حوار: زكية كردي
«بعيداً عن ظلال الميديا ومونتاجات الضوء، اقرؤوني هنا.. هنا مرت الفراشة... هنا واحترقت..»، بكلماتها التي خطتها مراراً على قلوب المعجبين تطيب البداية، ويحلو الكلام، لنعبر إلى عالم تلك الفراشة التي خرجت من عالم كتبها تواً لترسم على فنجان قهوة قصائد مؤجلة، وذكريات لم تدون بعد، وحكاية شغف سافرت من بيت نيكوس كازانتزاكيس إلى شوارع إسطنبول بحثاً عن آثار أورهان باموق، وبقيت تتجول بين المدن، تتقصى أثر خيالاتها ما بين جولة وأخرى في محراب الثقافة والفن والأدب، تأخذ استراحة مثقف تتسلسل من أضواء التلفزيون لتلاحق شغف الحواس، وتمسك بلذة الاكتشاف مع كل عنوان تسافر إليه، وكل إبداع تتوهج معه الروح، فتخرج إلى منصة الحوار راقصة الفلامنغو المحترفة، تتسلم مفاتيح الروح ومعها تطير، منذ سبعة عشر عاماً، ومازالت بروين حبيب تشدنا إلى شاشة تلفزيون دبي مع برنامج «حلو الكلام» بلغتها الرائعة، وحكاياتها التي لا تنضب، والتي تشاركنا بعضاً منها هنا حيث مرت الفراشة..

} لعل الحديث عن صناعة نجوم الإعلام اليوم يتصدر المشهد، فما رأيك؟

- اليوم نعيش في عالم بلا خرائط، وبلا بوصلة، كل مشروع يحمل رسالة لنشر الوعي فيه يتراجع مقابل سيادة السطحي، ولهذا أصبحت صناعة النجم أبسط مما نتخيل، فأبسط شخص اليوم بإمكانه أن يصبح إعلامياً، بل يمكننا القول إن الإعلام أصبح مختصاً في صناعة الدمى بدل نجوم الإعلام، فأي فتاة تتمتع بشكل جميل، ومظهر جذاب، وتعرف كيف تمسك بالميكروفون، وتجيد الابتسام للكاميرا، وتظهر على عدد من الصحف والمجلات تكون مشروع نجمة، وهذا للأسف يقلب الموازين، أذكر أنني عندما بدأت قبل عشرين عاماً اخترت الثقافة، وكان خياراً قاسياً، فلم أفكر حينها في النجومية ولا في الألقاب، كان كل همي أن أعمل بشغف، وأن أؤصل الخطى، لا يوجد نجم إعلامي ينضج خلال أشهر، وأفاجأ أحياناً بخبر يكتبه صحفي - وهنا أدين الصحافة أيضاً- أن الإعلامية الفلانية تعتزل، وأتساءل ما هو التاريخ الإعلامي لهذه الفتاة لتنشر الصحافة خبر اعتزالها؟ للأسف أدى الازدحام الفضائي اليوم، والتواصل الاجتماعي إلى فوضى يتسابق فيها الكثيرون، لتنتج عنها ميوعة في المفاهيم، وفوضى في منح الألقاب.

} من المسؤول عن هذه الظاهرة؟

- نحن أمام مأزق كبير وألوم كل الأطراف، الصحافة المكتوبة بشقيها المدروسة منها والصحافة الصفراء، وتكفي المجلات التي تباع على الأرصفة وتحقق أعلى نسبة مبيعات لأنها تطبل لفلان وترفع اسم «علتان»، أولئك نحن صنعناهم، ومثلهم نجوم مواقع التواصل الاجتماعي الذين يقودون الرأي العام، ويعيشون دور النجومية بالفعل في معظم المحافل والفعاليات، لأنهم متابعون من عدد كبير معظمه من شريحة الشباب، وهذا يجعلهم مسؤولين عن التأثير في آراء وتوجهات هؤلاء الشباب، فهم يحتلون الصدارة. سبب هذه الظاهرة يعود إلى غياب تقاليد صناعة نجوم الإعلام، البريطانيون وصفوا الفضائيات بالإمبريالية الناعمة، لكنها في بلادنا موائد فضائح، وبورصة للنجوم، وإثارة مشبوهة، نعم بعض الذين وصفوا ثورة الاتصالات وما بعدها بأنها جعلت العالم المترامي قرية كونية صغيرة فاتهم على الأرجح أن هذا العالم المتحول أصبح اليوم حقل تجارب جديداً لمنازعات، وحروب، ومكائد، وتصفية حسابات أشد ضراوة مما عرفه الناس أيام الحرب الباردة، إنها حرب الصوت والصورة، أو الإمبريالية الناعمة، فهي تخرق جدار الحرمات، وتدخل البيوت من غير أبوابها.

