حوار: مها عادل

حينما تتحوّل ما تسمى الإعاقة إلى تمكين، ويتحوّل ما يوصف بالعجز إلى قدرة على مساعدة النفس وتقديم العمل للآخرين، يصبح الإنسان نموذجاً يحتذى به وبطلاً حقيقياً ومثلاً وقدوة تستحق التكريم والتقدير.
بدرية الجابر من النماذج المضيئة، فهي إماراتية من أصحاب الهمم وضعاف السمع، ولكنها تحدت إعاقتها وساعدت زملاءها من الصم كعضو في المجلس الاستشاري لأصحاب الهمم ومعلمة للصم بمركز دبي لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم، ورئيسة اللجنة النسائية للصم وإدارية في نادي دبي لأصحاب الهمم، وعضو بلجنة تحكيم اختبارات مزاولة مهنة مترجمي لغة الإشارة، وتم تكريمها مؤخراً ضمن «أوائل الإمارات»، وحصلت على لقب المعلمة الأولى، وحرصنا على التعرف إليها عن قرب.
تقول بدرية عن طفولتها ونشأتها: ولدت في أسرة تتكوّن من 5 إخوة من الصم، ولي أيضاً أولاد عمومتي من الصم، أما والدي ووالدتي فهما من المتمتعين بنعمة السمع، فأنا منذ ولادتي وأنا من ضعاف السمع، ولكني كنت محظوظة بما حظيت به من أسرتي من الدعم والاحتواء والعطف والتوجيه والإرشاد، وحرصوا على تثقيفي وتعليمي، فكان والدي يحفزني على القراءة ويعيرني الكتب من مكتبته الخاصة، بالإضافة إلى الاستعارة من المكتبات الخارجية، واستفدت من هذا التأهيل كثيراً في حياتي المستقبلية.
وهناك موقف معين بحياتي خلق التحدي داخلي وملأني إصراراً على النجاح بحياتي، إذ كنت في احتفال مع الأسرة، وكانت هناك سيدة بعمر الشباب تعاني الإعاقة الذهنية البسيطة، ولكنها تزوجت وانفصلت عن زوجها بسبب عدم قدرتها على تحمّل المسؤولية، وفوجئت بمن يوجه لي حديثه قائلاً لي: «انتبهي فأنت أيضاً ستحظين بنفس المصير من الفشل في الزواج وفي التعليم، فمواجهة الحياة بظروفك ستكون صعبة للغاية»، وكانت هذه الجملة هي الحافز والدافع أن أكون الاولى بصفوفي الدراسية وأن أتحدى كل الصعاب.
وعن معاناتها في المراحل التعليمية الأولى ومشوار نجاحها دراسياً تقول: التحقت بروضة أطفال عام 1977 بمدرسة عادية مثل باقي الطلاب حتى الصف الأول فقط، إذ واجهت صعوبة شديدة في فهم ما تقوله معلماتي، ولا يوجد أي وعي بكيفية التعامل مع أصحاب الهمم بالمدارس، ولم يكن هناك مدارس مخصصة للصم في ذلك الوقت، واستمر هذا الوضع إلى أن علمت بوجود مدرسة الأمل تختص برعاية الصم، لأنها تابعة لمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية والتحقت بها، ولكن لم أنتقل إلى الصف الثاني، ولكن التحقت بالصف الأول مرة أخرى لتأسيسي مثل باقي الطلبة، وكانت فرحتي كبيرة بوجود أصدقاء مثلي لأتواصل معهم يومياً وبسهولة فهم دروسي وقدرة المعلمين على التواصل معنا بالإشارات البسيطة الوصفية والإيماءات، كما أن جلسات التخاطب ساهمت في تحسين قراءة الشفاه والتحدث بشكل مبسط وتعليم لغة الإشارة أيضاً، واستمررت مدة 3 سنوات بمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية إلى أن تم انتقال أسرتي إلى إمارة دبي وكان من الصعب الذهاب يومياً إلى الشارقة، فانتقلت إلى مركز دبي للرعاية والتأهيل لأصحاب الهمم، وهو يختص برعاية الصم وضعاف السمع حتى تخرجت فيه. وعن صعوبات التحاقها بالجامعة تقول بدرية الجابر: بعد التخرج اكتشفت أنني لا استطيع الالتحاق بالجامعة لعدم وجود فرصة للصم بها وغياب مترجمي الإشارة بالجامعات، مما سبب لي الحزن الشديد.
