يشغل المثقف العربي برهان غليون موقعاً متقدماً في الثقافة العربية اليوم، أتاح له مجال اختصاصه في حقل دراسات علم الاجتماع السياسي اطلاعاً عميقاً على الأزمة التي تعصف بالمجتمعات العربية، وأتاحت له هذه الثقافة الموسوعية المقدرة على تحليل الشخصية العربية عبر تاريخها الطويل واتخاذ موقف نقدي منها، حقيقة هو مثير للجدل لكن ليس بوسعك إلا أنْ تحترمه حتى لو خالفته الرأي. زار برهان غليون مؤخراً الشارقة مشاركاً في مؤتمر الهوية الوطنية بصحبة عدد من المثقفين والأكاديميين العرب. غير أن الحديث الشفوي معه مثلما أنه لا يخلو من الجدية فإنه أيضا لا يخلو من قَدْر من الدعابة لما يتمتع به الرجل من ثقة واعتداد بالنفس والمستقبل.

الخليج الثقافي، ممثلاً في ثلاثة زملاء هم: نواف يونس ويوسف أبو لوز وجهاد هديب، التقى برهان غليون وكانت هذه الاقترابات من عقل رجل يقف اليوم في طليعة المفكرين العرب.

انشغل الفكر العربي بالدراسات الدينية طيلة السنوات الثلاثين الأخيرة في الوقت الذي لا تزال الأصوليات تنشر في المجتمع والشخصية العربيين، كيف تنظر أنت إلى هذا التناقض؟.

إن هذا الأمر ناجم عن أزمة الهوية والايديولوجية التي تعيشها المجتمعات العربية منذ السبعينات من القرن الماضي. ونحن في بلداننا العربية نمت لدينا أفكار ليبرالية التي يمثلها التحرر والعدالة والاستقلال مع بدايات القرن العشرين ضد الاحتلال والاستعمار الغربي، وأوجدنا إيديولوجية وجمّعنا الناس حولها، وصار هناك توجه واضح، فالاستقلال أصبح قيمة كبرى وكذلك التحرر وفكرة العروبة وعدنا إلى الهوية حيث كنا بحاجة إلى رؤية وأهداف واضحة، وهذا ما خلقناه في النصف الأول من القرن العشرين، فطوّرت النخب الاجتماعية خصوصاً تلك الإيديولوجية المتفقة مع الواقع العربي آنذاك، ممثلة في التوق إلى التحرر من الاستعمار وبناء دول وأوطان مستقلة وذات سيادة تتمثل ما يجري في العالم ومؤهلة إلى إعادة إنتاج القيم الإنسانية الماثلة في البلدان الأوروبية والتي نطلق عليها الحداثة ومثُل الحرية والعدالة والمساواة، فالتفت الشعب العربي نحو تلك الإيديولوجية الجديدة، والأفكار التي اعتقد الناس أنها صحيحة، ولكن حدثت الأزمة الأولى مع هذه الدول التي نشأت بعد الاستقلال بسبب التدخلات الأجنبية بسبب سلوك النخب المحلية، فاتضح أن ايديولوجية الاستقلال فارغة من المضمون، لأن الاستقلال هش ولا يعني شيئا ولأن التبعية استمرت بأشكال مختلفة، سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، واستمر الفقر والتخلف، خصوصاً مع سيطرة النخب الاقتصادية والسياسية على مقدرات البلدان العربية واستئثارها بها، عدا عن استمرار الاحتلال في فلسطين، الذي ازداد شراسة وتوسعاً عن طريق الاستيطان، ما زاد في فقدان الثقة بهذه السياسات القيادية التي لم تكن في مستوى طموحات الشعوب التي سعت إلى رؤية واضحة توظف إمكانات هذه الشعوب لتحقيق الأهداف، وفقدت هذه الشعوب قدرات توظيف إمكاناتها لتحقيق الهدف بعد ذلك.

