عندما بدأت الأرض تكتسي باللون الأخضر منذ ما يقرب من 450 مليون سنة، كانت النباتات البرية صغيرة الحجم، وزرعت في بيئة مائية فكان نموها بعد ذلك في تربة غير مائية تطوراً مذهلاً . وعثر في أماكن صخرية يتراوح عمرها ما بين 420 و375 مليون سنة على حفريات تشبه قطعاً عملاقة من جذوع الأخشاب، عليها أشكال دائرية مثل حلقات النمو التي تدل على عمر الأشجار، فما حقيقة تلك الحلقات؟
عالم الجيولوجيا الكندي جون وليام داوسون الذي توفي في العام ،1899 كان أول مَن درس هذه الحفريات، معتقداً في البداية أنها لأشجار الصنوبر، وأطلق عليها في العام 1859 اسم "بروتوتاكسايتس" ومعناها فطر إسطواني عملاق غطى مساحات كبيرة من الأرض في أواخر الحقبة السيلورية والنصف الأول من العصر الديفوني .
وكان ال"بروتوتاكسايتس" الكائن الحي الوحيد الذي تعدى ارتفاعه القدمين، ولم تكن الأشجار تطورت بعد لتكوّن الخشب أو لتتفرع منها الأوراق، ونما الفطر بأحجام ضخمة ظللت النباتات القصيرة الأخرى لتشكل مأوى للحيوانات البرية، والمفصليات، والديدان، وبلغ طوله 8 أمتار (26 قدماً) وقطره متراً واحداً (2 .3 أقدام)، كما أنه ذو شكل أسطواني طويل يتكون من أنابيب متشابكة يبلغ قطر كل منها 50 ميكروناً .
(الميكرون يساوي واحداً على مليون من المتر) . ولا يعد هذا من النباتات لعدم وجود أوعية ناقلة للمواد الغذائية، ومازال الجدل قائماً حول ماهيته . وبسبب عجزه عن إتمام عملية البناء الضوئي، حصل ال"بروتوتاكسايتس" على تغذيته من خلال مد أنابيب التغذية به للتربة المحيطة . كما يعتقد أن عملية حرق الغذاء فيه توقفت بسبب ظروف بيئية كانخفاض شديد في درجة الحرارة أو لأسباب متعلقة بالتربة .
وحصل داوسون على عينات من الفطر العملاق من منطقة الكيبيك في كندا قرب شاطئ خليج جاسبيه .
وظل الجدل قائماً حول طبيعة هذا الكائن الذي ظل لغزاً حير العلماء، بسبب ظهوره قبل أن يكون للأشجار وجود على الخريطة الأرضية، ولم يتوصلوا لحل له إلا في العام 2007 .
وبعد مرور 10 سنوات من اكتشاف الفطر، أشار عالم النبات البريطاني وليام كاروثارز إلى أن النسيج داخل الحفريات العملاقة بعيد الشبه عن نسيج الأشجار .
ويرى علماء الحفريات أن ال"بروتوتاكسايتس" من أكثر الكائنات الحية غرابة، إذ أنه يعكس مراحل متقدمة جداً من تطور الفطر قبل وجود النباتات والحيوانات على الأرض .
وعلى الرغم من العثور في الحفريات على مركب البوليمر الكيميائي الذي يوجد عادة في النبات، إلا أنه هناك أدلة على وجود اضطراب تغذوي، وهو شيء غير مألوف في النبات .
وأعلن كاروثارز، متجاهلاً الدلائل التي تشير إلى نموها على الأرض كغيرها من الأشجار، إنه ليس سوى نوع من الطحالب البحرية العملاقة .
باتريشيا جينسيل عالمة حفريات النبات في جامعة نورث كارولينا في تشابيل هيل بالولايات المتحدة، تقول إن هذه الكائنات الغريبة حيرت عقول العلماء على مدى أكثر من قرن، وإن الدراسات والأفكار حولها لاتزال متضاربة .
وفي ستينات القرن الماضي أبدى عالم حفريات النبات الأمريكي فرانسيس هيوبر من مؤسسة "سميثسونيان" في واشنطن العاصمة اهتماماً كبيراً بهذا النوع من النبات، وسافر لأماكن مختلفة عبر أرجاء البلاد لدراسته .
يقول هيوبر "كنت عازماً على اكتشاف ماهية هذا النبات المزعج" .