ومع بداية ظهور الإنترنت بهذا الوقت واستخدام أجهزة الكمبيوتر، حرصت على الاطلاع على المواقع للبحث عن أقرانى من الصم داخل الدولة وخارجها، ووجدت منتدى للصم وبدأت أتعرف إلى صديقات مثلي من الفجيرة ودبا ورأس الخيمة وشعرت أنني لست وحيدة. ومع ظهور الهاتف النقال، كنت لا أستطيع التواصل باللغة الإنجليزية أو كتابة نص إنجليزي أو رسائل، فاتفقت مع صديقاتي باستخدام الأرقام في الرسالة وكل رقم يدل على معنى محدد، مثل رقم 1 لقاء قريب أو مكان محدد، رقم 2 يعنى شيء آخر، وهكذا وكان وقتها لا يسمح لنا بالمقابلات الشخصية نظراً للعادات والتقاليد التي كانت تمنعني من الذهاب للقاء أصدقائي دون وجود أبي معي.
عن مشوار نجاحها في الحياة العملية وتمكينها بوظيفة بالدولة تقول: التحقت بوزارة العمل بدبي كموظفة على الآلة الكاتبة لمدة 10 سنوات، وكنت في عمر 18 عاماً، وبعد عامين تزوجت في عمر 20عاماً، وبدأت حياتي في التغير، وانتقلت إلى عمل آخر داخل وزارة العمل ككاتب لمدة 7 سنوات.
وخلال هذه الفترة تم إنشاء نادي دبي للمعاقين، وفي البداية واجهت صعوبة في إقناع زوجي بالالتحاق به، ولكنه بعد إصراري وافق على انضمامي للنادي، وكان تجمعنا به بعد العصر، كنت انتهي من الدوام وأذهب للمنزل لرعاية أسرتي، وكنت في النادي أناقش المشكلات التي يواجهها زملائي وزميلاتي من الصم، ونبحث سوياً عن حلول، وكنت أقرأ كثيراً لأثقف نفسي وأنصحهم، وحصلت على دورات تعليمية وتدريبية لتطوير مهاراتي.
وبعدها تم ترقيتي في العمل ثم جاء قرار من الوزارة بنقلي من وزارة العمل بدبي للعمل مدرسة للأطفال الصم بمركز دبي لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم، وهو نفس المركز الذي كنت أتعلم به في طفولتي، عدت للمدرسة وعملت بها معلمة بعد أن كنت طالبة، وبدأت عملي الجديد ونجحت به لأنني كنت أتعامل مع الأطفال الصغار من الصم وضعاف السمع، وأستطيع توصيل المعلومات بسهولة لهم بطريقة الإشارة البسيطة لعدم توافر قاموس إشاري وقتها، ونجحت بعملي كمعلمة، ولكني لم أتوقف عن البحث وتطوير مهاراتي كمعلمة الصم، فأقوم بتوعيتهم اجتماعياً وثقافياً.
عن كيفية حصولها على الجائزة ومدى اعتزازها بها تقول: كنت أتطلع وأتابع أخبار جوائز أوائل الإمارات، فقد كان حلمي أن أقابل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلّحة، وأحظى بصورة تذكارية مع سموهما، وكنت أشعر بأنه حلم بعيد المنال، ولكن بعد تشجيع أسرتي وأصدقائي من الصم تقدمت للمسابقة، ولم أكن واثقة من الفوز خاصة لأني لا أحمل شهادة جامعية، ولكن بدعم ممن حولي وترديدهم دائماً أني استحق، لأنني من أوائل الصم الفاعلين بالدولة، وكنت دائماً أخصص جزءاً من وقتي لتوجيه وتعليم أخواني من الصم، فتتبعت حلمي وانتظرت حتى جاءت اللحظة التي لن أنساها أبداً، حينما جاءني اتصال على الهاتف من مكتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ولكن لعدم قدرتي على الحديث أرسلوا لي رسالة نصية بفوزي بالجائزة كمعلمة أولى للصم، وحدثتهم أختي هاتفياً نيابة عني، وتأكدت من الخبر فلم أصدق نفسى أنني حققت حلمي، وفي لحظة التكريم شعرت بفرحة عارمة.
ويعد حصولي على هذا التكريم فخراً وحافزاً لأن استمر بالعطاء أكثر.


