في لندن كل صباح في طريقي إلى عملي أصادف المشرد نفسه يقف الساعة الثامنة صباحاً أمام أحد المقاهي بانتظار الموظفين من مدمني قهوة الصباح المتأخرين عن وظائفهم ولا يملكون الوقت الكافي لاحتسائها في المقهى . وجه هذا المشرد وصوته أصبحا مألوفين لدى الجميع في المنطقة، ولم لا؟ فهو عادة ينام أمام أحد المحلات القريبة .
وفي منتصف إحدى الليالي، التقينا أمام جامعة إمبيرال في شارع الاكزبشن المضاء ليس ببعيد عن مكان سكني ومكان نومه المعتاد، استوقفني فضولي الصحفي لأعرف قصته، يمشي متثاقلاً يجر حقيبته أو بيته المحمول على عجلات، كما تفعل السلحفاة البطيئة، لحيته بيضاء طويلة، هندامه معتدل ولكنه مثقل بالملابس الشتوية على الرغم من دفء الجو . جلس على أحد المقاعد على جانب الشارع، وقفت بجانبه أراقبه يرتب حقيبته أو كما سماها هو غرفة نومه، حين شعر بظلي يحجب ضوء الشارع عنه رفع رأسه تجاهي، بادرته بالتحية فرد بتردد واستهجان . نظر إلى من تحت إلي فوق محاولاً قراءته، انتصب ظهره وسألني: ماذا تريد؟ هل أنت شرطي؟ أجبت: لا .
من شركة التأمين؟
قلت لا .
تاجر مخدرات؟
لا .
من الشؤون الاجتماعية؟
لا .
على ما يبدو أنه تعود على إيقاف هؤلاء الناس له .
سألته هل لي أن أجلس بجانبك وادردش معك فأنا أشعر بالملل وأبحث عن صحبة في هذا الليل؟ قال: لا تبدو مشرداً لماذا تريد الجلوس بجانب مشرد؟ وماذا تريد مني؟ مددت يدي في جيبي وأعطيته خمسة جنيهات، كنت أريد شراء وقتي معه واطمئنه . تناولها وابتسم واسترخت أساريره . كان الشارع هادئاً خالياً إلا من طلبة جامعة امبريال وهو على ما يبدو كان يبحث عن مكان يأوي إليه، تفاجأت بكلامه يتحدث لغة إنجليزية راقية تختلف عن لهجة باقي المشردين ويتمتع بثقافة عالية جداً ومتابعة دقيقة لما يجري على الساحة الداخلية . سألته: كم عاماً لك على هذه الحال، أي حال التشرد؟ حرصت على اختيار كلماتي لكي لا أجرحه: أجاب: عاماً .
ما الذي دفعك لحياة التشرد؟
قال: والدي توفي وأنا بعمر 10 سنوات واهتممت بأمي وإخوتي ولكن وجدت أنهم ناكرو معروف فتركتهم، والدتي لم تكن أماً عظيمة بل كانت مهملة: في بعض الأحيان العائلة هي المشكلة .
متى رأيت والدتك لآخر مرة؟ قبل: 25 سنة، منذ خرجت لم أرها!
ألم تشتق إليها؟ لا أبداً ولا أريد أن أراها؟ الحنين لا يولد من جرح ولا أحد يحن إلى جرحه!
ألا تحمل صورة لها في محفظتك؟
لست سائحاً يعشق جمع الصور .
وماذا عن إخوتك؟
لدي ستة إخوة: ثلاث بنات وثلاثة شباب .
هل أنت على اتصال معهم؟
لا .
هل تعرف ماذا يفعلون؟
لا .
هل حاولوا الاتصال بك؟
لا .