} ما تقاليد صناعة نجوم الإعلام؟

- أتيت من عصر يدققون فيه بأبسط التفاصيل: مخارج الحروف، واللغة.. لم أكن فتاة جميلة ظهرت على الشاشة، أنا فتاة خليجية أقل من عادية، ربما عندي ابتسامة وحضور، وظهرت وأنا طفلة، واستطعت أن أكون نجمة في البحرين وقتها، عندما كنا نقرأ الأخبار من أول حرف حتى آخر حرف، لم تكن عندنا تقنية «الأوتو كيو» هذا الجهاز المريح للمتلقي والخادع للجمهور في كثير من الأحيان، وأنا قدمت ورقة بعنوان «دمية الأوتو- كيو» في مهرجان المبدعات العربيات في تونس، لأن هذا الجهاز أفرز لنا الدمى الجميلة التي تلقّن بالكلام الجميل، وما الشخص الذي ملأ الشاشة بعلمه ومعرفته ورخامة صوته سوى دمية تتكلم. إنها دمية «الأوتو- كيو»، ناقلة كلمات المعد حرفياً بما في ذلك الأخطاء اللغوية. وللأسف شيوع هذه الظاهرة يعني أننا نفتقد التقاليد، نفتقد معاهد التدريب إلا القليل منها، التلفزيون ليس هو المنبر الأفضل لنقل الواقع والثقافة، لكنه المنبر الأخطر لتزييف الواقع والثقافة، الشاشة تروج لعمليات التجميل والشفاه المنتفخة فقط، هناك خلط أوراق.

} من هو الإعلامي في قاموسك؟

- لا يجب أن تطلق كلمة إعلامي جزافاً على أي أحد وبكل سهولة، الإعلامي هو شخص تأسس بشكل جيد وله علاقة بالكلمة، يقرأ، ويتابع، ويشاهد، ويتمتع بحرفية عالية، ولا شك في أنه يجب أن ينطلق من أرضية مهمة، فيجب أن تكون لديه علاقة بالأدب، وبالثقافة، والاقتصاد، وكل شيء، ولعل الاعتقاد السائد يشيع بأن الإعلامي هو عبارة عن بوق، أو هو السائل، وهذا ليس صحيحاً، فالكثيرون يخبرونني بأنني اليوم تجاوزت مرحلة المحاورة فصاروا يتابعونني لحبهم للطريقة التي أدير بها الحوار. أنا وزملائي نتكامل، فهناك الكثير من الأسماء التي نحترمها لأنها صاحبة مشاريع فكرية وفنية، غير أولئك الذين حملوا شرف البدايات فأحببنا أصواتهم، ومنهم من دشنوا جوائز بأسمائهم مثل الميكروفون الذهبي لفلان، وكانوا جميعاً يحترمون أساسيات المهنة وأهمها اللغة السليمة.

} تركزين كثيراً على موضوع اللغة، لماذا؟

- أشعر بحالة من الغثيان مما نراه على الفضائيات، لأن الإعلامي والمذيع يخدم اللغة ويوصلها إلى الناس بطريقة عفوية من خلال نطقه السليم لها، لأن الناس تتلقاها منه فلا يحق له ألا يميز بين ال (ظ)، وال (ض)، ولا أن تتأثر لغته العربية بلهجته المحكية فيقلب بعض الحروف، فعليه أن يقدم خدمة عالية ليلقن الأبناء، والأمهات، والآباء، فهو يطل على الهواء المفتوح، والهواء ثمين، يحسب بالثانية، ويجب أن تكون هذه الثانية موضوعية.

