حوار: مها عادل

بدرية الجابر من النماذج المضيئة، حيث استطاعت أن تتحدي نفسها وتطور قدراتها ولا تستسلم لإعاقتها السمعية بل ضربت مثلاً حياً في البطولة والصمود والإرادة القوية والإصرار على النجاح، مما قادها للحصول على لقب المعلمة الأولى وتكريمها ضمن «أوائل الإمارات» هذا العام، فهي إماراتية من أصحاب الهمم وضعاف السمع، ولكنها تحدت إعاقتها وساعدت زملاءها من الصم كعضو في المجلس الاستشاري لأصحاب الهمم ومعلمة للصم بمركز دبي للرعاية والتأهيل، ورئيسة اللجنة النسائية للصم وإدارية في نادي دبي لأصحاب الهمم، وعضو بلجنة تحكيم اختبارات مزاولة مهنة مترجمي لغة الإشارة.
حرصنا على لقائها والتعرف إليها عن قرب لتحدثنا عن تجربتها ومشوارها.
عن كيفية حصولها على الجائزة ومدى اعتزازها بها تقول: كنت أتطلع وأتابع أخبار جوائز «أوائل الإمارات»، فقد كان حلمي أن أقابل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلّحة، وأحظى بصورة تذكارية مع سموهما، وكنت أشعر بأنه حلم بعيد المنال، ولكن بعد تشجيع أسرتي وأصدقائي من الصم تقدمت للمسابقة، ولم أكن واثقة من الفوز خاصة لأني لا أحمل شهادة جامعية، ولكن بدعم ممن حولي وترديدهم دائماً أني استحق الجائزة لأنني من أوائل الصم الفاعلين بالدولة، وكنت دائماً أخصص جزءاً من وقتي لتوجيه وتعليم أخواني من الصم، تتبعت حلمي وانتظرت حتى جاءت اللحظة التي لن أنساها أبداً، حينما جاءني اتصال على الهاتف من مكتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ولكن لعدم قدرتي على الحديث أرسلوا لي رسالة نصية بفوزي بالجائزة كمعلمة أولى للصم، وحدثتهم أختي هاتفياً نيابة عني، وتأكدت من الخبر فلم أصدق أنني حققت حلمي، وفي لحظة التكريم شعرت بفرحة عارمة، وأعتبر حصولي على هذا التكريم فخراً وحافزاً لأن استمر في العطاء أكثر.

ميلاد التحدي

تطلعنا جابر على قصتها ومتى وكيف قررت تحدي إعاقتها قائلة: ولدت في أسرة تتكوّن من 5 إخوة من الصم، ولي أيضاً أولاد عمومتي من الصم، أما والدي ووالدتي فهما من المتمتعين بنعمة السمع، وأنا منذ ولادتي أعانى ضعف السمع، ولكني كنت محظوظة بما حظيت به من أفراد أسرتي من الدعم والاحتواء والعطف والتوجيه والإرشاد فقد حرصوا على تثقيفي وتعليمي، فكان والدي يحفزني على القراءة ويعيرني الكتب من مكتبته الخاصة، بالإضافة إلى الاستعارة من المكتبات الخارجية، واستفدت من هذا التأهيل كثيراً في حياتي المستقبلية، وهناك موقف معين بحياتي خلق التحدي داخلي وملأني إصراراً على النجاح بحياتي، إذ كنت في احتفال مع الأسرة، وكانت هناك سيدة بعمر الشباب تعاني الإعاقة الذهنية البسيطة، ولكنها تزوجت وانفصلت عن زوجها بسبب عدم قدرتها على تحمّل المسؤولية، وفوجئت بمن يوجه لي حديثه قائلاً لي: انتبهي فأنت أيضاً ستحظين بالمصير نفسه من الفشل في الزواج وفي التعليم، فمواجهة الحياة بظروفك ستكون صعبة للغاية، وكانت هذه الجملة هي الحافز والدافع لأن أكون الأولى بصفوفي الدراسية وأن أتحدى كل الصعاب.

