«القاهرة تؤلف.. بيروت تطبع.. بغداد تقرأ».. هذه المقولة انتشرت في سبعينات القرن الماضي.. وكانت أشبه بالمسلّمة والبديهية، لا اختلاف بشأنها، سواء بين الأدباء، أو المثقفين، أو القراء.. بما يوحي أن العراق كان مكتبة بحجم قرائه، ويمثل معرضاً دائماً للكتاب، ولا ينتظر مواسم، أو مناسبات معارض الكتاب إلا بما يمثله ذلك من احتفالية تجمع الأدباء مع قرائهم في مكان وزمان واحد.. وكذلك الأدباء من الأجيال اللاحقة مع الأجيال السابقة.. لتشكل ذكريات حية ومحفزة في تاريخ المسيرة الثقافية والإبداعية في العراق..
من المعروف عن القارئ العراقي، مؤلفاً وقارئاً، أنه متابع نشط، ومستمر لكل ما ينشر في العراق، والوطن العربي، من مطبوعات للكتاب والأدباء العرب، أو ما يُترجم للأدباء العالميين، ويحرص أشدّ الحرص على الحصول على تلك الإصدارات بشتى الوسائل المتوفرة .
كان شارعا الرشيد، والسّعدون في بغداد بمثابة مجمع للمكتبات التي يرتادها الأدباء والمثقفون يومياً، أو معرض دائم ومتجدد للكتاب، للتعرف إلى آخر الإصدارات في العراق، والأقطار العربية، والعالم.. قبل الذهاب في الموعد اليومي شبه المقدس إلى نادي اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين الذي يقع مقره في ساحة الأندلس.. وكان رئيسه الفخري شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري.. حيث كانت تدور النقاشات الحامية، والصاخبة أحياناً، حول آخر حصاد المطابع من الإبداع بكل ضروبه.
هذه الطقوس تتحول يوم الجمعة إلى شارع المتنبي، وبالإلزام نفسه، والنوع والكم من الأدباء والمثقفين والقراء، ولنفس الأهداف والغايات، حيث يتحول إلى معرض كبير للكتاب، يعج بآخر الإصدارات، وللبيع والشراء في آن، وكان مقهى «حسن عجمي» في الحيدرخانة مكان الاستراحة واللقاءات والحوارات، وتبادل الأفكار والآراء في كل ما يتعلق بالثقافة والفكر والإبداع.. ثم انتقل المسرح بعد ذلك إلى مقهى الشابندر هذه الأيام.. وكذلك مقهى أم كلثوم الشهير.. ومقهى الزهاوي.. القريبة من بعضها بعضاً.
في خضم هذا الحراك الحيوي كانت تقام معارض الكتاب في بغداد، وأهمها طبعاً معرض بغداد الدولي للكتاب، الذي تنظمه وزارة الثقافة والإعلام، على أرض معرض بغداد الدولي، أثناء إقامة معرض بغداد الدولي التجاري الشهير، الذي أقيم عام 1964، وفي عام 1968 تطور حتى أصبح من التظاهرات الاقتصادية والتجارية الدولية الكبيرة.
ومن المعارض المهمة التي أقيمت وما زالت في الذاكرة، «معرض الشرق للكتاب»، أقامته الدار الوطنية عندما كان مديرها العام سعد البزاز عام 1986. وفي هذا العام قامت دار الشؤون الثقافية، ممثلة بدار آفاق عربية بطبع (600) عنوان، وهو عدد قياسي عندما كان مديرها الأديب الدكتور محسن جاسم الموسوي.
فضلاً عمّا كانت تقوم به دار المأمون للترجمة والنشر في وزارة الثقافة والإعلام، سواء من خلال ترجمة الكتب والإصدارات الأجنبية، أو ترجمة نصوص عراقية إلى اللغة الإنجليزية، في مجلة «الثقافة الأجنبية»، ومجلة «جلجامش» التي كان يرأس تحريرها الدكتور ناجي الحديثي..
ومن الطريف هنا ما كان يقال عن الأديب الكبير جبرا إبراهيم جبرا، أنه كان يختار الكتاب للترجمة ويقترح أن يقوم هو بترجمته مع تحديد مبلغ المكافأة عن الترجمة.. وكانت الدائرة تأخذ بهذا المقترح طبعاً.. وتنفذه..
وبعد أن فاز ماركيز بجائزة نوبل وأصبح عام 1982 عام ماركيز واشتهرت روايته «مئة عام من العزلة»، سرت شائعة بأن النص كان قدم للنشر في بغداد عام 1979، ولكن تم رفضه، ولذلك سارعت الجهة المعنية في الوزارة بطبعه، تكفيراً عن الخطأ.