في الخمسينات وبعد حصول هذه الدول على الاستقلال تجسدت عدم صدقية توجهات هذه الدول ليس لأن الايديولوجية والأهداف خاطئة أو غير صحيحة، بل لأنها فشلت في تحقيقها. أصبح الاستقلال شكليا وازداد التفاوت الاجتماعي بين الطبقات، ولم تكن هناك عدالة حقيقية في توزيع الدخل، ظل الفلاح فلاحا والعامل عاملا فنشأت ضد هذا الوضع إيديولوجية نزعت باتجاه القومية والاشتراكية، بمعنى، أن التحرر يجب أن يرتبط، بتوحيد الوطن العربي كي نواكب متغيرات العصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية انطلاقا من فكرة القومية العربية في إطار أمة واحدة، توحد إمكاناتها وقدراتها في سبيل تطورها، كما نشأت تيارات أخرى معارِضة لهذا التوجه مثل التيارات اليسارية التي تميل إلى الاشتراكية وتوزيع الدخل، سواء أكانت ماركسية أم اشتراكية، وخضنا هذه التجربة لعشرين عاما، فتجمعت الجماهير حول هذه الفكرة، ولم يحدث في مسيرة التاريخ العربي أن احتشدت القوى الجماهيرية والشعبية حول هذه الفكرة، وحول القيادات السياسية الشعبية التي قادها الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان يدعو إلى الوحدة العربية، ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الذل، وإعادة بناء الشخصية العربية واستمر ذلك حتى السبعينات بعد حروب عدة مع اسرائيل التي لعبت والغرب دوراً مهماً في إفشال هذا المشروع القومي الوحدوي الاجتماعي، الذي حاول إعادة توزيع الثروة والقضاء على الإقطاع والرأسمالية.

بعد هذه المرحلة، وبسبب الفشل في بلورة مشروع عربي تجاه فلسطين، والفشل في مرحلة التصنيع الحقيقي والنزاع الذي حدث بين النخب القومية وانتشار الكذب والخداع والغش من قبل الكثير من الحكومات العربية وانفرادها بالسلطة وتجييرهم موارد الدولة لمصلحة فئات حاكمة على حساب التنمية الاجتماعية والاقتصادية، بدأ الناس يفقدون الأمل مرة أخرى، بل ويتراجعون عن تأييد هذا التوجه القومي، وخصوصا بعد رحيل عبد الناصر حيث اتضح لهم كم كانت هذه الفكرة غير قائمة على ثوابت وأسس سليمة، وخصوصا بعد الاتفاقيات التي جرى توقيعها مع العدو الاسرائيلي. فبدت الفكرة العربية وكأنها خالية من مضامينها ومعانيها، خصوصا بعد خروج مصر من أتون الصراع العربي الاسرائيلي، فأصبح كل منا يشتغل على همه الخاص، وهو مثال واضح رغم تعدد الأسباب على فشل المشروع، ورغم أن فكرة القومية العربية كانت فكرة صائبة وتمثل الأمل الوحيد للشعب العربي في تحقيق تطلعاته المشروعة، لأننا لو حققنا الوحدة وجرى توزيع للثروات على نحو عادل وقامت حركة تصنيع وزراعة متقدمة، كنا استطعنا مواجهة التحديات القائمة، في التطور والتنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ولكن هذا الخيار كان أمام طريق مسدود، وشعر العرب بعد هذا الخذلان أنهم يعيشون فراغاً، امتلأ في ما بعد بتيّارات متعددة منها العودة إلى التراث ومنها الإسلام السياسي الذي هو محور إعادة الاعتبار للهوية والشخصية العربية والإسلامية للمواجهة مع القيم الغربية ومع الغطرسة الاسرائيلية التي أصبحت أكثر فجاجة أمام عجز الدول العربية عن القيام بأي فعل مقاومة أو مواجهة.

مستويات عدة

لماذا هناك أزمة هوية.. وما الهوية المغلقة والأخرى المنفتحة؟.