} من هم ضيوفك؟

- أنا خريجة نقد أدبي، ولم أدرس الإعلام، أي أتيت من أرضية فيها شيء من الالتباس، فأنا هاوية إعلام، كنت فتاة صغيرة في الحادية عشرة من العمر تحمل صوتاً جميلاً، ومخارج حروفي سليمة، ولغتي جيدة، فاختاروني في الإذاعة، ثم ذهبت إلى الأخبار في عمر 17، وتدرجت حتى قدمت برنامجي الثقافي عام 1998م، كنت طالبة أدب عربي، تتلمذت على يد أدونيس، ودرست شعر قاسم حداد، وكنت مهووسة بالحداثة، وهذا يعني أنني أتيت من أرضية قد تكون نخبوية بالنسبة للمشاهد، فكان عندي وعي بأن أسلط الضوء على جواهر المشهد العربي وليس الظواهر.. قدمت «نلتقي» على تلفزيون دبي حينها، وكان بمثابة ابني، والتقيت فيه كبار الأسماء، واليوم في أرشيفي 500 شخصية. سياسات معينة، وأجندة معينة في القنوات التلفزيونية لا تحبذ الثقافة، فلا يوجد معلن يغامر في هذه النوعية، لهذا ناضلت حتى أجعل البرنامج يستمر.

} كيف استطعتِ تحقيق المعادلة الصعبة؟

- في السنوات العشر الأولى كنت أشعر بأن البرنامج نخبوي، بعد ذلك نما لدي الوعي من خلال متابعة المشاهدات، على سبيل المثال في إحدى الحلقات استضفت جورج غريغوري، وهو أول من ترجم القرآن الكريم من العربية إلى الرومانية، وهو أول مستشرق أو مستعرب، كنت أتوقع أن أكون حديث المدينة في اليوم التالي، لكنه لم يحقق سوى مئات المشاهدات على "اليوتيوب"، في حين أن حواراً قدمه زميل مع الفنانة مريم فخرالدين يناقشها فيه عن علاقتها مع عبد الحليم، فتقول إن رائحة فمه كانت كريهة، رفعت نسب المشاهدات على "اليوتيوب" إلى الملايين، هنا يقف العقل ليتساءل عن سبب تجاهل المادة الرصينة والاتجاه إلى البرنامج الآخر الذي يغذي فضول المشاهد فقط؟ أنا لست من هذه المدرسة، لكنني موظفة في مؤسسة، وعلي أن أحظى بنسبة مشاهدات عالية لأن مديري يطالبني بها، فهي من أسس نجاح البرنامج، وهو حقهم، فهم يريدون الربح، لهذا قررت أن أعمل معادلة، فصرت أستضيف الفنانة لبلبة ما بين أدونيس، وبين واسيني الأعرج.. وحرصت على أن أستقطب فنانين لهم تاريخ.

} من هو جمهورك المستهدف؟
- قابلتني سيدة منقبة في مؤتمر أقيم في قطر وسألتني عن عناوين كتب فضيلة الفاروق، وهي روائية جريئة جداً، فرحت بها، فأنا أريد أن أصل إلى هذه الطبقة، إلى السيدة التي تحشو "الكوسا" في المطبخ. أنا أخدم المشاهد وأوجه ذائقته، فأحاول أن أنتقي له من جواهر الثقافة العربية في هذا العصر السريع والاستهلاكي.
} هل حققتِ ما تطلعتِ إليه؟

- أذكر أن محمود درويش كان يسألني في آخر عشاء جمعني به عن قدرتي على الصمود أمام فكرة التلفزيون، فقد كان يراه وحشاً مفترساً، دائماً يريد مادة، أما أنا فأجبته بأن لدي تحدياً في التلفزيون بأن آخذ الجمهور ليسمع جملة جميلة، وسط هذا الضجيج، وهذه الميوعة، وفوضى القيم التي نعيشها، أقول دائماً تاريخ الفن هكذا، وعلينا نحن الصامدين التمسك بالأشياء الحقيقية في عالم بلا خرائط، فلابد أن يكون هناك ضوء، وإشراقات، ونوافذ مفتوحة على آفاق أجمل، الزمن يغربل، وعلينا أن نراهن عليه، فليتابعني اليوم مئة شخص، أنا فخورة وسعيدة بهم.

} هل ضاعت مؤلفات بروين حبيب في زحمة الأضواء؟

- هذا صحيح، فهناك الكثير من المشاريع التي بقيت حبيسة الأدراج، واليوم يلومني أهلي والكثير من المقربين عن سبب انشغالي عن الكتابة، فلدي ديوان مؤجل، وكتاب أعمل عليه ولم أخرجه للنور بعد، والكثير من المشاريع التي أقول لنفسي مراراً إنني سوف أنجزها خلال الأشهر الستة المقبلة، ويمر الوقت من دون أن يحصل هذا.