وفي عام 1995 تأسس بيت الحكمة، وهو مؤسسة علمية فكرية بحثية بغية إحياء دور بيت الحكمة العباسي، وعمل البيت على إغناء وتنمية الساحة الثقافية والمعرفية بأمهات الكتب والإصدارات المحلية والعربية والعالمية،، حتى وصل عدد العناوين في مارس/ آذار سنة 2003 نحو 12 ألف كتاب باللغات العربية والأجنبية، وكان بمثابة معرض دائم للكتاب، وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 تعرضت المكتبة للسرقة والتخريب جراء التدهور الأمني.كما تجدر الإشارة هنا إلى دار الكتب والوثائق العراقية، أو المكتبة الوطنية كما هو متعارف عنها، وقد تشكلت في 1987 بغرض إصدار الببليوغرافية الوطنية العراقية بشكل دوري ومنظم وتبادل المطبوعات على مستوى عربي، وإقليمي، ودولي، وتوفير، واقتناء المطبوعات التي تخص العراق الصادرة باللغات العالمية لتغدو مجموعات المكتبة متكاملة وشاملة. وبلغ عدد المخطوطات 47 ألف مجلد، من بينها مجموعة كبيرة من المخطوطات النفيسة والنادرة، من بينها مجموعة كبيرة من المخطوطات التي كتبت لخزائن الخلفاء والسلاطين والأمراء، ومنها تلك التي دونت بخطوط مؤلفيها، التي يرقى بعضها إلى القرن الأول الهجري، والجدير بالذكر أن المئات من المخطوطات العراقية تعرضت خلال عام 2003 وما بعده إلى أضرار واسعة نتيجة عمليات النهب والسلب الواسعة التي شهدتها البلاد، بعد الاجتياح الأمريكي.
كل هذا الحراك الثقافي والإبداعي كانت تحتضنه الدار الوطنية للنشر والتوزيع والإعلان التي تأسست عام 1972، وهي مؤسسة ذات نفع عام، ولها شخصية معنوية واستقلال إداري ومالي، وتعنى الدار بنشر مختلف المطبوعات باللغة العربية واللغات الأخرى، والاهتمام بالكتاب العراقي بشكل خاص، والعربي بشكل عام. وكذلك استيراد وتصدير وتوزيع المطبوعات بمختلف أنواعها بطرق مباشرة أو غير مباشرة.. وكانت مسؤولة عن إقامة معارض الكتاب داخل العراق وخارجه..
ويمكن هنا أن نستعرض على عجالة أيضاً، أهم المجلات الأدبية في العراق، منها مجلة «آفاق عربية» وصدرت عام 1975واستمرت حتى 2003 بعد 336 عدداً.. وتعاقب على رئاسة تحرير المجلة عدد من الشعراء والنقاد أولهم الشاعر شفيق الكمالي والناقد والأكاديمي الأستاذ الدكتور محسن جاسم الموسوي الذي نقلها إلى آفاق مفتوحة وحقق لها مكانة وحضوراً بارزين في الحياة الثقافية العربية، وأسهم في تحريرها عدد من الكتاب العراقيين والعرب.
كما صدر العدد الأول من مجلة الأقلام الأدبية الشهيرة في شهر سبتمبر/ أيلول 1964 وهي مجلة عريقة شكلت علامات مضيئة في الحياة الثقافية العراقية والعربية، وشهدت تطوراً لافتاً منذ آب 1970. وقد تناوب على رئاسة تحريرها عدد من الكتاب والأدباء.
وصدرت مجلة «الطليعة الأدبية» في نوفمبر/تشرين الثاني 1974 وهي مجلة متخصصة بالأدب الجديد تولى رئاسة التحرير القاص والروائي خضير عبد الأمير.. وكانت تعنى بأدب الشباب خاصة، والفكر والثقافة بشكل عام..
كل هذا الحراك كان يردفه ما تقوم بنشره الصفحات الثقافية في الصحف اليومية، وهي جريدة الثورة، والجمهورية، والقادسية، والعراق، وكانت تخصص أربع صفحات يومية لتغطية فعاليات المربد الذي كانت تخصص له وزارة الثقافة والإعلام قناة تلفزيونية خاصة لمتابعة فعالياته كلها على مدار اليوم. فضلاً عن الصفحات الثقافية في المجلات الأسبوعية مثل مجلة «ألف باء»، ومجلة «فنون» التي كان يرأس تحريرها الناقد محمد الجزائري، وهناك مجلة «صوت الفلاح» ومجلة «صوت الطلبة»، ومجلة «وعي العمال» التي كان يكتب صفحتها الأخيرة الشاعر عبدالوهاب البياتي.
بغداد.. معرض مفتوح للكتاب
1 نوفمبر 2017 00:49 صباحًا
|
آخر تحديث:
1 نوفمبر 16:40 2017
شارك
يونس ناصر