كان شارع عماد الدين في عشرينات وثلاثينات وأربعينات القرن الماضي يموج بعشرات الفرق المسرحية، مثل فرقتي الكسار والريحاني وفرقة رمسيس ليوسف وهبي، وفرق عبد الرحمن رشدي وفاطمة رشدي وعزيز عيد وجورج أبيض وغيرهم، كما كانت هناك عشرات من صالات الرقص التي تديرها أجنبيات مثل، صالة ديناليسكا، وكازينو دي باري، الذي كانت تديره مدام مارسيل، إضافة إلى صالات تديرها مصريات مثل سعاد محاسن وماري منصور ورتيبة وأنصاف رشدي، أما أكبر صالات الفنانات العربيات فقد كانت صالة بديعة مصابني بشارع عماد الدين، مكان سينما ليدو حاليا بجوار مسرح الريحاني .

وصلت بديعة مصابني لبنانية الأصل إلى القاهرة لأول مرة عام ،1910 وكانت حكايتها أقرب إلى الأساطير أو الروايات الخيالية وهي تستحق أن تروى، فقد أطلت الطفلة بديعة على الدنيا في العام 1892 في بيروت، من عائلة مصابني المارونية .

شبت الطفلة عن الطوق وأصبحت فتاة رائعة الجمال رشيقة القوام خفيفة الروح زكية الفؤاد، شغلت شباب الحي بجمالها ورشاقتها، أحست هي بقيمة جمالها حتى وقعت في حب شاب، ولكن سرعان ما انتهت قصة الحب، لأن هناك حباً أكبر كان يسيطر على بديعة لم تكن تدركه بعد .

كان والدها تاجراً ميسور الحال لكن الدنيا لا تدوم على حال، اضطرتها الظروف إلى أن تنزل إلى ميدان العمل وهي لا تزال في مرحلة الصبا، فعملت في بعض حرف حياكة الملابس .

في عام 1910 قررت بديعة ترك لبنان والمجيء إلى عاصمة الفن والأدب القاهرة، وهي لم تزل في بداية مرحلة الشباب، فلم يكن عمرها تجاوز الثامنة عشرة، وصلت مصر بصحبة والدتها ولم تكن تعرف فيها أحدا، وتمشت في شوارعها حتى قادتها قدماها، وكانت معها أمها، إلى حديقة الأزبكية بوسط القاهرة، التي كانت تموج بالصالات والمسارح التي تقدم الفن المصري، وكان أشهرها صالة سانتي، التي كانت تغني فيها توحيدة واحدة من أشهر مطربات مصر في ذلك الزمن، وهي نفس الصالة التي شهدت بداية شهرة سيدة الغناء العربي أم كلثوم .

قررت بديعة أن تتجه إلى جورج أبيض بلدياتها، وعملت معه في مسرحه فترة قصيرة، وسرعان ما تركته لتنضم إلى فرقة الفنان المصري أحمد الشامي الذي كوّن فرقة تمثيلية يجوب بها مدن ومراكز مصر، يقدم مسرحيات فيها من الغناء والرقص ما يرضي ذوق المتفرج الشرقي، وفاقت بديعة مصابني كل بطلات الشامي برقصها وغنائها وتمثيلها لتكون هي البطلة الأولى في فرقته .

كان نجاح بديعة مع فرقة أحمد الشامي كبيراً، ومع ذلك تركت الفرقة وعادت إلى بيروت، وفي لبنان واصلت مشوارها الفني بنجاح، حيث غنت ورقصت وأصبح لها اسمها في بلدها .

لم تطق بديعة الابتعاد عن مصر، فقررت العودة مرة أخرى، غير أنها هذه المرة أصبحت بطلة مسرح نجيب الريحاني الذي قدمها في عشرات المسرحيات الغنائية التي اشتهر بها مسرحه في منتصف القرن العشرين، عندما أثرى الموسيقيون المصريون هذا المسرح بألحان رائعة ومنهم فنان الشعب سيد درويش والعبقري كامل الخلعي وإبراهيم رمزي وداود حسني ومحمد القصبجي وزكريا أحمد وغيرهم .

قدمت بديعة مع الريحاني عدة أعمال ناجحة منها، الشاطر حسن، الليالي الملاح، أيام العز، مجلس الأنس، ريا وسكينة، والبرنسيسة وغيرها، وكانت نتيجة هذا التعاون الفني، شراكة إنسانية أيضاً، حيث تزوجت من نجيب الريحاني، وعاشا معا أسعد أيامهما الفنية والإنسانية، غير أن السعادة لم تدم، وتم الطلاق في فبراير/شباط 1925 .

بعد الطلاق عرض عليها أحد الأصدقاء فكرة العمل بمفردها بعيداً عن المشاركة في المسرحيات والأوبريتات الغنائية، فاقتنعت بالفكرة واستأجرت صالة في عماد الدين، وبدأت في تكوين فرقتها الغنائية الراقصة التي ولدت عملاقة، فقد ضمت إليها أشهر مطربي ذلك الزمن، مثل فاطمة سري التي لحن لها صفر علي وكيل معهد الموسيقا العربية أغنية رنة خلخالي يا أمة، كما انضمت إلى الفرقة الفنانة الناشئة في ذلك الوقت نجاة علي واشتهرت في صالة بديعة بطقطوقتها سر السعادة في شفتيك، أيضاً انضم إلى الفرقة الشيخ سيد الصفتي، الذي كان يجيد غناء الأدوار التي صاغها الرواد محمد عثمان وعبده الحامولي وإبراهيم القباني وغيرهم . . ومن أهم الفنانات اللاتي نجحت بديعة في ضمهن لفرقتها الوليدة مطربة القطرين فتحية أحمد التي كانت المنافسة الأولى لأم كلثوم عند ظهورهما معاً، ومن لبنان جاءت بالراقصة الشهيرة حينئذ في بلدها ببا عز الدين وشقيقتها شوشو عز الدين، كما جاءت بالمطربة رائعة الصوت ماري جبران التي كانت تجيد الموشحات والأدوار المصرية .