ولو حاولوا لن أجيبهم، فأنا أكرههم ولا أثق فيهم؟
أهم قساة عليك أم انك قاس على نفسك وعليهم؟
الحياة أقسى ولا أحتاجهم في حياتي؟
كيف تنفق على نفسك؟
الحكومة تمنحني 70 جنيها في الأسبوع، لا تكفيني ولكن هذا ما أملك؟
ما تفعل بالسبعين جنيها؟
اشتري غداء وعشاء وأجري مكالمتي وابعث رسائلي واتنقل؟
أين تنام؟
لا أنام إلا ساعات قليلة .
لماذا؟
لأنني مثل حمام الشجر يقع على الأرض ويموت لو نام .
أتخاف الموت؟
لا .
في أي مكان تنام؟
في أي مكان آمن محطة انتظار حافلة أو نفق حديقة؟
ما الذي يخفيك؟
تجار المخدرات وعصابات المناطق؟
أين تستحم؟
في محطات الحافلات والقطارات الرئيسية وبعض النوادي الرياضية تسمح للمشردين بالاستحمام مقابل جنيه أو اثنين؟
وماذا عن طعامك؟
في بعض المرات اشتري سندويتشات ومرات أخرى يتصدق علي المارة والمطاعم، وأنتظر نهاية اليوم لألتقط ما ترميه البقالات الكبيرة من السندويتشات التي لا تباع واقترب موعد تاريخ صلاحيتها، وعدد كبير من المشردين يقتاتون من تلك السندويتشات بل إن هناك جمعيات تقوم بجمعها لنا .
لماذا لا تعمل وتطعم نفسك؟
أنا مقعد؟
قلت: لكن كل المشردين يتحججون بذلك ليأخذوا معونات من الحكومة؟
نظر إلي بغضب وكشف لي عن ظهره ليرني إعاقته .
حين ذلك انتباني الخوف من القادم قلت له: طيب، طيب، صادق صادق . ما هو روتينك اليومي؟
قال: هذا يعتمد على الطقس، فإذا كان الجو بارداً ابقى في الفراش لغاية العاشرة صباحاً ولكن استيقظ مبكراً أحاول أن أجد حماماً بعد ذلك أبدأ بيع المجلة ليقرأها الموظفون في طريقهم للمكتب، وبعد ذلك اذهب لتناول الافطار ثم إلى المكتبة العامة لأقرأ ولأرسل وأكتب بعض الرسائل .
هل لديك أصدقاء؟
لا، لأن حياة المشردين صعبة وخطرة وليس كل مشرد لطيفاً، بعضهم عنيف ومدمنو مخدرات وكسالى دللوا في صغرهم وحين كبروا يتطلعون إلى الناس للاعتناء بهم، يريدون تقليد نمط وحياة الأغنياء ولكن من دون عمل .
ولكنك واحد منهم؟
أنا كنت نجاراً محترفاً ولكني لا استطيع العمل الآن، أنا مشرد لأنني مقعد . وهناك جنود خدموا في الجيش البريطاني في ألمانيا وأفغانستان مشردون الآن لأنهم تعودوا الاعتماد على الحكومة وإخبارهم ما يجب عمله يومياً وحين تركوا الجيش أدركوا أنهم لا يستطيعون إدارة حياتهم بمفردهم ففضلوا حياة التشرد واللامبالاة . وحين ينخفض عدد الجيش البريطاني من 104 آلاف جندي إلى 82 ألف جندي العام المقبل بسبب الأزمة الاقتصادية سيزداد المشردون .
قلت: لا اعتقد ذلك . قال: لماذا؟ أجبت لأن الحكومة ستحول الجنود المسرحين إلى مدرسين بعد تدريبهم . قال: إذن سنرى المزيد من الحروب في المستقبل . قلت: كيف؟ قال: هؤلاء الجنود سيستعرضون أمام طلابهم بطولاتهم العسكرية في أفغانستان والعراق، وسيلهمون طلابهم الذين هم قادة المستقبل لخوض حروب جديدة . قلت مسكين الشرق الأوسط سيكون ساحة حروبهم كالعادة؟
ولكن بريطانيا محتاجة إلى قيادة جديدة ومكانتها تتراجع ولعل تحويل الجنود إلى مدرسين يخلق قيادة جديدة خاصة أن هؤلاء المدرسين جنود مدربون سيعلمون الطلاب الالتزام والانضباط والقيادة؟ لا أعرف أجاب .