إذا كانت لدي هوية إثنية مثلا فهي هوية مغلقة، لكن إن تقدمت للآخرين بانتماء آخر أوسع كأن أكون مثقفاً أو عاملاً أو ربّ عمل بالتالي، فأنا أملك تلك الهوية الاجتماعية التي من شأنها أن تكون منفتحة بالضرورة، لأنها تجلب إليها أفراداً من انتماءات مختلفة ومذاهب مختلفة، الهوية ليست شيئاً واحداً ثابتاً ونهائياً يرتبط باللغة أو الثقافة، الإنسان يبني هويته على مستويات مختلفة. إنني من حيث الدين مسلم ومن حيث القومية عربي ومن حيث المهنة أستاذ جامعي ينتمي إلى الطبقة الوسطى وهويتي الجنسية هي أنني ذكر، وهذا كله ما يراه الناس قبل أن يروا انتمائي الطائفي أو حتى الديني، إذن هناك مستويات متعددة تبدأ بمستوى الموروث بمعنى أنني أرث جانبا من هويتي، إذ إنني لا أتحكم، مسبقا، بمَنْ هو أنا ثقافيا ودينيا، فهي عناصر موضوعية مرتبطة بوجودي في مجتمع ما ونشأتي فيه، فنحن ولدنا عربا ولم نختر ذلك بمحض إرادتنا، فثمة لون البشرة كما اللغة وسواهما من العناصر التي تتشكل منها الهوية، وأحيانا من الممكن أن أكون عربيا وأختار ألا أكون كذلك، هنا تتدخل الهوية وليس بما قد أورثت، وهنا تتدخل الهوية عندما يكون اختياري الشخصي هو الذي يعطي معنى ما لكوني من هذا المجتمع الذي ولدت فيه أو ذاك. مثلا، كان العرب قبل الإسلام عربا يتحدثون العربية، لكن لم يكن أي منهم يتماهى بهوية عربية كما نحن اليوم، بحيث يتصور أنه جزء من أمة ناجزة كما نتصور نحن اليوم أيضا، كان العربي جزءا من قبيلة يقدم الولاء لها، ويفتخر بذلك ضد الآخرين، ذلك أن الهوية من الممكن أن يكون الضد جزءا منها، بحيث تكون هناك جماعة أخرى أنا متميز عنها اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، إذن رغم وجود عناصر متماثلة لم تكن هناك أمة بل هي القبيلة ومثلها وقيمها المرتبطة مباشرة بالهوية، لكن مجيء الإسلام قدّم هوية العرب بوصفهم مسلمين على هويتهم بوصفهم أبناء قبائل، بنهيه عن العصبية القبلية، ما يعني أنه قد خلق نمطاً جديداً من التفكير وضَعَ العروبة في أفق مختلف عن أفقها الذي يقف عند حدود القبلية، وأصبح العرب يفكرون بهويتهم بوصفهم مركزاً لإمبراطورية عالمية، وأن الإسلام رسالة عالمية وأنهم قادة هذا العالم، ما يعني أن هناك عناصر أخرى مختارة قد دخلت في تكوين الهوية، أي أن العرب منحوا العناصر الموضوعية الموروثة للهوية معنى آخر.

لكن في نهايات القرن التاسع عشر، وبعد الانسلاخ عن السلطنة العثمانية، اكتشف العرب أنهم وحدهم لهم هوية متميزة بلغتها وتراثها عن سائر الهويات الأخرى الموجودة في عالم صار أوسع بكثير من ذي قبل. فأعطى رواد النهضة آنذاك معنى جديداً للهوية العربية ما زال الكثير من عناصرها يحتفظ بحيويته الإنسانية مثل قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والاستقلال والمطالبة بالسيادة، ما يعني أننا قد تبنينا القيم الإنسانية الحديثة منذ تفتح هذه الهوية باستقلالها عن الأتراك الذين اختاروا لهم هوية أخرى، في تلك الحقبة، لتأخذ العروبة بذلك شكلاً آخر هو الصراع ضد الاستعمار، ثم إن العربي وقت ارفع رأسك يا أخي هو العربي المرتبط بالإصلاح والتحديث.

إذن فالهوية ليست جوهراً ثابتاً بعناصر موروثة، بل إن الجوهر لا معنى له، والحاسم في الأمر هو أنْ نمنح نحن هذا الجوهر المعنى بكيفية تفسيرنا لهذا الجوهر وكذلك بالقيم التي نربطها به، فهل هي القيم التي كانت سائدة قبل الإسلام أم القيم الإسلامية أم تلك القيم الإنسانية التي تشير إلى أننا جزء من هذا العالم الحديث المعاصر، فيكون لنا وطننا وقوميتنا وهويتنا.لكنْ أين نحن؟ اليوم، لا قيم مشتركة وجامعة بين العرب. مَنْ العربي اليوم؟. لا تستطيع أن تقول إنه الذي يتحدث العربية، ثمة مَن يتحدث العربية ويريد فقط أن يكون من هذا البلد العربي أو ذاك، أو من هذه الطائفة أو تلك، إذن باتت الهوية سلوكاً يجري عبره تعريف الذات في مقابل مجموعات أخرى، أي أن الهوية هي استراتيجية للتموقع في نظام من العلاقات الاجتماعية. إذن نحن مَن حدّد المنغلق والمنفتح من الهويات التي تتغذى على عناصر من هوية جامعة.

في هذا السياق، هناك إسلام يتكون من تُرك ومغاربة، في أوروبا حيث توجد أنت، فهل هو مسعى منهم للتميز عن جماعات أخرى ورؤية أخرى؟ وما الذي يشكله هذا الإسلام قياساً إلى الإسلام الذي نعهده في المشرق؟.

