يتميز الإنسان عن باقي المخلوقات بالقدرة على تصور الأشياء غير الحاضرة أمامه، وبناء على المعلومات والوصف يستطيع أن يشكِّل في ذهنه قدراً معتبراً من موقف ما ويستخلص نتائج تساعده في رؤية هذا الموقف الذي لم يشهده. وفي القرآن الكريم تشبيهات يغلب عليها التصوير الحسي الذي يجعل المشهد المحسوس حياً متحركاً وبارزاً مشخصاً.
هذا ما سنتحدث عنه في حلقات من خلال دراسات وتفاسير وآراء لعدد من علماء علوم القرآن.
«فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين».. (آل عمران: 39).
نحن اليوم بصدد مشهد غير عادي، يحمل مظهراً من مظاهر طلاقة المشيئة الإلهية، وعدم تقيدها بالمألوف للبشر، فقد دعا زكريا العابد عليه السلام أثناء صلاته في المحراب أن يرزقه الله الولد، والذي بعثه على الدعاء أنه رأى ولادة امرأة عمران ابنتها مريم، وقد كانت عاقراً، فانبعث في نفسه رجاء أن يرزق بولد حتى وإن كان شيخاً كبيراً وامرأته عاقراً، قال المفسرون: «إن ما حدث لامرأة عمران حيث ولدت ابنتها مريم عليها السلام مع أنها كانت عاقراً كان دافعاً لأن يدعو الله أن يهب له ذرية طيبة، وهو على يقين بأن قدرة الله فوق كل قوانين الطبيعة والبشر».
يعرض القرآن الكريم مشاهد غاية في الدقة واختيار المفردات وبلاغة التعبير، تتعلق بهذه النخبة المختارة من البشر، التي اصطفاها سبحانه وتعالى وجعلها ذرية بعضها من بعض، يقول محمد جمال الدين القاسمي في كتاب (محاسن التأويل): «من أهم الموضوعات التي يركز عليها سياق الآية تصوير حال المؤمنين مع ربهم، وتتمثل هذه الصور الوضيئة في حديث امرأة عمران مع ربها ومناجاته في شأن وليدتها، وفي حديث مريم مع زكريا، وفي دعاء زكريا ربه، وفي رد الحواريين على نبيهم، ودعائهم لربهم، حتى إذا انتهى القصص جاء التعقيب متضمناً وملخصاً هذه الحقائق في مشهد حواري، معتمداً على وقائع القصص في تقرير الحقائق التي يقررها، فيتناول حقيقة عيسى - عليه السلام - وطبيعة الخلق والإرادة الإلهية، والوحدانية الخالصة».
بشارة الملائكة
ها هو ذا (زكريا) الشيخ الكبير وزوجه العاقر التي لم تلد في صباها.. ها هو ذا تجيش في قلبه الرغبة الفطرية العميقة في الإنجاب، وهو يرى بين يديه مريم البنية الصالحة المرزوقة، فيتوجه إلى ربه يناجيه، ويطلب منه أن يهب له من لدنه ذرية طيبة، وقد استجيبت الدعوة المنطلقة من القلب الطاهر، الذي علق رجاءه بمن يسمع الدعاء ويملك الإجابة حين يشاء، وبشرت الملائكة زكريا بمولود ذكر، اسمه معروف قبل مولده (يحيى)، وصفته معروفة (سيداً كريماً وحصوراً)، يحصر نفسه عن الشهوات، ويملك زمام نزعاته من الانفلات، ومؤمناً مصدقاً بكلمة تأتيه من الله، ونبياً صالحاً في موكب الصالحين.
اختلف العلماء في معنى (الحصور) فقيل: هو الذي يكف عن النساء ولا يأتيهن مع القدرة ؛ وهو الأصح لأنه مدح وثناء عليه، وعلى هذا يكون يحيى كافّاً عن النساء عن قدرة، وقوله تعالى على لسان زكريا عليه السلام: «أنّى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر»، يعني أن من بلغ من السن ما بلغت لا يولد له، وقيل: إن زكريا، عليه السلام، يوم التبشير كان كبيراً، وكان يوم بشر بالولد ابن عشرين ومئة سنة، بينما امرأته كانت بنت ثمان وسبعين سنة.
نادته الملائكة في أجمل لحظات لقاءاته مع ربه، وحينما دعا، أخذ ما علمه الله للأنبياء، وفي ذلك ذكر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في تفسيره، أن زكريا توجه إلى السماء مناجياً ربه وذهب بقلب خاشع إلى الصلاة لخالق الأسباب، إنه ذهاب إلى المسبب، إن زكريا قد دعا الله في الأمر الذي أحزنه، وبمجرد أن دعا في الأمر نادته الملائكة وهو قائم يصلي، ولم تنتظر الملائكة إلى أن ينتهي من صلاته، والبشارة هي إخبار بخير زمنه لم يأت، فإذا كانت البشارة بخير زمنه لم يأت، فلنرَ من الذي يخبر بالبشارة؟ أمن يقدر على إيجاده أم من لا يقدر؟ فإذا كان الله هو الذي يبشر، فهو الذي يقدر، لذلك فالمبشر به قادم لا محالة، لقد قال له الله سأعطيك، وزيادة على العطاء سماه الله بـ(يحيى).
أول أتباع عيسى
لقد علق زكريا رجاءه بمن يسمع الدعاء ؛ ويملك الإجابة حين يشاء، واستجيبت الدعوة المنطلقة من القلب الطاهر، وبشرت الملائكة زكريا بمولود ذكر، اسمه معروف قبل مولده (يحيى)، وصفته معروفة كذلك.. سيداً كريماً وحصوراً، يحصر نفسه عن الشهوات، ويملك زمام نزعاته من الانفلات، ومؤمناً مصدقاً بكلمة تأتيه من الله، ونبياً صالحاً في موكب الصالحين، لكن زكريا لشدة لهفته على تحقق البشرى، ولدهشة المفاجأة في نفسه، راح يطلب إلى ربه أن يجعل له علامة يسكن إليها، فما أجدر الإنسان أن يتأدب في جناب الله، وما أجدره أن يلتزم حدود طبيعته وحدود مجاله، فلا يتخبط في التيه بلا دليل، وهو يتحدث عن الممكن والمستحيل، وهو يضع لمشيئة الله المطلقة إطاراً من تجاربه هو ومن مقرراته هو ومن علمه القليل.
كان الحوار الذي دار بين زكريا والملائكة فيه بشرى وفرح واستماع بلهفة لما يخبر به، يقول ابن كثير في تفسيره: «إن الملائكة خاطبته شفاهاً، خطاباً سمعه وهو قائم يصلي في محراب عبادته ومحل خلوته ومجلس مناجاته وصلاته، ثم أخبر بما بشرته به الملائكة «أن الله يبشرك بيحيى»؛ أي بولد ولد لك من صلبك اسمه يحيى، ويقول قتادة: «إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإيمان، وقوله: «مصدقاً بكلمة من الله»؛ أي عيسى ابن مريم عليه السلام، وقيل: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم وقد كان يحيى وعيسى ابني خالة وكانت أم يحيى تقول لـ(مريم): «إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك؛ فذلك تصديقه له في بطن أمه».
مشاهد قرآنية
بالمشيئة الإلهية.. العاقر تلد «يحيى»
11 نوفمبر 2016 03:48 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 نوفمبر 05:30 2016
شارك