هل تسمح لك المكتبة بالدخول في ملابسك الرثة هذه؟ لا، ولكن أحاول أن اذهب بعد استحمامي مباشرة . وبعد ذلك أتمشى في الحدائق وإذا شعرت بالملل استقل الحافلة، وأبقى فيها لآخر محطة، واستقل باصا آخر وأبقى فيه ساعات وبعض المرات آخذ قيلولة في الباص، اهتزازات الباص المتحرك تجعلني أنام بعمق . ضحكت وسألت ألا تتعب؟ قال: لا، ولو تعبت أين أذهب مللت لندن؟ إجابته ذكرتني بقصيدة محمود درويش لا شيء يعجبني حين قال لا شيء يعجبني يقول مسافر في الباص - لا الراديو ولا صحف الصباح، ولا القلاع على التلال أريد أن أبكي يقول السائق: انتظر الوصول إلى المحطة وأبك وحدك ما استطعت، إلى آخر القصيدة حين قال يقول السائق العصبي: ها نحن اقتربنا من محطتنا الأخيرة فاستعدوا للنزول فيصرخون: نريد ما بعد المحطة فانطلق! أما أنا فأقول: أنزلني هنا، أنا مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبت من السفر .
لا شعورياً تنهدت وأحسست بطاقة جارفة في صدري عبرت عنها باللغة العربية، فاللغة أداة، تنهدت وقلت موجها كلامي له: آه ياصديقي على ما يبدو أننا بيننا قواسم مشتركة، أنت مشرد في وطنك هارب من ماضيك، وأنا في بلدك هارب إلى المستقبل، والفرق بيننا أن تشردك اختياري والفلسطيني تشرده إجباري والأرض هي الأرض لاجئة في جروحنا .
سألني: ماذا تقول؟ قتل: لا عليك، فمفرداتك تقودني وأقودها .
أخبرني ماذا تحمل في شنطتك؟ لماذا؟ قلت مجرد فضول . قال: إذا كنت شرطياً فأنا لا احمل مخدرات؟ ولكن سأخبرك، هذا راديو وهو أداة مهمة لحياتي اليومية فأنا استمع له طوال الليل، فهو خليلي ومن خلاله أعرف توقعات وحالة الجو اليومية فلذلك أعرف أن علي إيجاد ملجأ يحميني من المطر إذا كانت التوقعات تشير إلى جو ممطر .
لكن تستطيع معرفة ذلك من الجريدة .
هل أنا مجنون لادفع جنيهين يومياً لهذه الجرائد البالية؟
وماذا في جعبتك أيضاً؟
فرشاة أسنان وشامبو ومخدة ولحاف وكرتونة .
هل تشعر بالمساواة مع بقية الركاب وأنت في الحافلة؟ لا، هؤلاء الركاب يعرفون عناوينهم جيداً، أما أنا فلا أعرف عنواني . كلنا متساوون هنا من دون الأغنياء، فهم لا يركبون الحافلات وإذا بكوا، بكوا في سياراتهم الفارهة وليس الحافلات المخصصة للعامة أمثالنا . هناك طبقية في بريطانيا لدينا طبقات العمال والموظفين والنبلاء، ولكن أرى الجميع عبيداً إما للدولة أو البنوك أو بطاقات الائتمان أو الوظائف أو الرهن العقاري وغيرها . حاول النظر في عيون الركاب ستجدهم تائهين يهربون من مشاكلهم إلى الموسيقى في آذانهم أو الكتاب في أيديهم هل تراهم مبتسمين؟ يتجنبون النظر في عيون بعضهم البعض . ألم تقرأ اللوحات في القطارات التي تطلب من الناس عدم النظر في عيون بعضهم البعض؟ هم في وسط محيط من البشر ولكنهم يشعرون بالوحدة، لذلك هم في هروب إلى الأمام من خلال الاتصال الدائم بمن ليس بجانبهم من خلال الآي فون والهواتف الحديثة، لا يستطيعون البقاء وحيدين ولو دقيقة، هم مجرد أرقام .