واحتوت الحفريات التي عثر عليها على ثلاثة أنواع من الأنابيب التي تشبه تلك الموجودة في الطحالب الحالية، فاستنتج أن هذه التركيبات التي تشبه جذوع الأخشاب هي التي تفرز المادة الأساسية المكونة لتركيبة الطحلب . ونشر هيوبر نتائج أبحاثه وما توصل إليه من استنتاجات في 2001 .
ولاقت الفكرة حينها ردود فعل متضاربة وسخر منها الكثيرون، وعلق هيوبر على ذلك قائلاً "لا تبدو الفكرة بهذه الغرابة إذا علمنا أن الفطر من الممكن أن يكون أضخم كائن حي، على الرغم من حقيقة صغر وقصر عمر المادة الأساسية له، فرؤوس الفطريات صلبة وخشبية وربما يمتد طولها إلى متر" .
وعلى الرغم من تبريرات هيوبر لاستنتاجاته، إلا فإن عدداً من علماء النبات أبدوا استغرابهم حول كيفية إيجاد نبات عملاق مثل "بروتوتاكسايتس" كميات كافية من الغذاء ليبقى على قيد الحياة، في حين أن حجمه يفوق أكبر النباتات على اليابسة آنذاك، كما أن هيوبر لم يتمكن من إثبات وجود أجهزة تكاثر داخله .
وتساءل مارك اندريه سيلوسي عالم الفطريات في جامعة مونتبيليير2 في فرنسا، عن السبب وراء نمو الفطر بهذه الضخامة، وفي 2002 قال إن هذا النبات العملاق ربما يكون نوعاً من الفطريات التكافلية التي نمت وطالت لتتنافس مع النباتات الأخرى واختفت بعد أن تطورت الأشجار وتحولت لشكلها الحالي .
وفي ،2009 طرحت ليندا غراهام عالمة النبات في جامعة ويسكونسين- ماديسون فكرة أكثر غرابة، إذ قالت إن ال"بروتوتاكسايتس" لا ينتمي إلى الفطريات، ولكن إلى طحالب حشيشة الكبد صغيرة الحجم التي تعيش في بيئات رطبة، ومن أمثلتها طحلب الثالوس الذي تتشابه أوراقه مع ساقه للدرجة التي يصعب التمييز بينهما . وتعد طحالب حشيشة الكبد من مجموعات نباتات الأرض الأولية التي تميزت بصفات متباينة وربما تكون، أو أجدادها، جزءاً من نباتات الحقبة السيلورية، وأضافت غراهام "أصابتنا الدهشة عند رؤية الشبه الكبير بين نبات حشيشة الكبد وصور حفرية ال"بروتوتاكسايتس" التي نشرها رودي سكميد في ،1976 ونباتات حشيشة الكبد الطحلبية يمكن أن تنمو أوراقها بحجم ضخم وفي شكل طبقي مع وجود تركيبات أنبوبية تسمى أشباه الجذور، كان لها الفضل في تلاحم هذه الطبقات الورقية معاً، وربما انفصلت هذه الطبقات الضخمة من حشيشة الكبد الطحلبية عن الأرض أو الصخور لتلقي بها الرياح أو المياه أو الجاذبية الأرضية بعيداً، ومن المعقول القول إن العالم كان مغطى في وقت ما بكميات هائلة من النبات، وتكور البعض منه مكوناً تلك التركيبات الشبيهة بجذوع الأشجار" .
على الرغم من اقتناع غراهام باستنتاجها، لاقى اعتراضاً من بعض العلماء ومنهم كيفين بويس من جامعة شيكاغو، الذي قال إنه لا يعقل أبداً أن يتكور شيء ما ليصبح بهذا الشكل، فلو أطاحت الرياح خيمة أو قطعة من القماش فلن تتكور أو تلتف حول نفسها لتكون شكلاً أنبوبياً .
ولكي تتأكد من صحة استنتاجها، تركت غراهام النبات لفترة من الوقت ليجف ويذبل ثم كورته في أشكال أسطوانية كبيرة في حجم السيجارة تقريباً، وفي أشكال صغيرة مثل لفافات ورق التجفيف، وقالت إن النبات تحول ليشبه الأشكال الأنبوبية داخل حفريات "بروتوتاكسايتس" .
