يعد لغز احتراق أجسام البشر تلقائياً والمعروف علمياً بالمصطلح SHC من أكثر الأشياء غرابة، كما أنه من أكثر الظواهر إثارة للرعب في عالم اللامعقول . فمجرد التفكير في إمكانية تعرض جسم إنسان للاحتراق مطلقاً ألسنة من اللهب دون أي تدخل خارجي أو من دون استعمال مصدر إشعال، أمر غاية في الإثارة، خاصة أن الإنسان لا يحتوي على مواد يمكنها أن تسبب هذا الاشتعال الذاتي . وعلى مدار 300 سنة، وردت تقارير تؤكد تعرض أشخاص لموجة من الحرارة الشديدة ثم الاحتراق دون إنذار مسبق أو التعرض لمصدر إشعال خارجي، ولا يتبقى من الجسم المحترق سوى كومة من الرماد وربما قطع عشوائية من أطراف متفحمة .

والسؤال الذي يطرح نفسه كيف يمكن أن تلتهم النيران جسداً آدمياً بطريقة آلية؟ وما يحير الخبراء أنه بالرغم من احتراق الجثة بكاملها، فإن قطع الأثاث التي توجد على مقربة من الجثة أثناء اشتعالها أو ملامسة لها، لا تتأثر بالنيران . ووجد أن معظم الأشخاص الذين كانوا ضحية الاحتراق الذاتي، وقع عليهم الهجوم فجأة أثناء جلوسهم على أحد المقاعد أو فوق أريكة ما .

وأرجع أحد المفسرين الظاهرة العجيبة إلى نوع من التفاعلات الكيميائية تسببه مواد موجودة داخل جسم الإنسان تحفزها اضطرابات الشيخوخة، بيد أن هذه النظرية فقدت مصداقيتها .

اشتركت جميع حوادث الاحتراق الذاتي للبشر في عدة أشياء، إذ وجد المفسرون أن جذع الجسم أول وأكثر الأجزاء تأثراً، وبعد الهجوم القاتل تتحول القدمان إلى اللون الأسود القاتم بعد تفحمهما .

ومن الأشياء البارزة التي يعثر عليها بعد العملية الذراعان، والجمجمة وربما أيضاً الحبل الشوكي .

وقال المفسرون إن الضرر الفعلي الذي يحدث للجسم المحترق ذاتياً تسببه موجات شديدة الحرارة تفوق حرارتها محرقة الجثث .

والفكرة الرئيسية التي أثارت الغرابة حول ظاهرة احتراق البشر ذاتياً أنه بالرغم من درجات الحرارة الفائقة التي يتعرض لها الجسم، والتي يعتقد الخبراء أنها تصل إلى 600 درجة مئوية، فالمواد والأشياء التي على مقربة من الجسم المحترق لا تتأثر بدرجات الحرارة رغم احتراق ملابس الجثة نفسها، وربما تخلف عملية الاحتراق مجرد بقعة صغيرة محترقة من السجاد، التي يمكن أن تكون قد سببتها قدما الضحية المحترقتان .

وفي حادثة وحيدة ماتت إحدى السيدات بعد تعرض جسمها للاحتراق الذاتي أثناء نومها، ولم تترك الحادثة أي آثار واضحة على أغطية السرير، وفي أحيان كثيرة، عثر على رماد شديد القتامة على الحوائط القريبة والأسقف .

د . والتر كروجمان، أستاذ الانثروبولوجيا الفيزيائية في جامعة بنسلفانيا، أجرى عدة اختبارات وتحليلات لعظام الجثث المحترقة التي مازالت ملتصقة بقطع من اللحم ليرى إذا كان هناك اختلاف بين تأثير النار على اللحم وعلى العظام . كما أجرى تحليلات مشابهة لعظام رطبة خالية من اللحم، وعلى العظام التي يلتصق بها قطع لحم رطبة، وأيضاً على عظام جافة .

وقام كروجمان بحرق عدد من الجثث باستخدام مواد إشعال مختلفة مثل خشب شجرة الجوزية، وخشب البلوط، والبنزين والنفط والفحم، والأسيتيلين .