سألت: أتريد التلميح أنك أكثر سعادة منهم؟
لا، لدي من المشاكل ما يكفيني ولكن أنا حر، ولست عبداً لاحد، وحريتي في تشردي وأنا حر حين أنسى من قبل هؤلاء العبيد .
لكن أنت عبد للسبعين جنيهاً التي تتقاضاها من الحكومة فأنت عبد لها إذاً؟
نعم، ولكن لن أذهب إلى السجن أو افقد بيتي إذا لم أدفع فاتورتي، فأنا أصلاً أسكن الشارع، ولا أملك بيتاً أخاف أن يأخذوه مني، وليس لدي منزلة اجتماعية أخاف عليها كالمنافقين، فأنا بنظرهم مشرد لا يؤاخذ على فعله .
كم معدل مكوثك في المدينة؟
ستة أشهر لحين استنفاد رصيدي من الشفقة .
أي شفقة .
شفقة الناس علي .
ضحكت .
سألت: كيف ترى الحكومة؟
قال: الحكومة تدير شؤون هذا البلد كأنها شركة تريد فقط تحقيق الأرباح واتمنى أن أرى ثورة ضدها؟
قلت: أي ثورة التي تتحدث عليها وأنتم الإنجليز اقصى ما تفعلونه حين تتذمرون هو كتابة رسالة شكوى؟ لكن ما الذي لا يعجبك بها؟
هم أقوياء على أمثالي ضعفاء وجبناء أمام مديري البنوك الجشعين الذين يتقاضون نسب أرباح خيالية وكلما اشتدت الأزمة تحملها المهمشون ورفعوا أسعار السكن وفواتير الكهرباء والماء . الحكومة منتخبة ديمقراطياً ولكنها تمثل الأغنياء فقط الذين يملكون 59% من أموال هذا البلد . سياسة الحكومة ورفع الأسعار علمت الناس أساليب جديدة للتحايل عليها للاستفادة من المساعدات، أعرف عائلات تنجب أطفالاً فقط من أجل اعانات الصغار التي تمنحها الحكومة . السياسيون يخدعوننا ونحن نخدع الحكومة .
هل تصوت في الانتخابات؟
لا .
إذا كنت لا تصوت لماذا تطالب بحقوق سياسية؟ هذا لا يعني أنني لا استطيع التعبير عن سخطي من النظام السياسي الفاسد في هذا البلد .
هل تملك جواز سفر؟
نعم، لكن صلاحيته منتهية منذ عشرين عاماً، ومن دون عنوان ثابت لا تستطيع تجديد أي شيء .
لو خيرتك بين العيش هنا أو أي دولة في العالم ها تغادر؟
لا، لا أريد أن اتشرد أكثر من تشردي، أنا سافرت لليونان قبل عشرين عاماً لأزور الشمس، وقضيتها مشرداً بين المدن اليونانية .
هل أنت راض عن المهاجرين القادمين لبلدك؟
لا أريد أن أراهم هنا لأنهم يأخذون وظائفنا .
ولكن أنت لا تريد وظيفة ولا تريد العمل؟
الشباب لهم الحق في وظيفة .
حياتك قاسية ألا تخاف الموت الطائش؟ وماذا تريد بقية حياتك؟
سأكتب كتاباً عن حياتي كمشرد وأملك كل الملاحظات والقصص .
أتمنى لك التوفيق .
ولكن من أين أنت؟ قلت له: أنا من قرية عزلاء منسية شوارعها وأهفو إلى وطني .