لا أظن أن الأمر على هذا النحو، فالإسلام متعدد ومتنوع طيلة التاريخ، وهو بحسب ما يتمثله المرء، فمثلاً بن لادن، الإسلام بالنسبة إليه هو الحرب ضد الغرب، وهناك في الوقت نفسه مسلمون لا يهتمون بالسياسة على الإطلاق لا من قريب ولا من بعيد، والإسلام بالنسبة إليهم هو أداء الفروض فقط، إذن هناك تفسيرات لكنها ليست هويات ثابتة إلى الأبد، فثمة أناس عادوا إلى الإسلام بمعناه السياسي، وربما يتغيرون في هذا التبني فيقبلونه على الطريقة التركية عوضاً عن الإيرانية، مثلا، أي أن يكون إسلاماً يتعامل مع العلمانيين بدلا من أن يكون ثورياً فحسب، أو معادياً للغرب أو مذهبياً. ودعونا لا ننسى في هذا السياق، أن الكثير من الذين دخلوا الحركات الإسلامية قد جاءوا إليها من الحركات القومية واليسارية، بل إن جزءاً منهم كانوا من الشيوعيين. وهذا يعطي صورة واضحة عن الكيفية التي يغير بها الفرد تمثله لهويته، فالهوية تمثّل وتصور وليست شيئاً جامداً، إنني أتمثل نفسي على النحو أو ذاك وضمن حدود منطقية ومعقولة، فمن غير الممكن أن يتمثل المرء لنفسه هوية لا يملك جزءاً منها على الأقل، كأن يمثل لنفسه هوية سويدية في حين يحيا هو على أرض عربية، بحسب الاستراتيجية التي يبلورها كي يصل إلى أهدافه، فما أهداف الجماعات أصلا؟ أليس أن تحسّن من مواقعها في المجتمع، إذن فالأفراد والجماعات يغيّرون من خياراتهم.

لكن في أوروبا، هل يطوّر المثقفون الإسلاميون إسلاماً أكثر تطوراً وعصرية؟

لا لم يشكلوا جماعات إنهم مثقفون فحسب. ربما أنت تشير إلى طارق رمضان الذي شارك في مؤتمر الهوية الوطنية أيضا، وهو يشتغل على أمرين، يتمثل الأول في أنه يحاور الغرب على أن الإسلام ليس هو ما تتصورونه من انغلاق وعدوانية وماضوية، إنما هو على العكس منفتح على الثقافة الانسانية ويقّر بالعدل والإحسان والمساواة بين البشر، ويمثل الأمر الآخر في سعيه لدى مجموعات الشباب المهاجرين، وهذا ما نجح به أكثر، إلى بلورة رؤية تدعو إلى الاندماج في المجتمعات الغربية، قائلا لجيل الشباب من المهاجرين المسلمين إن الإسلام لا يدعو إلى التمسك بقيم البلدان التي أتيتم منها كلها إنما بوسعكم أن تكونوا مسلمين وأوروبيين في الوقت نفسه، ومواطنين أوروبيين بوسعهم أن يتعاملوا مع القيم والنظم والثقافة الأوروبية تعاملاً ديمقراطياً، الأمر الذي صنع لطارق رمضان موقعاً مهماً في أوساط أولئك الشباب، حقيقة. بالتالي لا نستطيع القول إن هناك إسلاماً آخر ينشأ في أوروبا، إنه فقط تطوير للاستعدادات النفسية اجتماعيا وليس قيميا.

قبل أكثر من عشرين عاماً انتقدت في كتابك مجتمع النخبة المثقفين لجهة علاقتهم بالسلطة، هل اختلف دور المثقف بعد هذه السنوات وذلك في إطار استكمال هذا الحديث عن الهوية؟.

أعتقد أن المثقفين العرب اليوم ليسوا بأقل ضياعاً من الرأي العام العربي بما يتعلق في ما يجري في الوطن العربي. إنها أزمة عميقة جداً، والآفاق مسدودة إلى حدّ بعيد، سياسياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً إلى درجة أنهم يتخبطون ويتنازعون. والانقسام الحقيقي موجود بين المثقفين قبل أن يكون موجودا بين قطاعات الرأي العام، سواء إسلاميين وعلمانيين.. هم في حقيقة أمرهم عدميون، فليس لدينا في الثقافة العربية راهناً تيارات علمانية ناضجة، وهذا شرخ حقيقي. لكن هناك مثقفون، وأنا أراهن عليهم، لديهم رأي مستقل ونقدي في الوقت نفسه، أي أنهم لا تسيرهم العصبيات وانتماءاتهم إلى فئة بعينها لا تمنعهم من رؤية أخطاء هذه الفئة وأخطاء هذا التيار أو ذاك، لكنهم قلة إلى حد من غير الممكن، إذ قد يخرج واحد من بين أولئك المتخبطين بكتابة مقالة أو كتاب يبرز ذلك الطابع الاستقلالي والنقدي معا. ورهاني على الاستقلال والنقد هو من أجل بلورة تيار عام في المجتمع العربي ينتمي إليه هذا النوع من المثقفين، فهم اليوم يقومون في الغرب،مثلا، بتوجيه الرأي العام.

