الغضب خلق زرع في الإنسان، مثل الحلم والضحك والبكاء، وغيرها والغضب جماع الشر، وباب من أبواب النار الثلاثة: باب شبهة تورث شكاً في دين الله، وباب شهوة تورث تقديم الهوى على طاعة الله ومرضاته، وباب يورث العدوان على خلقه، وهو فضلاً عن ذلك خلق الحمقى، ومصدر كل تصرف أهوج، يكون المرء فيه أسلس قياداً للشيطان، وهو خلق يفقد الإنسان صوابه ويسلبه عقله، وقد يمنعه من قول الحق أو القبول بما هو حق، وكان من روائع دعائه ومن جوامع كلمه قوله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا (رواه أحمد) .

والغضب طبع بشري فطري لا يمكن دفعه، لكن يمكن الحد من آثاره، وأول ذلك أن يتدرب المرء على أن يكظم غيظه، والناس منهم من يكظم غيظه ويوقفه عند حده، ومنهم من يعفو عمن أساء إليه، ومنهم من يرتقي به سمو خلقه إلى أن يقابل إساءة الغير بالإحسان إليه، ولذلك امتدح الله تعالى عباده المؤمنين الذين يملكون أنفسهم عند الغضب، يغفرون ويصفحون ويحلمون ويعفون، بقوله تعالى: والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (الشورى: 37)، وقال تعالى: الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (آل عمران: 134) .

لا تغضب

والغضب خلق حذرنا منه صلى الله عليه وسلم، وعلمنا كيفية الخروج منه، وقد بوب البخاري باباً تحت عنوان الحذر من الغضب، وروى فيه بسنده عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما تعدون الرقوب فيكم؟، قلنا الذي لا يولد له، قال صلى الله عليه وسلم: ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئاً، قال: فما تعدون الصرعة فيكم؟، قلنا: الذي لا يصرعه الرجال، قال صلى الله عليه وسلم: ليس بذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب .

كما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تغضب، فقال الرجل: أوصني، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تغضب، فقال الرجل: أوصني، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تغضب، كررها مراراً، وكذلك بوب مسلم باباً في صحيحه تحت عنوان باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب روى فيه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب .

ويخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن أجر الكاظم غيظه فيقول: من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله تبارك وتعالى على رؤوس الخلائق، حتى يخيره من أي الحور شاء، ويقول صلى الله عليه وسلم ما تجرع عبد جرعةً أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله عز وجل .

علاج الغضب

ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن خلق الغضب، وبيان آثاره الضارة، بل دلنا صلى الله عليه وسلم على الوسائل والعلاجات التي يستعين بها الإنسان للتخفيف من حدة الغضب، وتجنب غوائله، ويعلمنا الهدي النبوي والخلق القويم أنه إذا جاءك الغضب فعليك أولاً: اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء، والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الذي يوقد جمرة الغضب في القلب، يقول الله تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، فالإنسان الغاضب عندما يستعيذ بالله تعالى من الشيطان إنما يعتصم بعظمة الله تعالى ويلوذ بها، ويستحضرها في نفسه لما في ذلك من طرد للشيطان ودحره، وإبطال مكره، ومن ثم يسكن الغضب وتهدأ ثورته بإذن الله تعالى، وقد روي مسلم عن سليمان بن صرد، قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتدري ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفاً؟ قال: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال له الرجل: أمجنوناً تراني .

ومن الخلق النبوي الشريف عند الغضب أن يلتزم العبد الصمت ويمنع نفسه من الكلام، حتى لا يقع في ما لا تحمد عقباه من بذيء اللفظ، وسيئ الكلام سباً، أو شتماً، أو سخريةً، أو نحو ذلك، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: علموا ويسروا ولا تعسروا، وإذا غضبت فاسكت، وإذا غضبت فاسكت، وإذا غضبت فاسكت .

ومن الهدي النبوي أن يلتصق الغاضب بالأرض لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه؟ فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق بالأرض، والغرض منه تجميد كل حركة يمكن أن تنجم عنها آثار غضبية مادية، والمقصود هو تغيير الهيئة التي عليها الغاضب، بأن يقعد إذا كان واقفاً، ويضطجع إذا كان جالساً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع، فمن الأدوية الهامة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم لعلاج الغضب، والتخفيف من حدته، أن يغير الإنسان الوضع الذي كان عليه حال الغضب، ومن وسائل تخفيف الغضب الوضوء، فعن عطية السعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ .

وكما قيل بحق فإن الغضب جمرة من نار، فحق على الغاضب أن يكثر من الاستغفار ومن ذكر الله تعالى، فإن ذلك يعينه على طمأنينة القلب وذهاب فورة الغضب: ألا بذكر الله تطمئن القلوب، كما أن في ذلك تذكيراً للنفس الغاضبة بعظمة الله جل في علاه وقدرته، وحثاً على الخوف منه سبحانه، لاسيما متى كان غضب الإنسان على من هو قادر على عقابه والانتقام منه، وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: أول الغضب جنون، وآخره ندم، وربما كان العطب في الغضب .