غطت شهرة صالة بديعة على كل صالات ذلك العصر، فكان هذا سبباً في جذب العديد من الراقصات والمطربين والمطربات إلى صالتها، فتركت تحية كاريوكا صالة سعاد محاسن من أجل بديعة، وفريد الأطرش وأسمهان تركا ماري منصور من أجلها، وهجرت زينات صدقي محلات الإسكندرية كراقصة وانضمت لبديعة قبل أن تعتزل الرقص وتصبح من نجمات الكوميديا، وتزاحم في الصالة عدد من المطربين الذين أصبح لهم باع طويل في عالم الفن مثل إبراهيم حمودة الذي كان مطرب الفرقة الأول، ثم جاء بعده محمد فوزي والملحن محمود الشريف الذي كان يغني ويلحن في الصالة، وتولى قيادة الفرقة الموسيقية واحد من ألمع الملحنين وعازفي القانون في ذلك الوقت وهو أحمد شريف ومعه زوجته سيدة حسن مطربة الأفراح، كما قدم لها المطرب الناشئ أحمد عبد القادر الذي اشتهرت له أغنية وحوي يا وحوي في هذه الفترة، كما قدمت أساطين فن المنولوج الفكاهي، وكان أشهرهم سيد سليمان وموسى حلمي، والدويتو الفكاهي، حسين ونعمات المليجي وإسماعيل ياسين، وثريا حلمي وشقيقتها المطربة ليلى حلمي، وكان الملحن الأول للفرقة الفنان عزت الجاهلي، وكان والده الممثل عبد العزيز الجاهلي يمثل بعض المسرحيات وفيها تعرف إلى بديعة .

ولأن طموح بديعة بلا حدود، فقد استطاعت أن تشيد صالة حديثة على أحدث طراز في ذلك الوقت في ميدان الأوبرا على بعد خطوات من دار الأوبرا الملكية التي بناها الخديوي إسماعيل .

في هذا المكان قامت بديعة بعمل أول مسرح دائري ليرى كل المشاهدين ما يجري على المسرح وهم جالسون في أي مكان بالصالة، وفي الصيف كانت تنتقل بنشاطها إلى كازينو بديعة، مكان شيراتون القاهرة الآن حتى أصبح هذا المكان يشتهر باسمها، وكان العامة يسمون الكوبري الذي يوصل إليها، كوبري بديعة وأطلق عليه فيما بعد كوبري الجلاء .

ورغم ظهور السينما منذ عشرينات القرن الماضي، وتقديم الأفلام الناطقة منذ العام ،1927 فإن السينما لم تستهوها، وإن كانت قدمت عدة أدوار في السينما مع بنت بلدها، ماري كويني، أهمها فيلم أم السعد الذي أخرجه أحمد جلال، كما قامت ببطولة فيلم ملكة المسارح من إخراج الإيطالي أريو خولبي وبطولة مختار عثمان وبشارة واكيم، لكن الفيلم فشل فشلاً ذريعاً فابتعدت عن السينما، وإن قامت بتمثيل عدة أفلام تسجيلية دعائية لشركات بنك مصر، خاصة شركة غزل المحلة، حيث قدمت في فيلم المحلة دور فلاحة تتعارك مع زميلتها التي تقوم بتمزيق جلبابها، ثم تقوم فلاحة أخرى بإهدائها جلباباً من صنع المحلة فتغني وترقص مع المجموعة جلابيتي حلوة محلاوي، حيث كان الاقتصادي الكبير طلعت باشا حرب يبذل كل جهده من أجل تمصير الصناعة المصرية ويقوم بالدعاية لكل شركاته وبكل الوسائل، حتى نجح في إقامة صروح صناعية عظيمة في مصر .

كان العام 1949 هو عام الأحزان لبديعة، حيث شهد رحيل زوجها السابق وحبيبها الفنان نجيب الريحاني، وفي العام نفسه طالبتها مصلحة الضرائب بحق الدولة على مكاسبها طوال فترة عملها، غير أن بديعة رفضت أن تدفع ورتبت عملية للهروب بأموالها من مصر، وبالفعل استطاعت عن طريق أصدقائها أن تهرب إلى لبنان بعد أن باعت مسرحها إلى تلميذتها ببا عز الدين .

في بيروت اشترت بديعة مزرعة في منطقة شتورة وشيدت بها مزرعة دواجن وابتعدت عن الفن تماماً، كما أقامت مطعماً لتناول المأكولات اللبنانية، مع تقديم بعض الفقرات الغنائية والراقصة، غير أنها لم تعد تشارك بالغناء أو الرقص، وظلت تباشر أعمالها حتى رحلت في 23 يوليو/تموز 1976 عن عمر يناهز 84 عاماً .