ووجد كروجمان أن احتراق اللحم والعظم كاملاً لا يتم إلا في درجات حرارة مرتفعة جداً، كما وجد أن الجثث التي أحرقها لم يكتمل احتراقها إلا بعد مرور أكثر من ثماني ساعات في درجات حرارة بلغت 2000 درجة فهرنهايت، ولم يتحول الجسم إلى رماد، وعندما زاد درجات الحرارة إلى 3000 درجة فهرنهايت، لاحظ أن العظم بدأ في التفتت .

فكيف إذن يحترق جسم إنسان كاملاً في فترة زمنية لا تتعدى الساعة الواحدة، كما حدث في حالات كثيرة، بحيث إن النيران لم يكن لديها الوقت الكافي لتنتشر وتلتهم ما يحيط بالجثة من مواد كالقماش والخشب .

وسجلت أولى حالات احتراق جسم بشري ذاتياً في عام ،1673 بواسطة فرنسي يدعى جيمس دوبون الذي درس عدد من الحالات أوردها في كتاب له بعنوان حوادث احتراق البشر ذاتياً . وبدأ اهتمام دوبون بالظاهرة بعد قضية نيكول ميلليت، التي برأت فيها المحكمة رجلاً من تهمة قتل زوجته، بعد أن توصلت المحكمة إلى أن الزوجة تعرضت للاحتراق الذاتي الذي كان السبب في وفاتها .

وبدأت فكرة احتراق البشر ذاتياً تلقى مصداقية وقبولاً في آواخر القرن السابع عشر، وتحدث عنها الكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز، وتناولها كسبب مباشر وراء موت شخصية كروك في روايته بليك هاوس في عام 1852 .

وفي يوليو من عام ،1937 تعرضت امرأة في قارب بصحبة زوجها وأطفالها في نهر نورفولك بإنجلترا، لصاعقة من اللهب الأزرق لتتحول في لحظات إلى كومة من الرماد، وللغرابة الشديدة لم يصب أي من أفراد عائلتها بضرر، كما لم يتأثر القارب وكأن شيئاً لم يحدث .

وفي سبتمبر ،1938 في بلدة تشيلمسفورد بإنجلترا، انفجرت سيدة متحولة إلى لهب أزرق وسط حشد من الناس في إحدى الحفلات الراقصة، ولم يستطع أي من الحاضرين أن يطفئ النار التي انطلقت من داخلها، ليتحول جسمها في دقائق إلى كومة من الرماد المتفحم .

وفي إحدى القضايا التي اعتبرت أهم قضية احتراق جسم بشري ذاتياً، وبطلتها سيدة تدعى ماري ريزر من مدينة سانت بيتسبيرغ في ولاية فلوريدا الأمريكية، التي شوهدت وهي مسترخية فوق كرسي في شقتها في التاسعة من صبيحة الأحد الثاني من يوليو من عام ،1951 وبعد 11 ساعة جاءها شخص ليسلمها برقية ولكنه لم يجد منها سوى جمجمة انكمش حجمها، وفقرة عظمية، والقدم اليسرى وعليها ما تبقى من خف أسود محترق .

وقال رئيس فريق مكافحة النيران في سانت بيتسبيرغ إنه لم تسبق له رؤية شئ مشابه لما رآه ذلك اليوم خلال سنوات خدمته، وتسلم رئيس الشرطة تقريراً من المباحث الفيدرالية نفت فيه وجود أي دليل على وجود سوائل قابلة للاشتعال أو مواد متطايرة، أو مواد كيميائية، أو أي نوع من المواد التي يمكن أن تكون سبباً في تسريع احتراق جسد الضحية .

ونفى متحدث عن شركة سانت بيتسبيرغ للمفروشات وجود مواد داخل حشو الكراسي أو الأثاث يمكن أن تكون سبباً لحرق جسم بشري .

وأضاف أن حشو الكراسي معظمه من القطن المخلوط بالشعر والألياف ورغوة المطاط، وهي مواد لايمكن لأي منها، حسب قوله، أن تحترق فجأة وتتحول إلى ألسنة من اللهب، بالرغم من أن بها خصائص المواد القابلة للاشتعال لفترات طويلة .