مدرسة الأمل

عن الصعوبات التي واجهتها في المراحل التعليمية الأولى تقول جابر: التحقت بروضة أطفال عادية عام 1977 مثل باقي الطلاب حتى الصف الأول فقط، إذ واجهت صعوبة شديدة في فهم ما تقوله معلماتي، ولم يوجد حينها أي وعي بكيفية التعامل مع أصحاب الهمم بالمدارس، ولم يكن هناك مدارس مخصصة للصم في ذلك الوقت، واستمر هذا الوضع إلى أن علمت بوجود مدرسة الأمل التي تختص برعاية الصم، لأنها تابعة لمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية والتحقت بها، ولكن لم أنتقل إلى الصف الثاني، بل التحقت بالصف الأول مرة أخرى لتأسيسي مثل باقي الطلبة، وكانت فرحتي كبيرة بوجود أصدقاء مثلي أتواصل معهم يومياً وبسهولة فهم دروسي وقدرة المعلمين على التواصل معنا بالإشارات البسيطة الوصفية والإيماءات، كما أن جلسات التخاطب ساهمت في تحسين قراءة الشفاه والتحدث بشكل مبسط وتعليم لغة الإشارة أيضاً، واستمررت مدة 3 سنوات بمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية إلى أن تم انتقال أسرتي إلى إمارة دبي وكان من الصعب الذهاب يومياً إلى الشارقة، فانتقلت إلى مركز دبي للرعاية والتأهيل لأصحاب الهمم، وهو يختص برعاية الصم وضعاف السمع حتى تخرجت فيه. وعن صعوبات التحاقها بالجامعة تقول بدرية الجابر: بعد التخرج اكتشفت أنني لا استطيع الالتحاق بالجامعة لعدم وجود فرصة للصم بها وغياب مترجمي الإشارة بالجامعات، مما سبب لي الحزن الشديد

التفاهم بالأرقام

تؤكد جابر على أهمية الإنترنت والاتصال المرئي بحياة الصم، فتقول: مع بداية ظهور الشبكة العنكبوتية، حرصت على الاطلاع على المواقع للبحث عن أقراني من الصم داخل الدولة وخارجها، ووجدت منتدى للصم وبدأت أتعرف إلى صديقات مثلي من الفجيرة ودبا ورأس الخيمة وشعرت أنني لست وحيدة، ومع ظهور الهاتف النقال، كنت لا أستطيع التواصل باللغة الإنجليزية أو كتابة نص إنجليزي أو رسائل، فاتفقت مع صديقاتي على استخدام الأرقام في رسائلنا وكل رقم يدل على معنى محدد، فالرقم 1 مثلاً يعني لقاء قريب أو مكان محدد، والرقم 2 يعنى شيئاً آخر، ولم يكن مسموحاً لنا وقتها بالمقابلات الشخصية، نظراً للعادات والتقاليد التي كانت تمنعني من الذهاب للقاء أصدقائي من دون وجود أبي معي.
وعن طموحاتها تقول الجابر: أتمنى حصولي على عضوية المجلس الوطني الاتحادي، لإثبات أن الصمّ وضعاف السمع قادرون على إثبات وجودهم، وأننا لسنا مهمشين، بل فاعلون في المجتمع، وأتمنى زيادة وعي الأسر، وتوجيهها ومساعدتها لتقديم رعاية أفضل لأبنائها من الصم، وزيادة نشر ومعرفة أفراد المجتمع بلغة الإشارة، وأيضاً أتمنى توفير تعليم جيد متميز للأطفال الصم وضعاف السمع حتى يكون الأصم فاعلاً في دولة الإمارات، مسؤولاً عن أداء واجبه نحو وطنه، وزيادة وجود مترجمي الإشارة ، لأنها وسيلتنا الأساسية في التعليم، وفهم كل ما نحتاج إليه في الحياة.