بعد عودة الخلافة العباسية من سامراء، إلى بغداد على يدي الخليفة العباسي المعتمد، كانت الدولة العباسية قد اتسعت رقعتها وامتدت أبعادها إلى أغلب بقاع المعمورة . وكان من نتائج ذلك أن تدفقت الخيرات على بغداد مقر الخلافة الإسلامية . فعم اليسر وانتشر الرخاء، وتضاعفت الثروات، وامتلأت خزائن الدولة بالمال الوافر . فكان ينفق القليل منها في تيسير شؤون الدولة وتيسيرها، أما ما يتبقى وهو الكثير الكثير، فكان يذهب إلى خزائن الخلفاء والأمراء والأعيان، ومنهم إلى التجار والصنّاع والزراع وغيرهم من صفوف الناس، مما جلب الرخاء وأقبل أبناء الأمة إلى حياة الرفاهية والنعيم، وانصرف معظمهم إلى تشييد الدور الجميلة والقصور الفخمة فبالغوا في تجميلها وتزيينها بكل ما وهبوا من ذوق .

تنافس في البناء

وكان الخلفاء ومن دونهم من أمراء ووزراء وغيرهم، يتنافسون بعد عودة الخلافة إلى بغداد في البناء بالناحية الشرقية، لأنها غدت المنطقة الفسيحة أمام أعمال البناء . ومن أهم قصور الشرقية، قصر الحسني الذي يقع على شاطئ دجلة في أرض شارع المستنصرية الحالي وفي منتصفه على وجه التقريب . وبنى هذا القصر جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي وعرف بالقصر الجعفري . وقد جعل فيه بستاناً ذا رياض، غرس فيها جميع أنواع الأشجار والأزهار . ولما قتل جعفر، صار القصر إلى المأمون، فوجده من أكمل القصور وأبهاها، فطابت له سكناه، واتخذه موضع صيد وقنص ومتنزهاً، وأنشأ حيزاً لجميع الوحوش مما يصطاده، وابتنى عليه وقريباً منه منازل خاصته، فأصبح حارة، عرفت بالمأمونية .

وعندما أصبح المأمون خليفة، وتزوج بنت الحسن بن سهل، سكن قصر الخلد الذي بناه المنصور في جانب الكرخ، وترك القصر لجعفر بن سهل، فوسعه هذا بما أضاف إليه مما حوله، وغلب عليه اسم القصر الحسني . واشترى القصر الموفق بالله ابن المتوكل ونزله، ثم صار إلى ابنه المعتضد بالله بعد ذلك، فهدمه وأعاد إنشاءه وبنى فيه سجوناً، بشكل سرداب عميق . ثم صار لابنه المكتفي (289ه/ 10Fم) فهدم السجون وبنى مكانها مسجداً جامعاً، وفي هذه المنطقة بنى الخلفاء العباسيون عدداً من القصور أحيطت جميعها بسور على شكل نصف دائرة على دجلة بين شارع السموأل الحالي ومسجد السيد سلطان علي ومحلة المربعة طولاً، وبين دجلة وشارع الخلفاء عرضاً .

وشيد المعتضد قصر التاج، قبل نهاية عهده، تحت القصر الحسني، على ضفة دجلة، وقد اصبح مقراً لخلفائه من بعده . وقد أكمل المكتفي بالله بناءه وقد زينت واجهته بأشياء نقلت من المدائن، وأقام واجهته على خمسة عقود، كل منها عشرة أساطين بخمس أذرع . وفي البساتين المحيطة به، شيدت القاعات والبيوت الصيفية ذات القباب المختلفة الأحجام . وكانت له منارة ملوية على نصف دائرة ويستمتع الصاعد إليها بمنظر بغداد . وكان للقصر اصطبلات واسعة . وقد التهمت النيران اثاثه سنة 549 ه: 1154م، فاعاد المقتفي بناء القبة . ثم أمر المستضيء سنة 564ه/ 1178م بأن يعاد بناء القصر، فمثل قمة المجد العمراني العباسي المتأخر .

دار الشجرة

وبنى الخليفة المقتدر قصر دار الشجرة، وأظهر مقدرة عظيمة في البناء والعمارة، على الرغم من ضعفه الإداري . وقد بزّ في مجال العمران أقرانه، فشيد مباني صغيرة، وجعلها ملحقة بقصر التاج . كما أفاد من الأراضي التي بين القصور المشيدة على ضفة النهر وقصر الثريا، وصيرها حديقة للحيوانات الأليفة، فغدت بذلك من أهم النواحي الجميلة في بغداد كلها . وأسس كذلك دار الشجرة وسمى القصر بهذا الاسم، لوجود شجرة من فضة في فنائه، نصبتها أم المقتدر في وسط بركة كبيرة مدورة لها فروع وغصون وعليها طيور آلية مصنوعة من الذهب والفضة . وفي جانب الدار إلى يمين البركة، 15 تمثالاً لفوارس على 15 فرساً، ألبسوا الديباج ومثل ذلك إلى جهة اليسار .

وشيد المقتدر أيضاً الجوسق المحدث، الذي اشتهر ببركته الواسعة المفروشة بصفائح القصدير، فكانت تتراءى كأنها مفروشة بالفضة . وقامت على جوانبه أربعة أواوين، وفي وسطه حديقة تتالت فيها بواسق النخيل، وقيل إنهم عنوا بغرسها عناية عظيمة .

فردوس ورياحين

وبنى الخليفة المعتمد، قصر الفردوس في شمال القصر الحسني، وقد جعل فيه حديقة للحيوانات غير الأليفة، وأنشأ فيه بحيرة أنفق عليها ستين ألف دينار . وفي شرق دار الخفة على بعد ميلين من قصر الفردوس بنى المعتمد أيضاً قصر الثريا وكان موصولاً بالقصر الحسني بنفق طوله ميلان جعله معقوداً بعقود طويلة . وخصص لسيدات القصر وحريمه يمررن فيه .

وأنشأ المعتمد قرب القصر حيزاً للوحوش، وبساتين ذات اشجار مثمرة وحدائق زاهرة، وكان طول القصر ثلاثة فراسخ . وقد ظل هذا القصر حتى فاضت دجلة فيضاناً شديداً فخرب سنة 1068م .

وبنى الخليفة المستنجد بالله قصر دار الرياحين سنة 566 ه/ 1160م . وقد تكامل بناؤه سنة 560ه، وعرفت المحلة لذلك بسوق الرياحين . وذكر المستشرق لسترنج أن الخليفة المستنجد بالله حفيد المستظهر بالله شيد منظرة في سوق الرياحين عند باب بدر . وكانت تشرف على السوق المذكورة . وفيها قال ابن جبير: خرب أكثر هذه الدار وبقي بستانها لا غرس فيه ولا زرع، فعمرها واستجدها المستظهر وغرس به غرساً يسيراً وأمر أن يختار لها كاتبين يكتبان ما يختاره .

وشيد المستضيء بأمر اللّه في دار الخلافة الدار المستضيئة في دار الرواشن . وبنى المستضيء داراً ثانية في دار الخلافة، وكانت فيها زمرد خاتون زوجة المستضيء، فلما تولى الخلافة ابنه الناصر لدين اللّه أنزل فيها زوجة أبيه الثانية بنغشة لأنها أعانته على تولي الخلافة، فعرفت بدار بنغشة .