وفي بداية الأمر قال كروجمان إنه ربما كان المتسبب صاعقة برق عنيفة، هاجمت السيدة وكان جسمها بمثابة موصل جيد للكهرباء بينها وبين الأرض . وتراجع كروجمان عن فرضيته هذه بعدما علم أن سجلات مكتب الطقس المحلي لم يرد بها ذكر لعواصف رعدية أو برق في سانت بيتسبيرغ في الليلة التي قتلت فيها السيدة .

وقال كروجمان إنه لم يسبق له رؤية جمجمة منكمشة، أو جسد أتت عليه النيران كاملاً كما حدث لهذه السيدة . وقال الحادث من أغرب ما رأيت في حياتي، ولو كنت في العصور الوسطى لسيطر على الشك في أن السحر الأسود وراء كل ما يحدث . وفي عام ،1960 نجت لويز ماتيوس من جنوب فيلادلفيا، بأعجوبة شديدة بعدما مرت بتجربة كادت أن تكون دليلاً داعماً لنظرية العاصفة الرعدية . وقالت لويز إنها أثناء نومها على أريكة في حجرة معيشتها، نهضت لترى كرة حمراء كبيرة من النيران وهي تخترق النافذة المغلقة والستائر المعدنية دون أن تحدث فيهما أي ضرر يذكر .

وفي بداية الأمر، ظنت أن قنبلة نووية سقطت فوق منزلها فدست وجهها في الأريكة، إلا أن كرة اللهب اخترقت حجرة المعيشة ونافذة حجرة الطعام المغلقة .

وقالت لويز إن كرة اللهب أحدثت أزيزاً وهي تجوب أرجاء بيتها، وإنها عندما مرت من فوقها شعرت بالوخز في رأسها . كما أحست أن فروة رأسها أصبحت ملساء مثل وجهها . وفي التاسع عشر من أغسطس ،1966 ماتت دوريس لي جاكوبس محترقة في منزلها بولاية كاليفورنيا، الذي لم تصبه النيران بضرر، بالرغم من نسبة الحروق في جسم القتيلة تخطت ال 95 في المئة .

ولم يستطع المسؤولون تقديم أي تفسير لما حدث .

وفي السابع من إبريل ،1969 عثر على جريس ووكر في حجرة بيتها في لونغ بيتش في كاليفورنيا، على قيد الحياة والحروق تغطي 90 في المئة من جسمها، ولم تكد تصل إلى المستشفى حتى لفظت أنفاسها الأخيرة .

وقال المحققون إنهم لم يعثروا على أثر لنيران في المنزل بكامله سوى كومة من الرماد الذي خلفته ملابس ووكر، المحترقة بفعل النيران التي التهمت جسدها، ولم تجد الشرطة أي مواقد مشتعلة في المكان، ولا حتى عود ثقاب واحداً قد يكون سبباً في ما حدث .

وقال أقارب ووكر وأصدقاؤها إنها لم تكن مدخنة ولم تحمل ثقاباً أبداً .

وفي مارس من عام ،1997 عثر على جون أوكونر البالغ من العمر 76 عاماً ميتاً في حجرة نومه في بيته في جورتالين شمال ايرلندا، وتعرض القتيل لموجة عاتية من الحرارة الشديدة لم تبق على شيء منه سوى رأسه، والجزء العلوي من الجذع، وقدميه، والكرسي الذي كان يجلس عليه . وتضرر أثاث الحجرة قليلاً جراء الدخان الذي ملأ المكان .

وفي نوفمبر من عام ،1998 عثر على بقايا قليلة من جسد امرأة في السابعة والستين تدعى جيزيل في منزلها الريفي في هونفلور في فرنسا، ووجد المحققون كومة من الرماد وبقايا قدمها اليسرى . وفي هذه الحادثة وجد الكرسي الذي كانت تجلس عليه جيزيل وقد تفكك، بالرغم من بقية أجزاء المنزل لم تتضرر من النيران .