إذن المثقف، لجهة دوره، هو الذي يحاول أن يشق طريقاً في غابة تكون مغلقة كليا ويشذب الأغصان ويزيل الأشجار ويصنع دربا واضحة ويبلور بالتالي صورة خالية من الفوضى والتشوه في المفاهيم. واليوم لا نستطيع أن ننكر أن هذه القلة من المثقفين ينتمي إليها الأبرز من بين المثقفين العرب لأنهم أصحاب موقف مستقل عن التيارات الأخرى كلها، وهو الموقف النقدي في الوقت نفسه، فهم الذين يسعون إلى أن يروا عمق الأزمة وأن يقدموا من المفاهيم ما يسمح بترابط الناس وتآلفهم وإعادة التفاهم وإزالة الشرخ القائم بين إسلاميين وغير إسلاميين، وأعتقد أنه شرخ خطير جدا لأنه إذا ميزنا في المجتمع بين ديمقراطيين وغير ديمقراطيين فإننا ندخل إلى مستوى جديد وأفضل، أما إذا بقي هذا الشرخ فإننا سوف نستمر نتقاتل إلى الأبد. إن الكثير من المنتمين حديثا إلى هوياتهم السياسية ما زالوا يصرون على التقوقع على هوياتهم المنغلقة.

سيرة الضوء

ولد برهان غليون في حمص عام 1945 في سوريا، وتلقى تعليمه في حمص ودمشق، حيث درس الآداب والاجتماع في دمشق، ثم واصل دراساته العليا في باريس، فحصل على درجة الدكتوراة في علم الاجتماع السياسي 1974 وعين أستاذا لعلم الاجتماع السياسي في جامعة الجزائر خلال الفترة 1975 وحتى 1978.

وحصل على الدكتوراة الثانية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من جامعة باريس الأولى السوربون عام ،1982 وعين أستاذا لعلم الاجتماع في جامعة السوربون منذ عام ،1990 ثم أستاذا للحضارة والمجتمع العربي أيضا في الجامعة نفسها عام ،1994 فرئيسا منتخبا في قسم الدراسات الشرقية المعاصرة في العام نفسه.

تولى منصب مستشار في اليونسكو، كما أنه عضو الهيئة الاستشارية لمجلة المغرب والصادرة عن معهد العلوم السياسية ورئاسة مجلس الوزراء الفرنسية.

ومنذ عام 1993 تولى غليون رئاسة مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس، وهو أيضا مدير أبحاث في منتدى العالم الثالث، وعضو في الجمعية الدولية لعلم الاجتماع، وعضو الرابطة الفرنسية للدراسات العربية، وهيئة تحرير مجلة الشعوب المتوسطة في باريس، علاوة على عضويته في مجلة روافد متوسطية في باريس، وأيضا هو عضو في هيئة تحرير الدراسات الشرقية في باريس.

ويشغل حالياً منصب أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس.

يتفرد برهان غليون بنشاط علمي وأكاديمي في ميدان الدراسات العربية والشرق أوسطية، ولقد أتاحت له إقامته الطويلة في باريس منذ خروجه من سوريا في بداية السبعينات فرصة التعرف الى أفكار المغرب العربي، ما جعله أحد أهم المتخصصين في شؤون الوطن العربي في فرنسا والعالم.

ويعد غليون من أكبر المثقفين العرب دفاعا عن القضايا العربية في الغرب، إضافة إلى إسهامه الكبير في تنشيط الحوار الفكري والسياسي بين العالمين العربي والغربي الأوربي والأمريكي، وكان من أهم ثمار هذا الحوار إقامة الندوة السنوية للنقاش حول العلاقات العربية الأمريكية.

وله العديد من المؤلفات والدراسات والتحليلات السياسية والاجتماعية المنشورة في الجرائد العربية ومجلاتها، علاوة على مثيلاتها الإنجليزية والفرنسية.

قدم برهان غليون العديد من الكتب والدراسات والأبحاث باللغة العربية واللغات الأجنبية يدور أغلبها في فلك قضايا الحداثة في الوطن العربي والديمقراطية والنهضة، وتقييم الواقع السياسي العربي، ومعاداة الغرب للإسلام، وظاهرة الطائفية في الوطن العربي محاولا من خلال ذلك تشخيص واقع الأمة العربية وتحليل أسباب أزمتها.