة المسيح . المسيح الذي يرون أنه سيعود عنيفاً وسيقود جيوش الانتقام، التي ستقتل مئات الملايين من المارقين والملحدين بطريقة شنيعة ومروعة .
المدارس والمكتبات
وبالرغم من اتخاذ اليمين المسيحي قوالب بدائية ومتخلفة، إلا أنه يسعى بقوة للتدثر بالعلم والقانون لشرعنة خرافاته وأساطيره الخرقاء . والآن يقود اليمين المسيحي حملات ناجحة لتعديل الكتب والمناهج المدرسية كي تلائم أيديولوجيته .
وقد ناضل اليمين المسيحي ونجح في أن يرى كتبه العلمية، المناوئة للمراجع العلمية السائدة، تباع في المكتبات العامة في غراند كانيون، وتدرس في المدارس العامة في ولايات مثل تكساس، لويزيانا وأركنساس، وباتت نظريات الخلق والنشوء العلمية الحديثة الخاصة باليمين المسيحي تشكل وجهة نظر مئات الآلاف من طلبة المدارس والكليات المسيحية . وخرافات اليمين المسيحي العلمية تغالط وتلوث أبحاثاً مثل أبحاث الإيدز، والحمل والإجهاض، وترفض الاعتراف بقواعد ونظم علوم البيولوجيا، وعلوم الفضاء والجيولوجيا، والفيزياء، وعلوم دراسات العصور الحجرية والمتحجرات، وفي هذا السياق لا بد أن ندرك أن تدمير أنظمة المعتقدات العلمية الراسخة، يشكل ركناً أساسياً من أركان ابتداع الايديولوجيات الشمولية .
المفكر الشهير أوغستين الذي عاش في الفترة (430 354م)، عرف نعمة الحب بالعبارة اللاتينية ومعناها: أريدك أن تكون . وقد كتب أوغستين كثيراً حول معضلة أو لغز الآخر في العلاقات التي تؤسس على الحب . وحول الاختلافات العاطفية والثقافية الغامضة التي يتعذر فهمها . فالعلاقات المبنية على الحب والعواطف تلحظ أن للآخرين حق الوجود . وهذه العلاقات تتقبل وتعترف بالاختلافات والتباين . وهذا القبول يعني أن ليس ثمة جماعة أو حركة دينية أو اجتماعية، ينبغي لها احتضان الحقيقة المطلقة .
أما اليمين المسيحي فإنه ينظر لحرمة وقدسية الآخر باعتبارها لعنة وكارثة، لأنه يرفض القبول بشرعية أي معتقدات أو اتجاهات أخرى . فعصمة الحق أو التنزه عن الخطأ التي تعتبر المنهج الأساسي لليمين المسيحي ومصدر جاذبيته ستشتت إذا أصبحت مهددة من معتقدات أخرى .
والجدالات والنقاشات الأيديولوجية، والدينية والسياسية غير مجدية مع اليمين المسيحي، لأنه لا يتفاعل مع ولا يستجيب لأي حوار . فاليمين المسيحي أحاط نفسه بحصون منيعة ومحكمة، تقف في وجه أي تفكير أو نقاش عقلاني . والمحاولات الساذجة التي تهدف لإقناع اليمين المسيحي بأننا أيضاً لدينا قيمنا، والسعي لتهدئة حركة مصممة على تدميرنا، لا تقدم شيئاً سوى تمتين شرعية هذه الحركة وإضعاف موقفنا . فإذا لم يكن لدينا حق في الوجود، وإذا أصبحت شرعيتنا مهددة بواسطة حركة دينية تعتقد أنها تستمد سلطتها وأوامرها من الرب، حينئذ يصبح الحوار غير ممكن . وعند هذه النقطة لا بد من القتال من أجل البقاء .
والناس الذين ارتموا في أحضان هذه الحركة المسيحية الفاشية، يناضلون من أجل البقاء وسط بيئة تزداد عداواتها لهم . وأعتقد أننا خذلناهم وأحبطناهم، ومن المفترض أن نطالبهم بتسديد ثمن التخريب الذي يحدثونه .
وصعود حركة اليمين المسيحي يتم وسط أجواء الاختلالات المالية، والحركة تسهم في تفاقم بعض المشكلات المجتمعية مثل الانتهاكات الجنسية والإدمان، ولا بد من إدراك أن الفقر، واليأس والإحباط الذي يرتع فيه قسم كبير من أعضاء الحركة، حقيقي ومأساوي ومؤلم . وبالتالي لديهم ما يبرر غضبهم، وغيظهم، وعزلتهم . ولكن الخطورة تكمن في خضوعهم للاستغلال والتلاعب بهم من قبل قوى تسعى لتفكيك ما تبقى من ديمقراطيتنا، قوى تهدف محو التعددية وروح العيش الجماعي المشترك الذي كان سمة بارزة وراقية من سمات مجتمعنا .
البرابرة قادمون
والشرارة التي قد تقدم حريق اليمين المسيحي، وتفجر غضبه الكامن، قد تأتي من خلية إرهابية صغيرة لمتطرفين . وقد تكون في أيدي مضاربي وول ستريت الجشعين الذين يقامرون بأموال دافعي الضرائب في كازينو الرأسمالية العالمية . هجوم إرهابي آخر، أو انهيار اقتصادي ثان سيكون بمثابة حريق الرايخستاغ (حريق مبنى البرلمان الألماني الذي تسبب في اعتلاء النازيين سدة الحكم) . الفاشية المسيحية متلهفة لحجة تمكنها من مسح ما تبقى من مجتمعنا المنفتح .
علينا ألا نقف مكتوفي الأيدي، ننتظر ونترقب بسلبية، فالبرابرة قادمون، إنهم يزحفون ببطء، علينا إذاً التأهب لمجابهتهم . علينا أن نقاتل من أجل تنفيذ إصلاحات اقتصادية تسعف عمالنا ومهنيينا . فلنعد دمج هؤلاء المحرومين في اقتصادنا، وعلينا أن نمنحهم آمالاً واقعية لمستقبلهم . الوقت يمضي سريعاً، وإذا لم نتحرك ونعمل بجد، سيستغل الفاشيون الأمريكيون، الذين يعلقون الصلبان، ويلوحون بالأعلام الأمريكية ويحلفون قسم الولاء والطاعة في حشود جماهيرية، سيستغلون هذا السخط لمحقنا وتدميرنا .
* صحافي أمريكي معروف، ومؤلف كتب، عمل مراسلاً حربياً، وتخصص في الشؤون السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط والولايات المتحدة، وإلى جانب كتاباته يعمل هيدجيز حالياً محاضراً في المعهد الوطني في نيويورك .
ترجمة: محمد إبراهيم فقيري