يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة فصلت: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون، نزلا من غفور رحيم، ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (فصلت 30 35).
ومعنى الآيات الكريمة أن الذين قالوا ربنا الله باعتقاد جازم، ثم استقاموا على طاعته في جميع الأحوال، تتنزل عليهم من ربهم الملائكة لتقول لهم في ساعة احتضارهم وعند مفارقتهم الدنيا، وفي كل حال من أحوالهم: لا تخافوا أيها المؤمنون الصادقون مما أنتم قادمون عليه في المستقبل، ولا تحزنوا على ما فارقتموه من أموال أو أولاد وأبشروا عما قريب، بالجنة التي كنتم توعدون بها في الدنيا.
زيادة المسرة
ثم يقولون لهم أيضا على سبيل الزيادة في المسرة: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة أي نحن نصراؤكم على الخير، وأعوانكم على الطاعة في الحياة الدنيا التي توشكون على مفارقتها، وفي الآخرة التي هي الدار الباقية سنتلقاكم فيها بالتكريم والترحاب ولكم فيها (أي في الدار الآخرة) ما تشتهي أنفسكم من أنواع الطيبات التي أعدها لكم خالقكم في جناته.
ومعنى قوله تعالى: ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم أي لكم في الدار الآخرة جميع ما تطلبونه وما تدعونه حال كون هذا المعطى لكم رزقا وضيافة مهيأة لكم من ربكم الواسع المغفرة والرحمة.
ثم تتحدث الآيات الكريمة بعد ذلك عن الذين يقومون بالدعوة إلى الحق بحكمة وإخلاص فقال الحق سبحانه: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين.
أي لا أحد أحسن قولا، وأعظم منزلة ممن دعا غيره إلى طاعة الله تعالى، وإلى المحافظة على أداء ما كلفه به ولم يكتف بهذه الدعوة لغيره، بل اتبع ذلك بالعمل الصالح الذي يجعل المدعوين يزدادون استجابة له وقال بعد كل ذلك على سبيل السرور والابتهاج والتحدث بنعمة الله إنني من المسلمين، أي من الذين أسلموا وجههم لله تعالى، وأخلصوا له القول والعمل.
ثم أرشد سبحانه إلى ما ينمي روح المحبة والمودة بين الداعي والمدعوين بصفة خاصة، وبين المسلم وغيره بصفة عامة، فقال: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أي لا تستوي الخصلة الحسنة ولا الخصلة السيئة لا في ذواتهما ولا في الآثار التي تترتب عليهما إذ الخصلة الحسنة جميلة في ذاتها، وعظيمة في الآثار الطيبة التي تنتج عنها، أما الخصلة السيئة فهي قبيحة في ذاتها وفي نتائجها.
دفع السيئة بالحسنة
وقوله تعالى: ادفع بالتي هي أحسن إرشاد منه تعالى إلى ما يجب أن يتحلى به عباده المؤمنون.
أي: مادامت الخصلة الحسنة لا تتساوى مع الخصلة السيئة فعليك أيها المسلم أن تدفع السيئة إذا جاءتك من المسيء بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات بأن تقابل ذنبه بالعفو، وغضبه بالصبر وقطعه للصلة وفظاظته بالسماحة.
وقوله سبحانه: فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم بيان للآثار الجميلة التي تترتب على دفع السيئة بالحسنة.
والمعنى: إذا دفعت السيئة بالحسنة صار عدوك الذي أساء إليك كأنه قريب منك، لأن من شأن النفوس الكريمة أنها تحب من أحسن إليها، ومن عفا عنها، ومن قابل شرها بالخير، ومنعها بالعطاء.
ولما كانت هذه الأخلاق تحتاج إلى مجاهدة للنفس عقب سبحانه على هذه التوجيهات السامية بقوله: وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم.
أي: وما يستطيع القيام بتلك الأخلاق العظيمة التي على رأسها الدعوة إلى الله ومقابلة السيئة بالحسنة، إلا الذين صبرا على المكاره وعلى الأذى. وما يستطيعها أيضا إلا صاحب الحظ الوافر، والنصيب الكبير من توفيق الله تعالى له إلى مكارم الأخلاق.