أحلم بعضوية المجلس الوطني

تقول بدرية الجابر عن أهم طموحاتها: أتمنى حصولي على عضوية المجلس الوطني الاتحادي، لإثبات أن الصمّ وضعاف السمع قادرون على إثبات وجودهم، وإننا لسنا مهمشين، بل فاعلون في المجتمع، وأتمنى زيادة وعي الأسر، وتوجيهها ومساعدتها لتقديم رعاية أفضل لأبنائها من الصم، وزيادة نشر ومعرفة أفراد المجتمع بلغة الإشارة، وأيضاً أتمنى في تعليم جيد متميز للأطفال الصم وضعاف السمع حتى ينشأ جيل فاعل في المجتمع، ونبني مستقبلاً أفضل لإماراتنا الحبيبة، وأيضاً يكون الأصم فاعلاً في دولة الإمارات، وهو مسؤول عن أداء واجبه نحو وطنه، وزيادة وجود مترجمي الإشارة وأعدادهم، لأنها وسيلتنا الأساسية في التعليم، وفهم لكل ما نحتاج إليه في الحياة.
وتوجه بدرية رسالة الى أقرانها من أصحاب الهمم: إذا كان لك حلم لمستقبلك فلا تستسلم، وحاول واجتهد، فبالإصرار والجد والاجتهاد والتحدي تستطيع القيام بكل ما تحلم به، أنت شخص تستطيع أن تكون فاعلاً في المجتمع، أنصح كل أصم بتعليم وتثقيف نفسه جيداً، والسعي لإتمام الدراسة الجامعية ولا تقلل من قدراتك، فكونك من أصحاب الهمم فإن هذا لا يمنعك من تولي المناصب وإثبات ذاتك في المجتمع.

قلة المترجمين

عن أهم المشكلات التي يواجهها الصم في الوقت الحالي تقول بدرية الجابر: مشكلات الصم فى الوقت الحالي تتلخص في احتياجهم إلى الدعم الأسري واحتواء الأسرة لأبنائها من الصم، فأغلب مشكلات صعوبات التواصل والعجز عن التعبير عن الذات تنبع من البيت، خاصة في الأسرة التي تتكون من الأب والأم المتمتعين بحاسة السمع ولا يستطيعان التواصل مع أبنائهما من الصم، كما يواجه الصم أيضاً صعوبة في التعامل بسبب عدم وجود قاموس إماراتي موحد في اللغة، ما يؤدي إلى التحدث بإشارات مختلفة، ما يعيق الفهم والتواصل، إضافة إلى المشكلة الأبرز التي قد تؤثر في القدرة على التعليم، وهي قلة عدد المترجمين بلغة الإشارة في الدولة.

قاموس الإشارة

عن تجربتها ومشاركتها في وضع قاموس إشارة موحد على مستوى الدولة، تقول بدرية:
منذ عام 2013 تم عقد اجتماع لجميع الصم بدولة الإمارات العربية المتحدة وبالتعاون مع جمعية الإمارات للصم ومؤسسة زايد العليا التي دعمتنا وأشرفت ونسّقت مع المختصين على تنظيم الاجتماع ودعت جميع مترجمي الإشارة في الدولة، وكنا نجتمع شهرياً للتنسيق وتجميع المصطلحات الإشارية وتوحيدها، وقمنا بتصوير المصطلحات الإشارية توثيقها، وسينشر هذا القاموس أثناء عام 2018، لكي يستطيع جميع الراغبين في تعلم لغة الإشارة أن يحصلوا على ما يريدونه، مما سيحقق سهولة التواصل مع الأصم وتقليص معاناته في التواصل مع من حوله، كما أن الأجيال الحديثة والقادمة من الصم لن يعانوا مما عانيناه، وسيكون لديهم قاموس موحد يتعامل به الجميع داخل دولة الإمارات.