} التلفزيون أخذكِ من الكتابة؟

- الكلمة فيها شيء يرفعنا عن مستوى الأرض، والكتابة هي التي تفعل هذا، لكن الإعلام أيضاً مغرٍ، فيه غواية، ليس بسبب الظهور والشهرة وحسب، فأنا عندما أدخل بمزاج التحضير للحلقات أنخرط في الموضوع بكليتي، أدخل في مزاج الضيف، وليس فقط «أغوغل»، فأنا لا أحب «غوغل» لأنه جعل من أبسط البشر أفضل الباحثين، لكنه ليس المصدر الوحيد، إضافة إلى المقابلة الشخصية للضيف قبل الحلقة، وهناك مرات غيرت كل أسئلتي بعد مقابلة الضيف قبل الحلقة.

} أين تجدين الشغف؟

- بروين حبيب تساوي الشغف، فأنا لا أجيد القيام بأي عمل إذا لم يكن لدي شغف تجاهه، وهذا ينعكس علي، فأنا كائن غير محايد، أتوهج مع الشاعر والأديب أكثر من أي شخص آخر، لأنهما ينتميان إلى عالمي.

} كيف تتعاملين مع الفعاليات التي تكلفين بتقديمها عادة؟
- الحوار أشبه برقصة فلامينغو، أنت تسلمني إيقاع روحك وأنا أكمل معك الرقصة، أنا لست أسأل فقط، ولهذا اعتدت أن أتعامل مع كل تكليف بمسؤولية فأحضر للأمر كما لو أنني طالبة تستعد للامتحان، وأنا أعشق المسرح، وكانت تلك الدقائق التي وقفتها على مسرح الفجيرة قبل فترة لأقدم الفنان كاظم الساهر تعني لي أكثر من ساعات تلفزيونية، فقد شعرت حينها بأنني أحلق كفراشة.
} معروف عنكِ حبكِ للسفر، أين تسافرين وما هي طقوسك؟

- السفر زادي، يمنحني الطاقة عندما أكتشف مدناً جديدة، فأنا امرأة تعشق التفاصيل، سافرت مؤخراً إلى الهند، ذلك البلد الذي أعشق حضارته، ارتديت زيه، وعشت طقوسه، وفي السفر عموماً أقصد الشتاء، أحب أناقته، المطر والغيوم، المعطف والمقهى، وأحب الخريف، والأشجار العارية.. بيوت الأدباء هي وجهتي، في اليونان كنت أبحث عن بيت نيكوس كازانتزاكس، وفي إسطنبول كنت أتقصى آثار أورهان باموق حتى وجدت متحفاً لرواية من رواياته، لأنني كائن خرج من الكتب، أريد أن أثبت لنفسي أن الدنيا مثل الكتاب. حين درست في جامعة عين شمس، امتحنت في القاعة التي درس فيها طه حسين، كنت أتلمس خشب المدرج القديم وأتخيله.

} لماذا لم تفكري في تغيير القناة؟

- تلفزيون دبي بيتي، عندما أتيت كان عقدي لسنة واحدة، وبقيت 17 عاماً، لهذا أشعر بأنه بيتي بحق، أحب زواياي فيه، وأحب مكاني، وتفاصيلي، وبصدق أقول: صحيح أن مسقط رأسي البحرين، لكن مسقط رأسي الإعلامي، ونجاحي، وانتشاري دبي، فالفرصة أهدتني إياها مدينة الفرص، وتلفزيون دبي يحمل اسم المدينة التي أعشقها وأنتمي إليها.

} هل من جديد ببرنامجك «حلو الكلام»؟

- هذا البرنامج أشبه بمروحة مفتوحة على كل أنواع الإبداع، أقدمه بطريقتي ولغتي، وقد انتهينا أخيراً من تصوير موسم جديد منه، وكان الفنان لطفي بوشناق آخر ضيوفي فيه.

} ما أكبر أحلامكِ؟

- حلمي الكبير أن أؤسس شركة إنتاج تقدم برامج وثائقية لأرشفة أعمال المبدعين العرب، لأن العالم العربي لا يملك ذاكرة للأسف، ويهمني أن تطبع أعمالنا في الذاكرة، خاصة أن حياتنا عبارة عن نضال، ومقاومة.