وفي ديسمبر من عام ،2001 ماتت أمريكية جراء إصابتها بحروق من الدرجة الثالثة غطت 90 في المئة من جسدها، وأصيب رجال الإطفاء والطبيب الشرعي بالذهول إذ إن النار التي التهمت جسد المرأة لم يستغرق إطفاؤها سوى دقائق معدودة بعدما التهمت فقط أريكة وطاولة والكرسي الذي كانت تجلس فوقه الضحية .

دكتور دي جيه جي محاضر في الطب الشرعي في جامعة ليدز في إنجلترا، كتب عن إحدى حوادث الاحتراق الذاتي للبشر في صحيفة الطب والعلم والقانون قائلاً كانت الضحية امرأة نحيفة في الخامسة والثمانين، تعيش مع ابنها وزوجته في شقة بالطابق الأرضي، وغادرت أسرتها الشقة في التاسعة والنصف صباحاً في اليوم الذي توفيت فيه . واكتشف الجيران دخاناً متصاعداً من نافذة مطبخها، وعثروا على بقايا متفحمة من جسم بشري فوق المدفأة .

وعندما ذهب جي إلى الشقة بعد مرور ساعتين، اكتشف أن أجواء الحجرة كانت شديدة السخونة، والسقف أيضاً، كما تغيرت ألوان اللوحات الفنية، وتلوثت الجدران بفعل الدخان . كما اكتشف جي أن الجزء الخشبي الجانبي من المدفأة كان محترقاً، ومساحة لا تتجاوز القدم من أرضية الغرفة تضررت، إلا أن السجادة لم تحترق .

وتوصل طبيب يدعى جافين ثورستون في عام 1961 إلى عدد من الاستنتاجات بعد دراسته ظاهرة الاحتراق الذاتي لأجساد البشر، ومنها: أن جسم الإنسان ربما يشتعل تحت ظروف معينة بسبب الدهون الموجودة بداخله، دون أن يتسبب ذلك في الضرر بالمكان المحيط أو ربما يكون الضرر بسيطاً، وأن الاشتعال ليس ذاتياً، لكنه يبدأ بسبب مصدر حرارة ذاتي كامن، وأن الظاهرة تحدث أثناء وجود الضحية في ممر تيار هوائي مصدره مدخنة، أو نار مشتعلة، وتحول الأكسدة في المداخن دون انتشار النار في المحيط .

وأجرى جي بعض التجارب ليختبر نظرية ثورستون، فوجد أن الدهون الموجودة داخل الجسم يمكن أن تذوب إذا وضعت داخل بوتقة عند درجة أعلى من 250 مئوية فقط .

وقال جي إن خيوط القماش المغموسة في دهون سائلة يمكن أن تحترق إذ انخفضت درجة حرارة الدهون إلى 24 درجة مئوية . وغلف جي قطعة من الدهن البشري بطبقات متعددة من القماش الرقيق وجعلها على شكل لفافة طولها 8 بوصات، وقام بإشعالها فاحترقت تدريجياً وببطء شديد وتصاعد منها لهب ذو دخان أصفر مخلفاً مواد سوداء قاتمة .

وفي كلتا التجربتين استخدم جي مروحة هوائية ليجعل اتجاه الاشتعال عكس اتجاه تيار الهواء الطبيعي .

واعترف جي بعد تجاربه بأن تفسير ثورستون لظاهرة احتراق البشر هو الأقرب والأكثر إقناعاً . وبفحص ضحايا الاحتراق المفاجئ أشار العلماء إلى أن الهجوم يقع دون تحذير مسبق كما أنه لا يترك دليلاً واضحاً، ومن الواضح أيضاً أن ضحاياه من كبار السن والسيدات، بيد أنه ليس هناك قاعدة ثابتة لهذا الهجوم الحارق .

ولم يتوصل أي من المحققين حتى الوقت الحاضر إلى السبب وراء احتراق خلايا الجسم وتحولها إلى لهيب يتغذى تلقائياً على دهون الجسم وأنسجته، كما لم يجدوا تفسيراً شافياً للظاهرة، وما من تأكيدات لصحة الفكرة التي ترجع السبب إلى احتمال حدوث خطأ في كهرباء الجسم .