وأظهرت دراسات غراهام الفسيولوجية وجود أوجه شبه كبير بين حفرية ال"بروتوتاكسايتس" ونبات حشيشة الكبد الحالي من حيث تركيبهما الخارجي، والتشريح الداخلي، وأسلوب التغذية في كل منهما . وعلى الرغم من تعرض ال"بروتوتاكسايتس" لعوامل التحلل والجفاف، إلا أن النبات نما وكون حلقاته الدائرية وحيدة المركز . واختلف العلماء حول تفسير هذه الحلقات الدائرية، إذ قال هيوبر في ،2001 إنها تشبه حلقات النمو المتقطع في الأشجار، بينما قالت غراهام في العام ،2010 إن أجزاء كبيرة من حواشي نبات الثالوس غطى مناطق كبيرة من الأرض في الحقبة السيلورية، وانفصلت هذه الحواشي بفعل عوامل طبيعية مثل الرياح والأمطار، وبدأت تتكور وهي في مرحلة التضاؤل . وأثناء تكورها والتفافها تشكلت صفوف ضخمة طمرت وتحجرت لتتحول في النهاية إلى ما يعرف حالياً باسم البروتوتاكسايتس .
واستند بويس في تفنيده لافتراضية غراهام على حقيقة أن تكور الشيء يجعله حلزوني الشكل، بينما حفريات "بروتوتاكسايتس" تحوي دوائر حلقية متحدة المركز .
وكان رد غراهام وزملاؤها على بويس أنهم قالوا إن عينات ال"بروتوتاكسايتس" ليست متحدة المركز وإنها تحوي حلقات مدمجة، ربما تدل على أشكال حلزونية غير مستوية، كما أنهم وجدوا مواد تشبه الطمي داخل الحفرية، إلا أن بويس قال إن ذلك لا يعد دليلاً كافياً على صحة فرضية غراهام .
وهناك أيضاً حقائق أخرى حول الحفريات، إذ وجد بداخلها أشكال مختلفة من الكربون . وفي ،2007 أعلن بويس وفريقه أن عينات ال"بروتوتاكسايتس" المتحصل عليها من مكان واحد ربما تختلف فيما تحتويه من النظائر الكربونية، مختلفاً بذلك عن النبات . وفي أوائل العام ،2010 أظهر بويس أن الفطريات الحديثة يمكنها أن تتغذى على الميكروبات بطرق متنوعة، ويعد ذلك دليلاً آخر على أن الحفرية تتبع فصيلة الفطريات .
وقالت غراهام إن هذه النتائج لا تفند فرضيتها، لأن نباتات حشيشة الكبد الطحلبية، كما تقول، يمكنها الحصول على السكريات من البيئة المحيطة عملية البناء الضوئي أيضاً .
وفي العام ،2008 أوردت عالمة النبات دايان إدواردز وزملاؤها في جامعة كارديف بالمملكة المتحدة تقارير ذكروا فيها عثورهم على تركيبات ضخمة أشبه بجذور نبات الفترة نفسها التي ينتمي إليها ال"بروتوتاكسايتس"، ما يدعم النظرية القائلة إن الحفريات لفطريات .
وتحدث هيوبر عن إمكانية بقاء بعض منها في مكانه بسبب انفجار بركاني طمر كل شيء تحت التراب، ربما في موقع ما في نيو برونزويك في كندا .
وتعقد جينسيل العزم على البحث عن مزيد من الحفريات في ماين شمال غربي الولايات المتحدة، أو في كندا خلال السنوات القليلة المقبلة، بيد أنها لم تظهر تفاؤلاً حول إيجادها بالحجم المفترض أن تكون عليه، بينما تخطط غراهام للبحث عن نبات حشيشة الكبد في مناطق بعيدة، ربما تكون الرياح ألقت به هناك .
بالطبع ربما يجانب الصواب نظريات كل من سبق ذكرهم من العلماء، وقد تكون هذه الحفريات لكائن حي ليس له مثيل في عصرنا الحالي، ولن يتوقف العلماء عن سعيهم لكشف الحقائق، لأن الحفرية لها وجود ولابد إذن أن تكون شيئاً ما، كما يقول بويس .
أحد الألغاز المحيرة للعلماء
"بروتوتاكسايتس" كائن بلا هوية
5 فبراير 2014 01:41 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 فبراير 01:41 2014
شارك
إعداد: أشرف مرحلي